مدخل في علم العقيدة

أهل السنة والجماعة ليس لهم رسم ولا اسم يتسمون به خصوصًا غير أهل السنة والجماعة، ذلك الاسم الذي يعني في الحقيقة التزام الجادة والمحجة البيضاء التي تركنا عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، "فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"(1).

وهذا بخلاف أهل البدع الذين انتحلوا لأنفسهم أسماء أرادوا أن تميزهم عن غيرهم، أو سماهم غيرهم بها فقبلوا تسميته لهم، كما أنه ما من فرقة إلا وابتدعت لأهل السنة اسمًا يناسب ما خالفها فيه أهل السنة، ومع ذلك بقي أهل السنة لم يلزمهم اسم من هذه الأسماء الباطلة.

سئل مالك رحمه الله عن السنة، فقال: "هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام:153]" (2)، وروى ابن عبد البر قال: "جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله، أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بيني وبين الله U . قال مالك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، سل. قال: من أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي"(3).

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوى السنة. يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها"(4).

ويقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى: "وليس لهم -أي أهل السنة والجماعة- رسم ومنهاج سوى منهاج النبوة (الكتاب والسنة)؛ إذ الأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه، إنما الذي يحتاج إلى اسم معين هو الخارج من هذا


الباب الأول

مفهوم أهل السنة والجمـاعة

الفصل الأول

التعريف بمصطلح أهل السنة والجماعة وبيان مشروعيته

أولاً: تعريف المصطلح باعتبار مفرداته.
ثانيًا: تعريف المصطلح باعتبار تركيبه الإضافي.
ثالثًا: بيان مشروعية هذا المصطلح.

أولاً: تعريف المصطلح باعتبار مفرداته:

أ- تعريف السنة لغة واصطلاحًا:

1- السيرة والطريقة: حسنة كانت أو قبيحة، وهي مأخوذة من السَنَن وهي الطريق. وقد ورد هذا المعنى في قوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } [النساء:26]، يعني طرائقهم الحميدة(2). ومن ذلك الحديث: "من سن في الإسلام سنة حسنةومن سن في الإسلام سنة سيئة"(3). قال ابن منظور: "وقد تكرر في الحديث ذكر السنة، وما تصرف منها، والأصل فيه: الطريقة والسيرة"(4).

2- الصقل والتزيين: فيقال: سن الشيء أي: صَقَله وزيَّنَه.

3- التقوية: فالعرب تقول: الحمض يسن الإبل على الخلة أي: يقويها، كما يقوّي السَّنُّ حدَّ السكين. والسِّنان، (الاسم) من يَسُنّ: وهو القوة.

4- البيان: فسنة الله أي: أحكامه، وسن الله سنة: أي بيّن طريقًا قويمًا، قال الله تعالى: { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ } [الأحزاب:38، 62].

5- العادة الثابتة المستقرة: فسنة الله أيضًا بمعنى: حكمه وقضاؤه الثابت الذي لا يختلف، قال تعالى: { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الفتح:23]، وقال: { سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } [الإسراء:77]. فالسنة هنا تعني: العادة الثابتة التي حكم الله بها وقضاها(5).

_____________________________

(1) يراجع في معناها اللغوي: لسـان العرب لابن منظور (6/365-402)، والقاموس المحيـط للفيروز أبادي ص1557-1559، ومختار الصحاح للجوهري ص133.
(2)
تفسير ابن كثير (1/480).
(3)
رواه مسلم (1017) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه .
(4)
لسان العرب (6/399).
(5)
انظر: تفسير ابن كثير (3/54).


·         السنة اصطلاحًا:

السنة لها معان اصطلاحية متعددة بحسب الفن الذي ترد فيه، فالسنة عند الفقهاء غيرها عند المحدثين، غيرها عند الأصوليين، ولكن يعنينا هنا معناها عند علماء الاعتقاد، فمن ذلك:

1- اتباع العقيدة الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة:

يطلق السلف: "السنة" على أصول الدين وفرائض الإسلام وأمور الاعتقاد، والأحكام القطعية في الدين، وعلى هذا جرى الإمام أحمد وغيره في تصنيفهم كتب الاعتقاد باسم السنة(1). وعلى هذا فالسنة تطلق عندهم على: "ما سلم من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، و في مسائل القدر، وفضائل الصحابة"(2).

ويلحظ في سبب هذا الإطلاق للفظ السنة؛ أن السنة من مصادر التلقي للعقيدة الصحيحة؛ ولذا جعل بعض السلف السنة بمعنى الاتباع، وبعضهم جعلها بمعنى الإسلام، فإذا قيل مذهب أهل السنة؛ فالمراد: معتقداتهم وأقوالهم في أصول الدين.

2- ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والعمل والهدي وكل ما جاء به مطلقًا:

قد تطلق السنة باصطلاح أعم فتشمل التوحيد وغيره، وهو: "طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه علمًا وعملاً، اعتقادًا وسلوكًا، خلقًا وأدبًا، وهي السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها"(3). ويشهد لهذا المعنى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، وفيه: "فمن رغب عن سنتي فليس مني"(4).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن السُنَّة التي يجب اتباعها ويُحمَد أهلها ويذم

_____________________________

(1) المدخل لدراسة العقيدة د. إبراهيم البريكان ص12.
(2) كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة لابن رجب الحنبلي ص26-28.
(3) مباحث في عقيدة أهل السنة د. ناصر العقل ص13.
(4) رواه البخاري (5063)، ومسلم (1401).


من خالفها: هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الاعتقاد، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات"(1).

ب- تعريف الجماعة لغة واصطلاحًا:

1- الاجتماع: وهو ضد التفرق، والفرقة، فالجماعة اسم مصدر اجتمع يجتمع اجتماعًا وجماعة، ويقال تجمَّع القوم، إذا اجتمعوا من هنا وهناك.

قال ابن تيمية: "الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين"(3).

2- الجمْع: وهو اسم لجماعة الناس، والجمع مصدر قولك: جمعت الشيء.

3- الإجماع: وهو الاتفاق والإحكام، يقال: أجمع الأمر أي أحكمه، ومنه إجماع أهل العلم، أي: اتفاقهم على حكم مسألة.

تعددت الأقوال الواردة في معنى الجماعة شرعًا، وبمحاولة الجمع والتوفيق بين هذه الأقوال المتعددة نلاحظ أن جملة هذه المعاني تؤول إلى معنيين اثنين:

الأول: ما عليه أهل الحق من الاتباع وترك الابتداع، وهو مذهب الحق الواجب اتباعه والسير على منهاجه، ولو كان المتمسك بهذا قليلاً، وهذا معنى تفسير الجماعة بالصحابة، أو أهل العلم والحديث، أو أئمة العلماء المجتهدين المتبعين لمنهج الفرقة الناجية، أو الإجماع، أو السواد الأعظم من أهل الإسلام(4).

الثاني: هم الذين اجتمعوا على أمير على مقتضى الشرع، فيجب لزوم هذه

_____________________________

(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/378).
(2) لسان العرب (2/355-361)، والمعجم الوسيط (1/140، 141).
(3) العقيدة الواسطية لابن تيمية ص46.
(4) راجع: فتح الباري (13/37)، وفيه نقل ابن حجر رحمه الله أقوال الإمام الطبري في معنى الجماعة شرعًا


الجماعة، ويحرم الخروج عليها وعلى أميرها(1)، وهذا ما رجحه جمع من أهل العلم كالقاضي ابن العربي(2) وغيره.
أعلى الصفحة


ثانيًا: تعريف مصطلح أهل السنة والجماعة باعتبار تركيبه الإضافي:

وعلى هذا، فإن مصطلح أهل السنة والجماعة يُعنى به "المستمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين اجتمعوا على ذلك، وهم الصحابة والتابعون، وأئمة الهدى المتابعون لهم، ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد والقول والعمل إلى يوم الدين"(3).

فهم بالجملة كل من اجتمع على التمسك بالسنة ونبذ الفرقة، وجمع الدين قولاً وعلمًا وعملاً، مع الاجتماع على أئمة الحق والحرص على وحدة الصف، فيجمعون بذلك بين واجبي الاتباع والاجتماع.

ومما سبق.. فإن من الوجوه التي يمكن أن نتعرف منها على أهل السنة ما يلي:

- أنهم هم السلف الصالح، أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين علموا السنة وعملوا بها ونقلوها، والتابعين وتابعي التابعين من أئمة الهدى المتبعين لآثار الصحابة y .

- وهم الفرقة الناجية من بين الفرق، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن افتراق أمته إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي "الجماعة"(4)، وفي رواية قال: "ما أنا عليه وأصحابي"(5).

_____________________________

(1) موقف ابن تيمية من الأشاعرة د. عبد الرحمن المحمود (1/16-17).
(2) عارضة الأحوذي المؤلف (9/10).
(3) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (2/544-546)، ورسائل في العقيدة لابن عثيمين، ومباحث في عقيدة أهل السنة د. ناصر العقل ص13، 14.
(4) أخرجه أحمد (16490)، وأبو داود (4597)، والحاكم (443) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه . صححه الحاكم، والشيخ الألباني في صحيح الجامع (2641).
(5) أخرجه الترمذي (2641)، والحاكم (444) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. اهـ.، وقال المناوي في فيض القدير (5/347): وفيه عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، قال الذهبي: ضعفوه. اهـ.، وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (7/334): في سنده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وهو ضعيف، فتحسين الترمذي له لاعتضاده بأحاديث الباب. اهـ.، وحسّنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (5345).


- وهم الطائفة الظاهرة المنصورة إلى قيام الساعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تزال طائفة من أمَّتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة"(1).

- وهم الغرباء إذا كثرت الأهواء والضلالات والبدع وفسد الزمان، أخذًا من قوله صلى الله عليه وسلم : "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء"(2).

- وهم أصحاب الحديث رواية ودراية علمًا وعملاً. روي ذلك عن ابن المبارك، والبخاري، وابن المديني، وأحمد بن سنان، وقال الإمام أحمد في الطائفة المنصورة: "إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم"، وقال القاضي عياض: "إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث"(3).

أعلى الصفحة


ثالثًا: مشروعية هذا المصطلح:

1- إن هذا المصطلح والوصف مستمد في الحقيقة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه الآمر بالعناية بالسنة "عليكم بسنتي"(4)، وهو الآمر بالجماعة "وأنا آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن: الجماعة،..."(5)، وهو الذي نهى عن الفرقة "من فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية"(6). "فأهل السنة والجماعة إنما سماهم الرسول ووصفهم بذلك"(7).

2- ثم إن هذا المصطلح مستمد من آثار الصحابة والسلف y . قال ابن عباس

_____________________________

(1) رواه مسلم (1923) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(2) أخرجه مسلم (145) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(3) انظر: سنن الترمذي (4/504، 505)، وفتح الباري (13/293)، وشرح النووي على صحيح مسلم (13/67)، وتحفة الأحوذي (6/360)، وعون المعبود (7/117)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (3/137،136).
(4) رواه أحمد (16692)، والدارمي (95)، وابن ماجه (44)، وأبو داود (4607)، والترمذي (2676)، والحاكم (329) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم وقال: على شرط الشيخين، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (4369).
(5) أخرجه أحمد (16718، 17344، 22403)، والترمذي (2863)، وابن خزيمة (1895)، وابن حبان (6233)، والحاكم (404) من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الحاكم، والألباني في صحيح الجامع (1724).
(6) أخرجه البخاري (7053)، ومسلم (1849) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(7) مفهوم أهل السنة والجماعة عند أهل السنة والجماعة د. ناصر العقل ص78.


رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } [آل عمران:106]: "فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة"(1). وقال سعيد بن جبير رحمه الله في قوله تعالى: { وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى } [طه:82]: "لزم السنة والجماعة"(2). وقال سفيان الثوري رحمه الله: "إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة، وآخر بالمغرب، فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة"(3).

3- وقد نص العلماء على أن أهل السنة هم الصحابة ومن اقتفى آثارهم. قال شارح الطحاوية رحمه الله: "هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين"(4). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "صار المتمسكون بالإسلام المحض هم أهل السنة والجماعة"(5).

4- كما استعمل الأئمة هذا الاسم والمصطلح المبارك في النص على أمور الاعتقاد الصحيحة تمييزًا لها عن غيرها، كما فعل ذلك قتيبة بن سعيد الثقفي رحمه الله، ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء(6)؛ بل جعل بعض الأئمة هذا الاسم ضمن عناوين كتبهم في العقيدة كما فعل اللالكائي رحمه الله في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، وكما فعل قوّام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني رحمه الله في كتابه "الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة".

5- ثم إن هذا المصطلح يرادف ويقارب عند الإطلاق مصطلحات شرعية أخرى مثل أهل الحديث والفرقة الناجية والطائفة المنصورة، والسلف الصالح، وعلي هذا أدلة كثيرة نعرض عنها رغبة في الاختصار.

ومن جملة هذا المبحث يتضح جليًّا أن مذهب أهل السنة قديم، وأن التسمية

_____________________________

(1) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (1/72).
(2) المصدر السابق (1/71).
(3) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/64).
(4) شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (2/544-546).
(5) مجموع الفتاوى (3/159).
(6) انظر على سبيل المثال: سير أعلام النبلاء (11/20).


قديمة، تبدأ ببداية الإسلام؛ لأن أهل السنة على الحقيقة هم أهل الإسلام، المتبعون لسيد الأنام صلى الله عليه وسلم ، ويظهر هذا جليًّا بالنظر إلى صفاتهم وخصائصهم، وأن أول من دُعي بإمام أهل السنة هو الإمام أحمد بن حنبل، وفي هذا رد على من زعم أن مذهب أهل السنة والجماعة إنما عُرف وظهر في زمن أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي، وأن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية!! كما تبناه بعض العلماء قديمًا وحديثًا.


الفصل الثاني

الخصائص والصفات العامة

لأهل السنة والجماعة

 

أولاً: أهل السنة ليس لهم اسم يجمعهم سوى هذا الاسم.
ثانيًا:
أهل السنة لا يجمعهم مكان واحد، ولا يخلو عنهم زمان.
ثالثًا:
أهل السنة لا يجمعهم تخصص علمي ولا عملي بعينه؛ بل هم في أبواب الخير كافة.
رابعًا:
أهل السنة على نمط واحد في باب الاعتقاد وأصول الدين.
خامسًا:
أهل السنة أعلم الناس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
سادسًا:
أهل السنة يجمعون بين واجب الاتباع والاجتماع على الأئمة وأهل الحل والعقد.
سابعًا:
أهل السنة يوالون بالحق ويعادون بالحق ويحكمون بالحق.
ثامنًا:
أهل السنة يقومون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
تاسعًا:
لا تزال طائفة من أهل السنة قائمة بواجب الجهاد إلى قيام الساعة.
عاشرًا: أهل السنة أكرم الناس أخلاقًا، موصوفون بالاستقامة في الهدي والسمت والسلوك الظاهر.
أعلى الصفحة


أولاً: أهل السنة ليس لهم اسم يجمعهم سوى هذا الاسم.

أهل السنة والجماعة ليس لهم رسم ولا اسم يتسمون به خصوصًا غير أهل السنة والجماعة، ذلك الاسم الذي يعني في الحقيقة التزام الجادة والمحجة البيضاء التي تركنا عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، "فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"(1).

وهذا بخلاف أهل البدع الذين انتحلوا لأنفسهم أسماء أرادوا أن تميزهم عن غيرهم، أو سماهم غيرهم بها فقبلوا تسميته لهم، كما أنه ما من فرقة إلا وابتدعت لأهل السنة اسمًا يناسب ما خالفها فيه أهل السنة، ومع ذلك بقي أهل السنة لم يلزمهم اسم من هذه الأسماء الباطلة.

سئل مالك رحمه الله عن السنة، فقال: "هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام:153]" (2)، وروى ابن عبد البر قال: "جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله، أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بيني وبين الله U . قال مالك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، سل. قال: من أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي"(3).

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوى السنة. يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها"(4).

ويقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى: "وليس لهم -أي أهل السنة والجماعة- رسم ومنهاج سوى منهاج النبوة (الكتاب والسنة)؛ إذ الأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه، إنما الذي يحتاج إلى اسم معين هو الخارج من هذا

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/346).
(2) الاعتصام للشاطبي (1/58).
(3) الانتقاء لابن عبد البر ص35.
(4) مدارج السالكين (3/174).


 

الأصل"(1).

وعليه، فإن أهل السنة لا ينتمون للأحزاب، ولا الشعارات، ولا القوميات، ولا يتعصبون للأوطان ولا الشعوب، ولا الأجناس ولا القبائل؛ إنما يجمعهم شعار السنة والإسلام، في أي مكان وأي زمان. عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "مَنْ أقرَّ باسم من هذه الأسماء المحدَثة؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"(2)، وقال ميمون بن مهران: "إياكم وكل اسم يسمى بغير الإسلام"(3).

وهذا لا يعني عدم مشروعية مطلق الانتماء إلى إمام، أو التسمي بأسماء المذاهب، أو الانتساب إلى القبائل، أو المشايخ، ونحو ذلك…؛ بل الممنوع منه هو اتخاذ هذه الأسماء معقدًا للولاء والبراء، وشعارًا يُمتحن الناس به، ويُفرق به بين الأمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها، مثل انتساب الناس إلى إمام: كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، أو إلى شيخ: كالقادري والعدوي، أو مثل الانتساب إلى القبائل: كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار: كالشامي والعراقي والمصري؛ فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها؛ بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان"(4).

ومما هو جدير بالتنبيه له في هذا المقام ما سبق أن تقرر من أن لأهل السنة والجماعة أسماء أخرى وردت بها النصوص؛ مثل أهل الحديث، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، والسلف الصالح.. وهذا من باب إطلاق الأسماء المختلفة على مسمى واحد

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية ص28.
(2) الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة لابن بطة ص137.
(3) الشرح والإبانة ص137.
(4) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (3/416).

أعلى الصفحة


 ثانيًا: أهل السنة لا يجمعهم مكان واحد، ولا يخلو عنهم زمان.

إن أهل السنة هم أهل الحق، فكل من دان بهذا الحق فهو من أهل السنة، في أي مكان وجد، وفي أي زمان كان. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "ولا يلزم أن يكونوا -أي: الطائفة المنصورة- مجتمعين؛ بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض"(1).

وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتابعون وأئمة الدين من بعدهم، مفرقين في الأمصار، لا يجمعهم مكان واحد، ومع ذلك كانوا جميعًا من أئمة أهل السنة وأعلامهم.

أما الأحاديث التي حدَّدت وجودهم بالشام(2)؛ فإنما يُراد بها -والله أعلم- فترة تاريخية معينة، هي التي تكون قبل قيام الساعة، حيث تدل النصوص الكثيرة على أن معظم الأحداث المتعلِّقة بالمهدي وعيسى بن مريم ونحوها من أشراط الساعة، إنما تكون بالشام. كما يحتمل أن يكون المقصود قتالهم للروم المذكور في الأحاديث، ثم قتالهم للدجَّال، حتى يأتيهم أمر الله وهم بالشام، فيكون قوله صلى الله عليه وسلم : "وهم بالشام"؛ أي: حال إتيان أمر الله.

وأهل السنة كما أنه لا يجمعهم مكان واحد، فإنهم لا يخلو عنهم زمان حتى قيام الساعة، فقد صحَّت البشارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باستمرار وجود الطائفة المنصورة -أهل السنة والجماعة- من هذه الأمة إلى أن يأتي أمر الله، لا يضرهم خلاف المخالف، ولا خذلان الخاذل، وجاء ذلك في أحاديث كثيرة عن جمع من الصحابة، حتى لقد صرح عدد من العلماء المعتبرين بتواتر هذا الحديث؛ كشيخ

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح النووي على صحيح مسلم (13/67).
(2) من ذلك: ما رواه البخاري (7460)، ومسلم (1037) من قول مالك بن يخامر عن معاذ: "وهم بالشام"، وما رواه ابن ماجه (7)، والبخاري في التاريخ الكبير في ترجمة حسان بن وبرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تزال عصابة بدمشق ظاهرين"، وما رواه أبو نعيم في ترجمة محمد بن المبارك أنه صلى الله عليه وسلم قال: "وهم بالشام"، ونحو ذلك من الأحاديث.


الإسلام ابن تيمية(1)، والسيوطي(2)، والزبيدي(3)، والكَتَّاني(4)، وغيرهم. فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: "لا يزال ناسٌ من أمَّتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون"(5). وعن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لن يبرح هذا الدين قائمًا، يقاتل عليه عصابةٌ من المسلمين، حتى تقوم الساعة"(6). وعن جابر بن عبد الله، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال طائفة من أمَّتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة"(7).

فهذه الأحاديث وما ماثلها توضح أن أهل السنة -الطائفة المنصورة- سيستمر بقاؤهم إلى يوم القيامة، فلن يخلو عنهم زمان حتى يأتيهم أمر الله U . والمقصود أن بقاءهم يكون حتى يرسل الله ريحًا طيبة -وهي أمر الله-، فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ويكون ذلك قبيل قيام الساعة، قال الإمام النووي رحمه الله: "المراد برواية من روى: "حتى تقوم الساعة"، أي: تقرب الساعة وهو خروج الريح"(8)، وقال أيضًا: "فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة، على أشراطها ودُنوِّها المتناهي في القرب"(9).

ثالثًا: أهل السنة لا يجمعهم تخصص علمي ولا عملي بعينه؛ بل هم في أبواب الخير كافة.

أهل السنة لا يجمعهم تخصص علمي ولا عملي بعينه؛ بل منهم المشتغلون

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) اقتضاء الصراط المستقيم (1/6).
(2) قطف الأزهار المتناثرة (رقم 81) ص216.
(3) لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة ص68.
(4) نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص93.
(5) رواه البخاري (3640)، ومسلم (1921) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه .
(6) رواه مسلم (1922) من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه .
(7) رواه مسلم (1923) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(8) شرح النووي على صحيح مسلم (13/66).
(9) شرح النووي على صحيح مسلم (2/132).

بألوان العلوم النافعة؛ بقصد حماية الدين وحفظ العلم -أصولاً وفروعًا ووسائل-، ومنهم المشتغلون بردِّ البدع وقمع أهلها، وبيان طريق المحجَّة، ودفع الالتباس عنها، ومنهم المرابطون في الثغور، المصابرون للأعداء، ومنهم المناهضون للمنكر الناهون عنه، الآمرون بالمعروف الداعون إليه.

ولا شك أن المشتغلين بعلم الشريعة -عقيدة وفقهًا وحديثًا وتفسيرًا، تعلُّمًا وتطبيقًا ودعوةً- هم أولى الناس بهذا الوصف، أولاهم بالدعوة، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والرد على أهل البدع؛ إذ إن ذلك كله مقترن بالعلم الصحيح المأخوذ من الوحي.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "ويحتمل أن هذه الطائفة -يعني: الطائفة المنصورة- مفرقة بين أنواع المؤمنين؛ منهم شجعان مقاتلون، ومنهم زُهَّاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير…"(1).

وقد فسر بعض أئمة السلف -كما سبق- أهل السنة والجماعة بأنهم: أصحاب الحديث، أي المتبعون لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، المجانبون لطريقة أهل البدعة، الملتزمون بالدليل في الاعتقاد والفقه، وهم -بهذا- الفئة المقابلة لأهل الكلام -أيًّا كانت بدعتهم-، والفئة المقابلة لأهل الرأي الذين يقدِّمون آراءهم أو أقوال شيوخهم على الدليل الصحيح.

لذلك عبَّر الإمام البخاري رحمه الله تعالى عنهم بقوله: "وهم أهل العلم"(2)، ومدلول العلم أوسع من مدلول الحديث، وإن كان الحديث قد يُطلق عليه العلم(3).

فقد يكون الرجل من أهل السنة، ومن أهل العلم الذين يرابطون على ثغور

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح النووي على مسلم (13/67).
(2) صحيح البخاري (8/149).
(3) كما قال محمد بن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم". رواه مسلم في مقدمة صحيحه (1/14).

الإسلام، ويدافعون عنه، ولكنه ليس من أهل الحديث المشتغلين به رواية ودراية، حتى عُرفوا به، وأمثلة هذا كثيرة من المشتغلين بالتفسير، أو أصول الفقه، أو اللغة والأدب، أو التاريخ، أو غيرها..

وأما عبارة عليّ بن المديني في تعريفه أصحاب الحديث، والتي يقول فيها: "هم أصحاب الحديث الذين يتعاهدون مذاهب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويذبُّون عن العلم، لولاهم لم نجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الرأي شيئًا من سنن المرسلين"(1). ففي عبارة علي بن المديني نوعًا من التخصيص، إذ يفسر أهل الحديث بأنهم الذين يتعاهدون مذاهب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويذبُّون عن العلم، ويبلغون للناس سنن المرسلين. وهذا تفسير للشيء ببعض أجزائه، وأهل السنة الطائفة المنصورة أعم من ذلك، ولا شك أن قومًا كهؤلاء الذين ذكرهم ابن المديني هم أولى الناس بالدخول في هذه الطائفة، وإلى ما عندهم يَرجِع كلُّ مُتَّبع في أي تخصص كان، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكونوا -وحدهم- الطائفة المنصورة أو أهل السنة والجماعة.

ولذلك كانت عبارة الإمام أحمد دقيقة حين رأى قومًا يشتغلون بمدراسة الحديث، فأطلق عليهم أنهم (ممَّن) قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم : "لا تزال طائفة من أمتي..." الحديث(2).

إذن؛ فأهل السنة -كما قررنا- لا يجمعهم تخصص علمي ولا عملي بعينه؛ بل هم مفرقون في أبواب الخير كافة، يقولون بالحق، ويرحمون الخلق، ويجتمعون على منهج الاتباع.

رابعًا: أهل السنة على نمط واحد في باب الاعتقاد وأصول الدين.

لا منازعة بين المسلمين على خطورة أمر الاعتقاد، وعظم شأنه، وعلو قدره؛

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه ابن عدي في الكامل (1/121) في ترجمة علي بن المديني، وانظر الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي (223).
(2) سبق تخريجه.

إذ المخالف فيه على شفا هلكة؛ ولهذا نجد أهل السنة جميعًا على قول واحد في أصول هذا الباب وكلياته، لم ينقل عنهم اختلاف في أمهات مسائل الاعتقاد وأصول الدين؛ بل المحفوظ عنهم اتفاقهم في هذه المسائل، وعدم اختلافهم عليها.

وهذا لا يعني أن كل مسائل الاعتقاد متفق عليها عند أهل السنة والجماعة، إذ قد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم حول بعض مسائل العقيدة، ولكن لم تكن هذه المسائل من الأمهات والكليات في هذا الباب.

ومن الأمثلة على ذلك:

- اختلافهم في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، هل وقعت أم لا؟ "فكان ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج، وكانت عائشة رضي الله عنها وطائفة معها تنكر ذلك"(1).

- اختلافهم في أنه هل يكون للبدن في القبر عذاب أو نعيم دون الروح أم لا؟ فهذا فيه قولان مشهوران، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومعاد الأبدان متفق عليه عند علماء الحديث والسنة. وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب؟ أثبت ذلك طائفة منهم، وأنكره أكثرهم"(2).

- اختلافهم فيما يوزن يوم القيامة: هل هو العمل، أم صحائف العمل، أم العامل نفسه أي صاحب الأعمال؟(3).

وليس مقصودنا في هذا المقام استقصاء مثل هذه المسائل؛ وإنما المقصود أن نبيِّن أن بعض مسائل الاعتقاد قد وقع الخلاف عليها بين أهل السنة والجماعة، وإن كانت هذه المسائل -كما سبق- ليست من أصول العقيدة وكلياتها.

خامسًا: أهل السنة أعلم الناس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/386).
(2) مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/284).
(3) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (2/608 - 613).


وأهل السنة هم أعلم الناس بأحوال صاحبها صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله، وأعظمهم محبة وموالاة لها ولأهلها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها واتباع لها، تصديقًا وعملاً، وحبًّا وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها، الذين يردون المقـالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة"(1).

ولا عجب في ذلك؛ فأهل السنة هم أصحاب الحديث، رواية ودراية، علمًا وعملاً؛ ولذلك فإن بعض أئمة السلف فسَّر الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة بأنهم أصحاب الحديث. قال الإمام أحمد رحمه الله: "إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم"(2). وقال عبد الله بن المبارك: "وهم عندي أصحاب الحديث"(3). وقال الإمام البخاري -وذكر حديث "لا تزال طائفة من أمَّتي..."-: "يعني: أصحاب الحديث"(4).

وفي الحق إن أهل السنة ما سُمُّوا بهذا الاسم؛ إلا لأنهم الآخذون بسنة المعصوم صلى الله عليه وسلم ، العالمون بها، العاملون بمقتضاها، والممتثلون لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "عليكم بسنتي.."(5)، فالسُّنة هي: ما تلقاه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من الشرع والدين، والهدي الظاهر والباطن، وتلقاه عنهم التابعون ثم تابعوهم، ثم أئمة الهدى العلماء العدول، المقتدون بهم، ومن سلك سبيلهم إلى يوم القيامة(6). ومن هنا صار

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجموع الفتاوى (3/347).
(2) رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث، بعد قوله صلى الله عليه وسلم : "لا تزال طائفة من أمتي منصورين…" (رقم 48)، ص27.
(3) المصدر السابق، في نفس الموضع، (رقم 47)، ص26.
(4) المصدر السابق، في نفس الموضع، (رقم 51)، ص27.
(5) سبق تخريجه.
(6) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/358).

أهلُ الحق المتبعون للسُّنة العالمون بها مسمَّون بـ"أهل السُّنة"، فهم الجديرون بذلك على الحقيقة.

سادسًا: أهل السنة يجمعون بين واجب الاتباع والاجتماع على الأئمة وأهل الحل والعقد.

لا يخفى أن التمسك بالسنة والمحافظة على الجماعة كلاهما مقصود للشارع؛ ولهذا كانت الفرقة الناجية من بين زحام الفرق الهالكة هم أهل السنة والجماعة؛ أهل السنة بتمسكهم بالحق واستقامتهم عليه ودعوة الناس إليه، وأهل الجماعة بلزومهم لجماعة المسلمين، والتزام الطاعة لأولي الأمر في غير معصية.

ولهذا أيضًا أمرت الشريعة بالإنكار على أئمة الجور، وعدم تصديقهم على كذبهم، أو إعانتهم على ظلمهم؛ محافظة على السنة، وأمرت بعدم الخروج عليهم، والتزام الطاعة لهم في غير معصية؛ محافظة على الجماعة.

لذا كان منهج أهل السنة والجماعة هو الموازنة بين هذين الأمرين: المحافظة على السنة، والمحافظة على الجماعة؛ فلا يؤدي التزامهم بالطاعة لأهل الحل والعقد إلى الجور على السنة أو إقرار ما يخالفها، أو كتمان الحق، والتدليس على الأمة، كما أن التزامهم بالسنة وإنكارهم على المخالف لا يعني الخروج عن الطاعة أو مفارقة الجماعة؛ بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع لزوم الجماعة والانقياد لها بالطاعة هو منهجهم القويم.

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "إن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض، جهاد من يستحق الجهاد - كهؤلاء القوم المسئول عنهم(1) - مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله؛ بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

 ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) يعني: التتار.

وهذه طريقة خيار الأمة قديمًا وحديثًا، وهي واجبة على كل مكلف، وهي متوسطة بين طريقة الحرورية وأمثالهم، ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم، ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقًا وإن لم يكونوا أبرارًا"(1).

وقد ضرب إمام أهل السنة -الإمام أحمدرضي الله عنه - أروع الأمثلة في تطبيق هذا المنهج العظيم، وذلك في فتنته المعروفة بفتنة خلق القرآن، فلم يؤد التزامه بالطاعة لأولي الأمر إلى الجور على السنة أو إقرار ما يخالفها، أو كتمان الحق والتدليس على الأمة؛ بل أعلن الحق، وأظهر السنة، ونصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وبذل نفسه رخيصة في سبيل ذلك. ومن ناحية أخرى، لم يدفعه التزامه بالسنة والمحافظة عليها، والإنكار على المخالف إلى الخروج عن الجماعة أو الطاعة؛ بل رفض كل المحاولات التي قام بها أصحابها ليحملوه على الخروج على السلطان؛ بل وأكثر من هذا أنه كان يدعو للإمام -الذي يذيقه ألوان العذاب- لينصره الله على أعدائه من الكفار.

إذن نخلص إلى أن أهل السنة والجماعة يحملون أمانة مزدوجة لا يقل ثقل إحداها عن الأخرى: الأولى: أمانة العلم والسنة والالتزام والدعوة والجهاد، والثانية: أمانة المحافظة على الجماعة المسلمة بمعناها العام والشامل، وهم يسيرون في ذلك بميزان دقيق على هدي من الشرع الحكيم وحده.

سابعًا: أهل السنة يوالون بالحق ويعادون بالحق ويحكمون بالحق.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/508).

أهل السنة والجماعة ولاؤهم للحق وحده، ومن هذا المنطلق فإنهم ينظرون إلى كل فرد أو طائفة أو تجمع على هذا الأساس وحده، وليس على أساس من التعصب الجاهلي للقبيلة، أو المدينة، أو المذهب، أو الطريقة، أو التجمع، أو الزعامة...

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وليس لأحد أن يعلق الحمد والذم، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة، والصلاة واللعن، بغير الأسماء التي علَّق الله بها ذلك؛ مثل: أسماء القبائل، والمدائن، والمذاهب، والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ، ونحو ذلك مما يراد به التعريف… فمن كان مؤمنًا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرًا وجبت معاداته من أي صنف كان… ومن كان فيه إيمان وفيه فجور، أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره"(1).

وكتطبيق عملي لهذا الأصل ينهى رحمه الله عن امتحان الناس بالموقف من أحد الأمراء فيقول: "فالواجب الاقتصار في ذلك، والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان المسلمين به؛ فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة. وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله، مثل: أن يقال للرجل: أنت شكيلي أو قرقندي؟ فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان... وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؟"(2).

ثامنًا: أهل السنة يقومون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أهل السنة والجماعة هم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا أصل عظيم عندهم، ولكنهم يقومون بذلك على ما توجبه الشريعة، فيلتزمون في نفس الوقت

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/227 - 229).
(2) المصدر السابق (3/414 - 421).

أصلاً آخر، وقاعدة أخرى عظيمة، هي الحفاظ على الجماعة، وتأليف القلوب، واجتماع الكلمة، ونبذ التفرق والاختلاف. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد، والجمع والأعياد مع الأمراء -أبرارًا كانوا أو فجارًا-، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة"(1).

فأهل السنة قد حملوا على عاتقهم مهمة مقاومة المنكر، وجهاد الدعاة إليه من المنافقين ومَن آزرهم من الفاسقين، والعمل على إضعاف شأن أهل الريب والفساد؛ تحقيقًا لقوله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، فهم -من بين سائر الناس- قد نذروا أنفسهم لمحاربة المنكرات وأهلها، وإنكارها، وبيان حرمتها وخطرها، وأمر الناس بضدها من الخير والبر والمعروف.

وإذا كان الله U قد علَّق خيرية هذه الأمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان به سبحانه وتعالى، كما في قوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه} [آل عمران:110]، كما أنه سبحانه قد امتدح المؤمنين بقيامهم بهذا الواجب العظيم، كما ورد ذلك في قوله تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة:71]، إذا كان هذا الأمر كذلك؛ فلا شك أن أهل السنة والجماعة هم أصحاب القدح المعلَّى، والنصيب الأوفر في هذا الباب؛ إذ هم خير هذه الأمة وأفضلها.

ومن اطَّلع على سيرة أئمة أهل السنة وتاريخهم ظهر له هذا الأمر واضحًا جليًّا، وعلم أن أهل السنة لا يتركون هذا الواجب حتى لو أصابهم الأذى في سبيل ذلك. فمن ذلك ما روي أن محمد بن المنكدر وأصحاب له كانوا يأمرون بالمعروف

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق (3/158).

جليًّا، وعلم أن أهل السنة لا يتركون هذا الواجب حتى لو أصابهم الأذى في سبيل ذلك. فمن ذلك ما روي أن محمد بن المنكدر وأصحاب له كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ونالهم في ذلك الأذى من السلطان(1)، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يخرج بتلاميذه، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدورون على الخمارات والحانات، فيكسرون أواني الخمور، ويشقِّقون الظروف، ويعزِّرون أهل الفواحش(2)، وقد قاموا بتأديب أهل الجبل المعروفين بالنُّصيرية، والانتصار عليهم، وإلزامهم بأحكام الإسلام الظاهرة، كما كان له رحمه الله ولأتباعه دور عظيم في دفع التتر عن الشام، وهزيمتهم في وقعة (شقحب) وغيرها(3)، وله موقفه العظيم المعروف مع السلطان حين تأخر عن المجيء إلى دمشق، مع اقتراب التتر منها(4).

ولا يزال أعلام وأئمة أهل السنة على هذا الدرب سائرين، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، لا يتخلون عن هذه الشعيرة أبدًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

تاسعًا: لا تزال طائفة من أهل السنة قائمة بواجب الجهاد إلى قيام الساعة.

الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، وأعظم مهمات الدين، وهو شريعة ماضية إلى يوم القيامة، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"(5)، وفي رواية: "الخيل معقود في نواصيها إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم"(6).

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: الجامع للقيرواني ص155.
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (14/11).
(3) المصدر السابق (14/8، 10، 13-15، 21-24).
(4) انظر: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (2/395 - 396)، والبداية والنهاية (14/14).
(5) رواه البخاري (2849)، ومسلم (1871) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(6) رواه البخاري (2852)، ومسلم (1873) من حديث عروة البارقي رضي الله عنه .

ولا تزال الطائفة المنصورة قائمة بأمر الجهاد، تقاتل في سبيل نصرة هذا الدين، ولا تتخلى عن هذا الأمر، تنتقل من معركة إلى معركة، ومن ميدان إلى ميدان، تُدال على أعدائها فتشكر، ويُدالون عليها فتصبر، ولا يخطر ببالها اعتزال الميدان أو ترك الجهاد حتى يقاتل آخرها المسيح الدَّجَّال، فقد روى جابر بن سَمُرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لن يبرح هذا الدين قائمًا، يقاتل عليه عصابةٌ من المسلمين، حتى تقوم الساعة"(1)، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، قال: سمعت رسول الله يقول: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة"(2)، وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرُهم المسيح الدجَّال"(3).

فهذه الروايات -وغيرها- تبيِّن أن الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة لا تقف عند حد جهاد الكلمة؛ ببيان الحق، والدعوة إليه بالحسنى، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بل من خصائصها أيضًا القيام بواجب الجهاد في سبيل الله، وقتال أعداء الله من الكفَّار والمنافقين وغيرهم.

وهذا لا يعارض ما وُجد ويوجد في بعض الأمكنة والأزمنة من ترك الجهاد، ممَّا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، وحَذَّر منه، فوقع في الأمة كما أخبر، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزَّرع، وتركتم الجهاد؛ سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينـزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"(4).

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) رواه أحمد (19419)، وأبو داود (2484)، ورواه الحاكم (2392) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. اهـ، ووافقه الذهبي.
(4) رواه أبو داود (3462)، وأبو يعلى في مسنده برقم (5659)، والبيهقي في السنن الكبرى (10484)، وقد صححه ابن القيم في تعليقه على مختصر سنن أبي داود، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (423).

فإن راية الجهاد لا تكاد تسقط من يد قوم إلا وتلقَّفتها يد أخرى؛ مصداقًا لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 54]، ومقتضى هذا الوعد ألا يزال في الأمة مؤمنون مجاهدون، باذلون، صابرون في سبيل الله، وقد ظل بعض المخلصين -ومن هؤلاء من هو مستمسك في الجملة بالأصول العامة لأهل السنة والجماعة- يقاتلون أعداء الله من المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين والطليان وغيرهم من أمم الكفر، ولا زال المسلمون يقاتلون الكفار في فلسطين والفلبين وأريتريا وغيرها.

فالمقصود أن الجهاد ماض ومستمر لا ينقطع، ولا تزال طائفة من الأمة قائمة به، وهؤلاء هم الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة.

عاشرًا: أهل السنة أكرم الناس أخلاقًا، موصوفون بالاستقامة في الهدي والسمت والسلوك الظاهر.

قال الله U مادحًا نبيهصلى الله عليه وسلم  :  {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، وقال صلى الله عليه وسلم : "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"(1)، وقد ندبنا الله U إلى الاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21].

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه أحمد (8729)، والبخاري في الأدب المفرد (273) وفي التاريخ الكبير (835)، والحاكم في المستدرك (13)، والبيهقي في السنن الكبرى (10/191، 192) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وصححه ابن عبد البر في التمهيد (24/333، 334)، والألباني في صحيح الجامع (2349). قال فضل الله الجيلاني: "لا يكون دين من الأديان خاليًا من مكارم الأخلاق، لكن لم تكن الأخلاق الكريمة مجموعة كلها في دين من الأديان السابقة حتى جمع الله في دين الإسلام كل ما كان من أخلاق حسنة في أي دين، فهذا معنى: "أتمم مكارم الأخلاق".. أي: أبلغ نهايتها" باختصار من فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد (1/271).

إن أهل السنة والجماعة هم حملة ميراث النبوة في جانبيها العلمي والعملي، ولا شك أن أبرز الجوانب العملية في الهدي النبوي هو الجانب الأخلاقي، ولذلك فإن أخلاق النبوة -من الرحمة، ومحبة الخير للناس، واحتمال أذاهم، والصبر على دعوتهم، إلى آخر ذلك- هي المنبع الذي يستقي منه أهل السنة خصائصهم السلوكية والأخلاقية، والتي لا تقل أهمية في منظور الحق عن ميراث العلم والهدي الذي اختص به الله هذه الفرقة الناجية بفضله ورحمته.

قال شيخ الإسلام: "الرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى هدى ورحمة للعالمين، فإنه كما أرسله بالعلم والهدى والبراهين العقلية والسمعية، فإنه أرسله بالإحسان إلى الناس، والرحمة لهم بلا عوض، وبالصبر على أذاهم واحتماله، فبعثه بالعلم والكرم والحلم؛ عليم هاد، كريم محسن، حليم صفوح... فهو يعلّم، ويهدي، ويصلح القلوب، ويدلها على صلاحها في الدنيا والآخرة بلا عوض... وكذلك نعت أمته بقوله: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران:110]، قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس: تأتون بهم في السلاسل حتى تدخلوهم الجنة، فيجاهدون ويبذلون أنفسهم وأموالهم؛ لمنفعة الخلق وصلاحهم، وهم يكرهون ذلك لجهلهم"(1).

وقال أيضًا: "يأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم : "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا"(2)، ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى، والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها، وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره،

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجموع الفتاوى (16/313-317).
(2) أخرجه أحمد (7354)، والدارمي (2792)، والترمذي (1162) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.اهـ

فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة"(1).

وقد تميَّز أهل السنة بهذه الخصلة الجميلة -كرم الخلق وحسن الهَدْي والسمت-، وحرصوا عليها ذلك أشدَّ الحرص، قال ابن سيرين: "كانوا يتعلمون الهَدْي كما يتعلمون العلم"(2)، وقال حبيب بن الشهيد لابنه: "يا بنيّ ايت الفقهاء والعلماء، وتعلّم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إليَّ لك من كثير من الحديث"(3)، وقال بعضهم لابنه: يا بنيَّ، لأن تتعلم بابًا من الأدب؛ أحبُّ إليَّ من أن تتعلم سبعين بابًا من العلم.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق (3/158).
(2) رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/79).
(3) المصدر السابق (1/80).


الفصل الثالث
مبادئ علم التوحيد

تمهــــيد

كان طلب العلم زمن الصحابة رضي الله عنهم اشتغالاً بالقرآن الكريم والسنة المطهرة حفظًا وفهمًا، بطريقة موسوعية جامعة، فلما تطاول الزمان، كثرت المسائل، وتنوعت النوازل، واتسعت البلدان، واختلط اللسان العربي بالأعجمي، فعمد أهل العلم إلى جمل من المسائل العلمية التي تشترك في وحدة موضوعية جامعة، فأفردوها باسم يخصها عن غيرها من المسائل، فتمايزت بذلك العلوم، "وعرَّفوا تلك العلوم بما يضبط مسائلها بطريقين غالبًا، إما بذكر الموضوع والمسائل التي يحتويها العلم، وسموا ذلك حدًّا أو تعريفًا، وإما بذكر الفائدة والثمرة والغاية من دراسة ذلك العلم، وسموا ذلك رسمًا، فصار العلم عند علماء التدوين هو: "المسائل المضبوطة بجهة واحدة، موضوعية كانت أو غائية"(1).
ثم إنه جرت عادة المصنفين -من المتأخرين- أن يدوِّنوا مقدمة عن العلم ومسائله وثمراته وما يتعلق به في صدر مصنفاتهم؛ وذلك لفوائد، منها:
1- أن يحصِّل طالب العلم بصيرة بالفن وتصورًا إجماليًّا له قبل أن يدخل إلى تفاصيله، فيعرف الوحدة الجامعة لمسائل هذا العلم، فيأمن عندئذ من اشتباه مسائل العلوم عليه، ومن دخوله في مسائل ليست من مسائل العلم الذي عوّل عليه، وقصد إليه.
2- أن يتحقق من فائدة العلم ونفعه؛ لينشط في طلبه وتحصيله؛ وليستعذب المشاق في سبيله؛ وليكون عند طلبه هذا العلم النافع المفيد مجتنبًا للعبث والجهالة.
هذا وقد استقر عمل المصنفين على ذكر مبادئ عشرة لكل علم وفن، تمثِّل مدخلاً تعريفيًّا لطالب هذا العلم، وجمع بعضهم هذه المبادئ العشرة في قوله:
مبادئ أي علـم كان حدُّ
وموضوعٌ وغـايةٌ مستمدُّ
وفضل واضع واسم وحكم
مسـائل نسـبةٌ عشر تعدُّ
وهذه المبادئ العشرة اسم لمجموعة من المعاني والمعارف يتوقف عليها الشروع في طلب العلم، وبيانها كالتالي:
- الحد: ويقصد به التعريف الجامع لمسائل العلم ومباحثه، المانع من دخول غيره فيه.
- الموضوع: وهو المجال المحدد الذي يبحث فيه العلم، والجهة التي تتوحد فيها مسائله.
- الغاية أو الثمرة: الفائدة التي يحصِّلها دارس العلم في الدارين.
- الاستمداد: الروافد والأسباب العلمية التي يستقي منها العلم مسائله ومطالبه.
- الفضل: ما للعلم من منـزلة وشرف وأهمية بين العلوم.
- الواضع: أول من ابتدأ التدوين والتصنيف في العلم، ووضع أساسه وأرسى قواعده.
- الاسم: الألقاب التي أطلقها أهل هذا العلم عليه لتمييزه عن غيره.
- الحكم: الحكم الشرعي المتعلق بتعلم هذا العلم من بين الأحكام التكليفية الخمسة.
- المسائل: وهي المطالب التي يبحثها ويقررها العلم والتي تندرج تحت موضوعه.
- النسبة: صلة العلم وعلاقته بغيره من العلوم.

المبحث الأول
حــد علــم التوحيــد

الحد لغةً: المنع، وسمي التعريف حدًّا؛ لمنعه الداخل من الخروج، والخارج من الدخول(2)، واصطلاحًا: الوصف المحيط بموصوفه(3)، أو هو اللفظ المفسِّر لمعناه على وجه يجمع ويمنع(4)، أو هو القول الدال على ماهية الشيء(5)، وقد يسمَّى بـ"القول الشارح" أو "التعريف".
فإذا قيل: حد علم التوحيد، فإنه يراد به تعريف ذلك العلم الذي يحيط بمعناه ويجمع قضاياه، ويمنع من التباس غيرها بها، بعبارة ظاهرة.
أولاً: تعريف المصطلح باعتبار مفرداته:
درج العلماء عند تعريف ما تركب من كلمتين في مركب إضافي كـ"علم التوحيد" أن يبدأوا بتعريف مفرديه أولاً، ثم تعريفه باعتباره لقبًا وعَلَمًا على الفن المعين ثانيًا.
أ- معنى التوحيد:
لغة: باستنطاق معاجم اللغة، فإنها تفصح بأن مادة (وَحَدَ) تدور حول انفراد الشيء بذاته أو صفاته أو أفعاله، وعدم وجود نظير له فيما هو واحد فيه.
وللتوحيد لغة معنيان: الأول: جعل المتعدد واحدًا بنفي الحكم عما سوى الموحَّد وإثباته له، والثاني: اعتقاد الشيء واحدًا، وهذا بمعنى النسبة إلى الوحدانية، وليس في هذا تصيير أو جعل(6).
اصطلاحًا: على الإطلاق العام هو: إفراد الله بالعبادة حسب ما شرع وأحب، مع الجزم بانفراده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا نظير له ولا مثيل له في ذلك كله.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "هو عبادة الله وحده لا شريك له، مع ما يتضمنه من أنه لا رب لشيء من الممكنات سواه"(7)، وقال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: "هو إفراده تعالى بالعبادة التي تتضمن غاية الحب ومنتهاه، مع غاية الذل وأقصاه، والانقياد لأمره والتسليم له"(8)، وقال الشيخ علي بن محمد بن ناصر الدين الشافعي الشهير بالسويدي رحمه الله: "التوحيد فعل للموحد، وهو وصف الله تعالى بالوحدانية، وذلك نوعان: توحيد في ربوبيته، وهو الحاصل بعد توحيد الذات والصفات، وتوحيد في ألوهيته"(9).
وهذا المعنى الاصطلاحي العام للتوحيد متفق عليه بين أهل السنة وغيرهم(10)، وعلى هذا فالتوحيد في معناه الاصطلاحي العام يقترب من أحد معنيي اللغة، وهو نسبته تعالى إلى الوحدانية واعتقاد ذلك، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "والتوحيد هنا ليس بمعنى التصيير والجعل، فالله واحد اعتقدت ذلك أم لم تعتقده"(11).
ب- معنى العلم:
يطلق العلم ويراد به: إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع سواء أكان جازمًا  أو لا، فيشمل الظن والوهم والشك، كما في قوله تعالى: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} (يوسف:51)، فهو يشمل الأمور السابقة جميعًا.
وقد يطلق العلم على الظن الغالب، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الممتحنة:10) أي: غلب على ظنكم، قال النسفي رحمه الله: "العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن الغالب بظهور الأمارات"(12)، ثم قال معلقًا: "وفي تسمية الظن علمًا إشارة إلى أن الظن وما يفضي إليه القياس جارٍ مجرى العلم"(13).
وعليه فإن العلم اصطلاحًا يطلق على مجموعة من المعارف الظنية الراجحة ومنها ما هو قطعي، بشرط أن تكون منظمة حول موضوع ما، كعلم التوحيد، وعلم الفقه، ونحو ذلك.
وبناء على ما تقدم، فإن المختار في تعريف العلم أنه: الإدراك الحاصل بالدليل والشامل لليقين الجازم والظن الغالب، وما بينهما من درجات ومراتب.
ثانيًا: تعريف المصطلح باعتبار تركيبه الإضافي:
إذا أضيفت كلمة العلم إلى كلمة التوحيد، فإن معنى هذا المركب الإضافي هو: الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل بانفراد الله تعالى بالعبادة حسب ما شرع وأحب، مع انفراده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
ثالثًا: علم التوحيد باعتباره اللقبى:
يعرَّف هذا الاصطلاح باعتباره لقبًا على فن مخصوص على أنه: "العلم بالأحكام الشرعية العقدية المكتسب من الأدلة اليقينية، ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية"(14).
ويرد على هذا التعريف أن أحاديث الآحاد مما يحتج به في العقائد والأحكام سواء؛ فلو قيل "بالأدلة المرضية" لتشمل الأدلة اليقينية والظنية لكان أولى.
كما يمكن أن يعرف باعتبار موضوعه فيقال: "علم التوحيد: هو العلم الذي يبحث في ذات الله وما يجب له وما يجوز وما يمتنع، وهذا يشمل الأنواع الثلاثة من التوحيد: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات"(15).
ويلاحظ من جملة التعاريف السابقة أن علم التوحيد بمعناه اللقبي يقوم على دعامتين:
الأولى: التصديق بجملة من العقائد المتعلقة بالله تعالى، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر.
الثانية: القدرة التامة على إثبات تلك العقائد المنسوبة إلى دين نبينا محمد
e، بإيراد الحجج الباهرة، ودفع الشُّبَه الباهتة.

المبحث الثاني
أسمـــاء علم التوحيــد

المقصود بأسماء العلم ما يطلق عليه من الأسماء المعتبرة عند أهل هذا العلم، والمسمى إذا كثرت أسماؤه دل ذلك على شرفه وفضله وأهميته غالبًا، وعلم التوحيد من أكثر العلوم أسماء، وله أسماء شرعية وأخرى محل نظر، وبيان كلٍّ فيما يلي:
أولاً: الأسماء الشرعية لعلم التوحيد:
1- علم التوحيد:
لعل السبب في إطلاق اسم التوحيد على هذا العلم، هو أن مبحث وحدانية الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله هو أهم مباحث هذا العلم، فهو من باب تسمية الكل بأشرف أجزائه، أو تسمية العلم بأشهر بحوثه، ثم إن ما عدا مبحث الوحدانية قائم ومعتمد عليه، فهو الأصل الذي يتفرع عنه غيره.
ولقد كثرت الكتب المصنفة في باب الاعتقاد التي تحمل اسم التوحيد قديمًا وحديثًا، فمن ذلك: "كتاب التوحيد" لأبي العباس أحمد بن سريج البغدادي، و"كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب سبحانه وتعالى" للإمام أبي بكر بن خزيمة رحمهما الله تعالى.
2- العقيدة:
العقيدة لغةً: مأخوذة من العَقْد، وهو الجمع بين أطراف الشيء على سبيل الربط والإبرام والإحكام والتوثيق، ويستعمل ذلك في الأجسام المادية، كعقد الحبل، ثم توسع في معنى العقد فاستعمل في الأمور المعنوية،كعقد البيع وعقد النكاح(16). وقد ذكر المعجم الوسيط أن العقيدة: هي "الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، ويرادفها الاعتقاد والمعتقَد.. وجمعها عقائد"(17).
وكلمة العقيدة لم ترد في القرآن الكريم وإنما وردت مادتها فقط في مثل قوله تعالى:{وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} (النساء:33) ، وقوله تعالى:{وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (البقرة:235) .
أما العقيدة في اصطلاح علماء التوحيد فهي "الإيمان الذي لا يحتمل النقيض"(18)، ويلاحظ اقتراب أو تطابق المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة العقيدة.
العلاقة بين علمي العقيدة والتوحيد:
"وعلم العقيدة وعلم التوحيد مترادفان عند أهل السنة، وإنما سمي علم التوحيد بعلم العقيدة بناء على الثمرة المرجوة منه، وهي انعقاد القلب انعقادًا جازمًا لا يقبل الانفكاك"(19). ومن الباحثين من فرق بينهما فاعتبر علم التوحيد هو العلم الذي يقتدر به على إثبات العقائد الدينية بالأدلة المرضية، وأن علم العقيدة يزيد عليه برد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية، فيجتمعان في معرفة الحق بدليله، وتكون العقيدة أعم موضوعًا من التوحيد.
وقد جرى السلف على تسمية كتبهم في التوحيد والإيمان بكتب العقيدة، كما فعل أبو عثمان الصابوني رحمه الله في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث"، واللالكائي رحمه الله في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة".
3- الإيمان:
معنى الإيمان في اللغة: قال ابن فارس: "للهمزة والميم والنون أصلان متقاربان، أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق، والمعنيان متدانيان... وأما التصديق فقول الله تعالى:{قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} (يوسف:17) ، أي مصدِّق لنا"(20).
معنى الإيمان في الاصطلاح:
وأما الإيمان الاصطلاحي فيطلق على الاعتقاد القلبي، والإقرار اللفظي، والعمل الحسي، امتثالاً للأوامر، واجتنابًا للمناهي.
وهذا التعريف الاصطلاحي للإيمان مأخوذ من تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للإيمان في حديث جبريل سبحانه وتعالى(21)، وفيه: "فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، وحديث وفد بني عبد القيس(22)، وفيه: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة ألا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس"، حيث عرف الإيمان في الحديث الأول بالاعتقادات الباطنة، وفي الحديث الثاني بالأعمال الظاهرة، ثم صار الإيمان يطلق ويراد به مسائل الاعتقاد كلها.
وصنَّف السلف كتبًا باسم الإيمان بحثت قضايا التوحيد ومسائل الاعتقاد جميعًا، ومن أولها: "كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكمال درجاته"، للإمام أبي عبيد القاسم البغدادي، و"كتاب الإيمان" للحافظ ابن أبي شيبة العبسي، و"كتاب الإيمان" للحافظ ابن منده.
4- السنة:
سبق أن السنة في اللغة تطلق على الطريقة المسلوكة، محمودة كانت أو مذمومة، كما تطلق على العادة الثابتة المستقرة، وعلى غير ذلك(23).
والسنة في اصطلاح علماء العقيدة والتوحيد معناها كما قال ابن رجب رحمه الله: "وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم"(24)، وهذا الإطلاق للسنة على العقيدة من باب إطلاق الاسم على بعض مسمياته، فإن الاعتصام بالسنة من أهم أصول أهل السنة.
على أن وصف العقيدة بالسنة كان معروفًا زمن الصحابة رضي الله عنهم، ويدل عليه قول علي رضي الله عنه: "الهوى عند من خالف السنة حق وإن ضربت فيه عنقه"(25)، وهذا لا يكون إلا فيمن خالف في الاعتقاد مخالفة عظيمة.
وبناء على ذلك، فقد أطلق اسم السنة على عقيدة أهل السنة والجماعة، هذا بالإضافة إلى أن السنة لغة هي الطريقة، فأطلقت على عقيدة السلف لاتباعهم طريقة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في الاعتقاد خاصة، واستفاض ذلك المصطلح في الناس حتى إذا قيل: فلان صاحب سنة، كان معناه أنه على معتقد سلفي.
وقد عرفت كتب الاعتقاد باسم كتب السنة، وساد ذلك في القرن الثالث الهجري، في عصر الإمام أحمد رحمه الله، حيث أظهر أهل البدع بدعهم وجاهروا بها تصنيفًا ومناظرة، فألَّف أهل السنة في الرد عليهم كتبًا أسموها كتب السنة؛ وذلك لأنهم لم يكن لهم اسم يتسمون به خصوصًا بخلاف أهل الابتداع، ومن تلك الكتب:
"السنة" للإمام أحمد بن حنبل، و"السنة" لأبي بكر بن الأثرم، و"السنة" لابن أبي عاصم رحمهم الله جميعًا.
5- أصول الدين:
وهذا المصطلح مركب من مضاف ومضاف إليه، فيعرف باعتبار مفرديه أولاً.
فالأصل لغة: "ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرع عنه غيره"(26).
ويعرَّف في الاصطلاح المناسب لهذا الموضع بأنه "القواعد الكلية والأسس العامة".
والدين يطلق في اللغة على الذل والخضوع،كما يطلق على الحساب والجزاء(27)، واصطلاحًا: "جملة الأحكام الاعتقادية التي تحدِّد ما ينبغي أن يتصف به الله من صفات، وجملة الأحكام العملية التي ترسم طريق عبوديته سبحانه"(28).
"والمعنى المستفاد من هذا المركب الإضافي، أن أصول الدين هي المبادئ العامة، والقواعد الكلية الكبرى، التي بها تتحقق طاعة الله ورسوله، والاستسلام لأمره ونهيه"(29)، فأصول الدين بهذا الاعتبار تشمل أركان الإسلام من الأعمال الظاهرة، وأركان الإيمان من الاعتقادات الباطنة، ثم غلب على العلماء المصنفين في الاعتقاد استعمال هذا الاصطلاح في قضايا التوحيد والعقيدة، وعللت هذه التسمية بأن بحوث علم الاعتقاد أصل لما يتلوها من علوم الدين الأخرى كالفقه والحديث، ومن جهة أخرى، فإن هذا العلم يبحث في العقائد التي هي الأصول الواجب على المكلف اعتقادها قبل أن يبدأ العمل، فلا يثمر العمل في الآخرة إلا باعتقاد هذه الأصول في الدنيا.
وقد اعترض شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على أن يكون مصطلح أصول الدين قاصرًا على العقائد دون مسائل العمل الكبار، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، أو أن يدخل فيه مسائل العقائد المختلف فيها داخل دائرة أهل السنة، كما قد يعترض أيضًا على هذه التسمية لعلم التوحيد بأنها لا تكشف عن طبيعة هذا العلم الذاتية وخصائصه التي يمتاز بها، حيث لوحظ فيها ما يقابله من فروع الدين فحسب.
ومهما يكن من أمر، فإن عمل العلماء سلفًا وخلفًا جرى على اعتماد هذه التسمية حين ألَّفوا وصنفوا في هذا العلم المبارك، ومن أمثلة ذلك:
"الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة" لأبي عبد الله بن بطة، و"الإبانة عن أصول الديانة" لأبي الحسن الأشعري رحمهما الله تعالى.
6- الشريعة:
الشريعة لغة: "من الشَّرْع وهو السَّن والبيان والمورد والطريق"(30).
واصطلاحًا: ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء صلى الله عليهم وعلى نبينا وسلم، سواء أكانت متعلقة بكيفية عمل أو اعتقاد،.. ويسمى الشرع أيضًا بالدِّين والملَّة، فإن تلك الأحكام من حيث إنها تطاع دين، ومن حيث إنها تملى وتكتب ملَّة، ومن حيث إنها مشروعة شرع، فالتفاوت بينها بحسب الاعتبار لا بالذات"(31).
وقد تطلق الشريعة على ما شرعه الله تعالى لجميع رسله من أصول الاعتقاد والبر والطاعة مما لا يختلف من دعوة لأخرى، قال تعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (الشورى:13) .
ثم أطلقت الشريعة أخيرًا وبإطلاق أخص -كما قال ابن تيمية رحمه الله- على: "العقائد التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان، مثل اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل، وأن الله موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق... إلخ" (32).
والشريعة هنا كالسنَّة، فقد يراد بها ما سنه الله وشرعه من العقائد، وقد يراد بها ما سنه وشرعه من العمل، وقد يراد بها كلاهما.
وقد ألف بعض العلماء كتبًا في الاعتقاد تحمل اسم الشريعة، ومن أولها:
"الشريعة" لأبي بكر الآجري، و"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" لابن بطة رحمهما الله تعالى.
7- الفقه الأكبر:
أطلق الفقه في الاصطلاح الأقدم على ما هو أعم من علم الفروع، بحيث يشمل الأصول والفروع، وعن هذا المعنى عبر الإمام أبو حنيفة رحمه الله حين قال: "الفقه: معرفة النفس مالها وما عليها" وذلك من كل ما تنتفع به وتتضرر في الآخرة، من الاعتقادات والأعمال والأخلاق ونحو ذلك، ثم لما أراد أبو حنيفة رحمه الله تمييز الاعتقادات عن غيرها، جاء بهذا الاصطلاح الذي لم يسبق إليه في التعبير عن التوحيد فسماه الفقه الأكبر، تمييزًا له عن الأصغر وهو فقه الفروع.
وفي تعليل هذه التسمية يقول الإمام عبد العزيز الحنفي رحمه الله: "سمي بالفقه الأكبر؛ لأنه أكبر بالنسبة للأحكام العملية الفرعية التي تسمى الفقه الأصغر؛ ولأن شرف العلم وعظمته بحسب المعلوم، ولا معلوم أكبر من ذات الله تعالى وصفاته الذي يبحث فيه هذا العلم؛ لذلك سمي الفقه الأكبر"(33).
وقال أبو حنيفة: "الفقه الأكبر في الدين أفضل من الفقه في العلم، ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه، خير له من أن يجمع العلم الكثير"(34).
8- التصور:
وهذا المصطلح مختلف في مشروعيته، إذ إنه مصطلح محدث أطلقه بعض الباحثين على هذا العلم، كما فعل ذلك سيد قطب رحمه الله في كتابه "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"، حيث قال: "فالتصور الإسلامي يقوم على أساس أن هناك ألوهية وعبودية، ألوهية ينفرد بها الله سبحانه، وعبودية يشترك فيها كل من عداه وكل ما عداه، وكما ينفرد الله سبحانه بالألوهية كذلك ينفرد -تبعًا لهذا- بكل خصائص الألوهية"(35).
وقد أفصح سيد عن موقفه بجلاء من الفلسفة وعلم الكلام ومنهاجهما، فقال: "وجد بين المفكرين المسلمين من فتن بالفلسفة الإغريقية، وبخاصة شروح فلسفة أرسطو -أو المعلم الأول كما يسمونه- وبالمباحث اللاهوتية، وظنوا أن الفكر الإسلامي لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله، أو مظاهر أبهته وعظمته، إلا إذا ارتدى هذا الزي -زي التفلسف والفلسفة- وكانت له فيه مؤلفات!" (36).
ثم يقرر منهجه فيقول: "منهجنا إذن في هذا البحث عن خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة بعد الحياة في ظلال القرآن طويلاً، وأن نستحضر -بقدر الإمكان- الجو الذي تنـزلت فيه كلمات الله للبشر.. ومنهجنا في استلهام القرآن الكريم ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقًا، لا مقررات عقلية، ولا مقررات شعورية.. ثم إننا لا نحاول استعارة القالب الفلسفي في عرض حقائق التصور الإسلامي.. لابد أن نعرض العقيدة بأسلوب العقيدة، إذ إن محاولة عرضها بأسلوب الفلسفة يقتلها، ويطفئ إشعاعها وإيحاءها.. ومن هنا يبدو التعقيد والجفاف والنقص والانحراف في كل المباحث التي تحاول عرض العقيدة بهذا الأسلوب الغريب على طبيعتها، وفي هذا القالب الذي يضيق عنها"(37).
وعلى هذا يمكن القول بأن هذا المصطلح يدل على معنى صحيح عند من استعمله من المعاصرين(38)، وإن كان الأولى موافقة الشرع في اللفظ والمعنى معًا، مع التقيد بأسماء هذا العلم المبارك كما نقل عن السلف، فإنه أسلم وأحكم وأقوم.
التطور التاريخي لتدوين علم التوحيد:
لعله من المناسب قبل مغادرة هذه النقطة تلخيص ما سبق وإلقاء أضواء على التطور التاريخي لظهور هذه المصطلحات، فلا ريب أن مصطلحي الإيمان والفقه الأكبر قد ظهرا في القرن الثاني وبرزا، واستمر مصطلح الإيمان في الذيوع خلال القرن الثالث حيث برز مصطلح السنة، وظهرت الكتب الاعتقادية التي حملت اسم السنة، وتوالى التصنيف في القرن الرابع بهذه الأسماء الاصطلاحية.
ثم ظهر في القرن الرابع أربعة مصطلحات شاعت وذاعت، وهي: التوحيد، الشريعة، أصول الدين، العقيدة، وإن كان مصطلح العقيدة قد ظهر أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس الهجري كما يبدو هذا من كتاب الحافظ اللالكائي رحمه الله "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، وكذا فعل أبو عثمان الصابوني رحمه الله في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث"، وتتابع بعد ذلك المصنفون على استعمال هذا المصطلح.
ثم يبقى بعد ذلك مصطلح التصور الذي نقل إلينا من الفلسفة، فلو سلم مما فيه من مشابهة الفلاسفة في مناهجهم في النظر والاستدلال، وانطلق من مصادر العقيدة المعتبرة لدى أهل السنة، فلا يبقى فيه إلا عدم استعمال السلف له، والأولى -كما تقدم- الاستغناء بالمنقول عن السلف عما نقل عن أهل التفلسف.
ثانيًا: أسماء علم التوحيد عند الفرق الإسلامية:
1- علم الكلام:
وهذا هو أشهر الإطلاقات عند سائر الفرق الإسلامية من أشاعرة ومعتزلة وغيرهم في القديم والحديث.
ويعلّل المتكلمون تسميتهم للتوحيد بعلم الكلام بعلل شتى، منها: "أن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام..."(39)، أو "لأن أصحابه كانوا يترجمون لمسائله بقولهم: الكلام في القدرة، الكلام في العلم، الكلام في الوحدانية، فجاءت التسمية من باب الشيوع والذيوع والغلبة"(40)، "وقد يكون سبب التسمية أنه أكثر من غيره خلافًا ونزاعًا بين الخائضين فيه بعقولهم، فهو مفتقر إلى الكلام أكثر من غيره لتحقيقه وللرد على المخالف فيه"(41)، ويرى بعض الباحثين أنه سمي بذلك؛ لأنه يكسب المتكلم قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات، وإلزام الخصوم(42).
ويرى أهل السنة هذه التسمية لهذا العلم المبارك تسمية مبتدعة، وهي تنطبق على غير علم التوحيد الذي جاء به المرسلون، فإنه ليس من الكلام في شيء لا اسمًا ولا معنى، ولا مقصدًا ولا غاية ولا استمدادًا، وأهل السنة لا يعتبرون الكلام وتعلمه علمًا؛ بل يعدونه جهلاً، فإن أبا يوسف تلميذ أبي حنيفة رحمهما الله تعالى قال لبشر المريسي: "العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم"(43)، وقال شيخ الإسلام: "إن الجدال في علم العقائد يسمى كلامًا"(44).
وأهل السنة يذكرون أسبابًا أخرى لهذه التسمية المحدثة لعلم التوحيد منها: "أنه سمي كذلك لأن المشتغلين به تكلموا فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، مثل الكلام في ذاته تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتأويل المتشابه، والبحث في القدر، ونحو ذلك"(45)، أو "تأسيًا بالفلاسفة في تسميتهم فنًّا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان"(46)، أو لأن المتكلمين "لم يفيدوا علمًا لم يكن معروفًا، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد"(47).
ثم إن علماء الإسلام الثقات قد زجروا عن علم الكلام وبالغوا في النهي عنه، فقال الشافعي رحمه الله: "حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام"(48).
وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: "لا يفلح صاحب كلام، ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دخل"، وقال أيضًا: "علماء الكلام زنادقة"(49).
وقال الإمام مالك لرجل جعل يسأله عن القرآن: "لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد؟ لعن الله عمرًا، فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل"(50).
2- الفلسفة:
الفلسفة إعمال للعقل في أي مجال وكل مجال بلا أي منطلقات سابقة من دين أو وحي؛ للوصول إلى الحقائق الأزلية -بزعمهم-(51)، فهي محاولة إدراك الفاني القاصر للأول والآخر -سبحانه-، وبالتالي فهي محاولة محكومة بالفشل؛ إذ الفلسفة تنتهي حتمًا إلى التعقيد والتخليط والجفاف كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة.
ولقد دخل من سمي بفلاسفة المسلمين في جحيم الفلسفة فما خرجوا منها إلا إلى نار الجحيم، فأنكروا البعث والمعاد، وقالوا بقدم العالم، وجاءوا بالكفريات، كما أوضح ذلك الغزالي رحمه الله في كتابه المسمى "تهافت الفلاسفة".
بين الفلسفة وعلم الكلام:
إن الكلام يتعلق بدين بعينه، ولكن الفلسفة تبحث عن الحقائق والأصول بتجرد من كل دين ومذهب، ومن حيث المنهج فإن علم الكلام يبدأ من مسلمات عقدية يفترض صحتها، ثم يشرع في التماس الطريق العقلية المؤدية لإثباتها، وهذا بخلاف الفيلسوف الذي يتشكك في البدهيات، ويماري في الأوليات، حتى يثبتها عقله أولاً، ثم يتدرج منها إلى النتائج، مستخدمًا منهجًا عقليًّا صرفًا، فالمتكلم يبدأ بذكر الأدلة على وجود الله، والفيلسوف يبدأ بإنكار وجود الله، والعياذ بالله.
والحاصل أن تسمية علم التوحيد بالفلسفة هو تسمية للإيمان بضده، وللنور والهدى واليقين بالظلمة والضلال والشك، والعلماء متفقون على حرمة تعلم الفلسفة، متفقون على ذمها وذم من دخل فيها من علماء الكلام سواء في ذلك أهل السنة أو الأشاعرة أو الماتريدية.
وأخيرًا فإن طائفة من علماء الكلام الفحول الذين دخلوا في الفلسفة قد رجعوا عن الكلام ومسالكه، كما فعل الإمام الأشعري، حيث قال رحمه الله: "فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا سبحانه وتعالى، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، و بما قال به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -نضَّر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مجانبون"(52).
وهذا الإمام الجويني رحمه الله يقول في آخر عمره: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به"(53)، وقال عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل للجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال على عقيدة عجائز أهل نيسابور"(54).
وقال الرازي: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن.. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"(55).
وقال الغزالي: "الدليل على أن مذهب السلف هو الحق، أن نقيضه بدعة، والبدعة مذمومة وضلالة"(56)، وقال أيضًا: "إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا محتاجين لمحاجة اليهود والنصارى في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فما زادوا على أدلة القرآن شيئًا، وما ركبوا ظهر اللجاج في وضع المقاييس العقلية وترتيب المقدمات، كل ذلك لعلمهم بأن ذلك مثار الفتن ومنبع التشويش، ومن لا يقنعه أدلة القرآن، لا يقمعه إلا السيف والسنان، فما بعد بيان الله بيان"(57).
وأخيرًا فإن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وذكر هذه الأخبار عن علماء أهل الإسلام يدل على كمالهم وحسن مقصدهم، رحمهم الله وغفر لهم أجمعين.

المبحث الثالث
موضوع علم التوحيد

إن موضوع أي علم هو ذلك المعنى العام الذي يشتمل كل مسائله التي يتخذها دائرة لبحثه دون غيره من العلوم، وذكر موضوع العلم بعد تعريفه مما يزيده تمييزًا عن غيره.
وموضوع علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة يدور على أمور منها: بيان حقيقة الإيمان بالله تعالى وتوحيده وما يجب له تعالى من صفات الجلال والكمال، مع إفراده وحده بالعبادة دون شريك، والإيمان بالملائكة الأبرار والرسل الأطهار وما يتعلق باليوم الآخر، والقضاء والقدر، كما يدور على بيان ضد التوحيد وهو الشرك والكفر وبيان حقيقتيهما وأنواعهما.
وقد يقال إن موضوع علم التوحيد هو الله تعالى من حيثيات معينة، على النحو التالي:
أولاً: ذات الله تعالى أو (الإلهيات):
والبحث في ذات الله تعالى من حيثيات ثلاث، هي:
1- ما يتصف به تعالى من العلم والحياة والقدرة والصفات، وسائر كمالاته تعالى. قال تعالى:{فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى:11) .
2- ما يتنـزه عنه من الظلم والنقص والعجز والمثالب، وسائر ما لا يليق بجلاله وكماله. قال تعالى:{اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255) .

3- حقه على عباده، وهو أن يعبدوه فلا يشركوا به شيئًا، وأن يطيعوه وينقادوا له وحده. قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56) ، وقال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة:5) .
وقد أغفل كثير من المخالفين لأهل السنة في الاعتقاد هذه الحيثية الثالثة عند البحث في موضوع علم التوحيد، حيث قصروه على ما يشمل إثبات وجوده وربوبيته وأسمائه وصفاته، رغم أن الأمم التي بعثت إليها الرسل كانت تقر بالربوبية إجمالاً، ولم يقع نزاع فيه بينهم وبين الرسل، وإنما كان النـزاع في توحيد الإلهية والعبادة؛ ولهذا لم يجئ على لسان الرسل عليهم السلام الدعوة إلى اعتقاد أن الله هو وحده الخالق -وإن وردت أدلة ذلك في ثنايا الرسالات-، وإنما كان مدار دعوتهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، فكل منهم كان مفتتح دعوته لقومه: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} (لأعراف:65) .
وسبب إغفال المخالفين توحيد العبادة أنهم قصروا الإيمان على التصديق وأخرجوا عنه العمل بالطاعات، واجتناب الشركيات، وجعلوا الكفر مجرد التكذيب، وهو عمل القلب، ولا دخل لعمل الجوارح في الكفر، إلا إذا دل على انتقاض عمل القلب فحسب.
ثانيًا: ذوات الرسل الكرام أو (النبوات):
والبحث في ذوات الرسل الكرام من الحيثيات التالية:
- ما يلزمهم ويجب عليهم من صدق وأمانة وبلاغ ونصح لأممهم ونحو ذلك، قال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} (المائدة:99) .
- ما يجوز في حقهم من أكل ونكاح وأمراض غير منفرة وموت، ونحو ذلك مما يعرض للبشر، قال تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} (الرعد:38) .
- ما يستحيل في حقهم من الكذب والخيانة والكفر والكبائر والموبقات.
- وأخيرًا ما يجب لهم على أتباعهم من الحب والطاعة والاتباع والتعظيم. قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} (النساء:64) .
ثالثًا: السمعيات أو (الغيبيات):
وهي ما يتوقف الإيمان به على مجرد ورود الوحي به، وليس للعقل في إثباتها أو نفيها مدخل، كأشراط القيامة، وتفاصيل البعث والجزاء، ونحو ذلك. والبحث في السمعيات أو الغيبيات يكون من حيث اعتقادها، وهو يقوم على دعامتين اثنتين هما:
أولاً: الإقرار بها مع التصديق، ويقابله الجحود والإنكار لها.
ثانيًا: الإمرار لها مع إثبات معناها، ويقابله الخوض في الكنه والحقيقة، ومحاولة التصور والتوهم بالعقل بعيدًا عن النقل.
وضابط السمعيات: أن العقل لا يمنعها، ولا يقدر على ذلك، ولا يوجبها، ولا يقدر على ذلك، فمتى ما صح النقل عن الله سبحانه وتعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الواجب اعتقاد ذلك والإقرار به، ودفع كل تعارض موهوم بين شرع الله وهو الوحي، وبين خلقه وهو العقل، والقاعدة الذهبية أنه لا يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح عند التحقيق.


(1) مناهل العرفان في علوم القرآن الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني (1/12).
(2) المصباح المنير (1/124، 125)، والقاموس المحيط ص352.
(3) المفردات للراغب الأصفهاني ص108.
(4) المستصفى للغزالي (1/21).
(5) التعريفات للجرجاني ص 112.
(6) انظر: معجم مقاييس اللغة (6/90، 91).
(7) درء التعارض بين العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/306).
(8) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ الغنيمان (1/38).
(9) العقد الثمين في بيان مسائل الدين للسويدي ص66.
(10) يقول البيجوري: "هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته، والتصديق بها ذاتًا وصفات وأفعالاً". شرح جوهرة التوحيد للشيخ إبراهيم البيجوري ص10.
(11) أشرطة "شرح السفارينية" للشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
(12) مدارك التنـزيل وحقائق التأويل. النسفي (3/515).
(13) المصدر السابق (3/515).
(14) المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية على مذهب أهل السنة والجماعة. د. إبراهيم البريكان ص9.
(15) أشرطة شرح السفارينية للشيخ ابن عثيمين.
(16) المصباح المنير (2/421)، والقاموس المحيط ص383، 384، ولسان العرب (9/309-312).
(17) المعجم الوسيط (2/637).
(18) المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية ص8.
(19) المصدر السابق ص10.
(20) معجم مقاييس اللغة (1/ 133-135).
(21) رواه مسلم (9) من حديث عمر رضي الله عنه.
(22) رواه البخاري (7001)، ومسلم (24) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(23) راجع ص2.
(24) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي (1/263).
(25) الشرح والإبانة ص122.
(26) معجم مقاييس اللغة (1/109)، وكشاف اصطلاحات الفنون (1/122).
(27) انظر: لسان العرب (4/458-461)، والمعجم الوسيط (1/317، 318).
(28) الدين د. محمد عبد الله دراز ص44.
(29) مدخل إلى عقيدة أهل السنة ص11.
(30) لسان العرب (7/86-89).
(31) كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي (4/129).
(32) مجموع الفتاوى (19/ 306، 307).
(33) كشف الأسرار على أصول البزدوي للإمام عبد العزيز البخاري الحنفي (1/8).
(34) نظم الدرر في شرح الفقه الأكبر للقاضي عبيد الله الحنفي ص 28.
(35) خصائص التصور الإسلامي. الأستاذ سيد قطب ص183.
(36) المصدر السابق ص183.
(37) المصدر السابق ص12-18.
(38) ومنهم د. عثمان جمعة ضميرية في كتابيه "التصور الإسلامي للكون والحياة" و"مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية".
(39) الملل والنحل (1/30).
(40) مباحث في علوم العقيدة. د. آمنة نصير ص77.
(41) توضيح العقائد النسفية. د. سليمان خميس ص6.
(42) علم العقيدة بين الأصالة والمعاصرة د. أحمد السايح ص 55.
(43) شرح العقيدة الطحاوية (1/17).
(44) مجموع الفتاوى (11/ 336).
(45) مدخل نقدي لدراسة علم الكلام. د. محمد السنهوتي ص19.
(46) المل والنحل (1/30).
(47) شرح العقيدة الطحاوية (1/242).
(48) الإحياء للغزالي (1/130).
(49) تلبيس إبليس لابن الجوزي ص102.
(50) ذم الكلام للهروي ص294.
(51) انظر: المعجم الفلسفي ص139، 140.
(52) الإبانة عن أصول الديانة للأشعري ص17.
(53) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (5/186)، وتلبيس إبليس ص105.
(54) شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري الحنفي ص6، وتلبيس إبليس ص104، 105.
(55) درء التعارض (1/160).
(56) إلجام العوام عن علم الكلام للغزالي ص96.
(57) المصدر السابق ص89-90.

المبحث الرابع
حكم علم التوحيد

المقصود بحكم تعلم علم التوحيد: ما ثبت بخطاب الله تعالى من أثر متعلق بتعلم هذا العلم، كالإيجاب أو الندب مثلاً، "وينبغي أن يعلم أن حكم العلم كحكم معلومه، فإن كان المعلوم فرضًا أو سنة فعلمه كذلك، إذا توقف حصول المعلوم على تعلم ذلك العلم"( 1 ).
والحق أن تعلم علم التوحيد منه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية، و هذا شأن العلوم الشرعية عامة، وإن أعظم ما أمر الله به هو التوحيد، قال تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} {محمد:19} ، وقال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} {الإسراء:23} ، وفي حديث معاذ رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟"، قلت: "الله ورسوله أعلم"، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"( 2 )، وفي حديث معاذ الآخر قال صلى الله عليه وسلم: "فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"( 3 ).
فكان أول الواجبات وأوجب التكليفات، هو إفراد الله تعالى بالتوحيد والبراءة من الشرك باتفاق أهل السنة، قال الإمام ابن أبي العز رحمه الله: "اعلم أن التوحيد هو أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل... ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله لا النظر( 4 )، ولا القصد إلى النظر( 5 )، ولا الشك(5).. فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب"( 6 ).
وقال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في منظومته:
أول واجـب على العبيـد معرفة الرحمـن بالتوحيـد
إذ هو من كل الأوامر أعظم وهو نوعان أيـا من يفهـم
ومما يدل على أنه آخر واجب، حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله"( 7 )، وفي الصحيح من حديث عثمان رضي الله عنه: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة"( 8 ).
فتعلم فرض العين من علم التوحيد هو أول الواجبات وأولاها على المكلفين أجمعين.
وفرض العين منه هو: ما تصح به عقيدة المسلم في ربه، من حيث ما يجوز ويجب ويمتنع في حق الله تعالى، ذاتًا وأسماء وأفعالاً وصفات، على وجه الإجمال، وهذا ما يسميه بعض العلماء بالإيمان المجمل أو الإجمالي أو مطلق الإيمان.
وأما فرض الكفاية من علم التوحيد، فما زاد على ذلك من التفصيل والتدليل والتعليل، وتحصيل القدرة على رد الشبهات، وهذا ما يسمى بالإيمان التفصيلي، وهو من أجلِّ فروض الكفايات في علوم الإسلام؛ لأنه ينفي تأويل المبطلين وانتحال الغالين، فلا يجوز أن يخلو الزمان والمكان ممن يقوم بهذا الفرض الكفائي المهم؛ إذ لا شك أن حفظ عقائد الناس أكثر أهمية من حفظ أبدانهم وأموالهم وأعراضهم.
ويشترط للتكليف بالتوحيد أربعة شروط، وهي:
أولاً: العقل:
ويسمى بالعقل الغريزي أو الطبعي، فإذا غاب تمامًا أو زال بالكلية، فقد أصبح الإنسان غير مكلف، وإذا أخذ الله ما وهب أسقط ما أوجب، وفي الحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم"( 9 ).
فالعقل الطبعي الموهوب هو شرط التكليف، ولكن لما كان التكليف لا يناط بكل مقدار من العقل، وإنما هناك درجة من العقل إذا بلغها الصبي كان مكلفًا، ولما كان من الصعب معرفة بلوغ الصبي تلك المرتبة التي هي مناط التكليف، فقد أقام الشارع البلوغ -كوصف ظاهر منضبط- دليلاً على اكتمال القدر المطلوب من العقل للتكليف.
ثانيًا: البلوغ:
ويقصد به انتهاء حد الصغر، وانتقال الصبي من حالة الطفولة إلى حالة الرجولة، وعنده يتم التكليف ويجري القلم، ويدرك الصغير قضاياه المصيرية، ويفكر بجدية في إجابات الأسئلة الضرورية، فإذا مات الصبي قبل البلوغ، فقد مات مرفوعًا عنه القلم وناجيًا عند الله تعالى، سواء في ذلك أبناء المسلمين والكفار على الراجح.
وللبلوغ علامات وأمارات، اثنتان يشترك فيها الذكر والأنثى، وهما الإنزال أو الاحتلام وإنبات شعر العانة، واثنتان تخص الأنثى وهما الحيض والحبل، فإن لم يوجد شيء من ذلك فبالسن، فمتى بلغ الصغير خمس عشرة سنة ذكرًا كان أو أنثى، عدَّ بالغًا ما لم يبلغ بأمارة أخرى قبل ذلك.
ثالثًا: سلامة الحواس:
الحواس خمس وهي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وهي تنقل إلى الأذهان ما تستطيع الإحساس به، "وهذه الحواس لا تستقل بإدراك المعاني والحقائق دون مساعدة العقل أو الدماغ، فالعقل أو الدماغ هو الذي يترجم هذه المحسوسات إلى معان، ودليل ذلك قوله {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} {البقرة:171} ، حيث شبه الله الكافرين بالبهائم التي يناديها الراعي، فالبهائم تسمع الصوت، لكن لعدم المقدرة العقلية التي تمكنها من التمييز بين الأصوات ومعرفتها، فإن الأصوات عندها سواء، لا تحمل إليها شيئًا من المعاني المعينة"( 10 ).
وأهم الحواس للتكليف حاسة السمع، فإن فقدت قبل حصول العلم فقد انسدت منافذ المعرفة الصحيحة، وامتنع بلوغ الدعوة وقيام الحجة على وجهها التام -وإن أمكن نوع معرفة بالإشارة والكتابة ونحو ذلك-، فعن الأسود بن سريع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أربعة يحتجون يوم القيامة"، وذكر منهم: "أصم لا يسمع شيئًا..، فأما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام ولا أسمع شيئًا..، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلامًا"، وفي رواية أبي هريرة: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها"( 11 ).
رابعًا: بلوغ الدعوة وقيام الحجة:
فلا حساب ولا عذاب إلا بعد قيام الحجة الرسالية وقطع العذر على أكمل وجه، قال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} {الاسراء:15} ، وقال:{رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} {النساء:165} ، والناس بحسب بلوغ الدعوة وقيام الحجة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
- أهل القبلة: وهم الذين بلغتهم دعوة الرسول فآمنوا وشهدوا بالتوحيد، وماتوا على ذلك، قال النووي رحمه الله: "اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين"( 12 )، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة"( 13 )، وقال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار"( 14 ).
- أهل الفترة: وهم كل من لم تبلغه دعوة الرسل، ولم تقم عليه الحجة، أو عاشوا بين موت رسول وبعثة رسول آخر، ولم تبلغهم دعوة الأول( 15 )، فمن لم تبلغه دعوة الرسول مطلقًا ومات على الشرك فهو معذور في الدنيا، ممتحن في الآخرة -على الراجح- بنار يؤمر باقتحامها، فمن أطاع في الآخرة فإنه من أهل الطاعة في الدنيا لو جاءته الرسالة، ومن عصى في الآخرة فإنه من أهل الكفر في الدنيا لو جاءته الرسالة، وهذا مذهب السلف وعامة أهل السنة، كما نقله ابن القيم رحمه الله في كتابه طريق الهجرتين( 16 ).
- الكفار: وهم كل من سمع بدين الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، فلم يؤمن ظاهرًا وباطنًا، قال تعالى: ...ومن يبتغ........  آل عمران:85 ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أهل النار"( 17 ).

أعلى الصفحة


المبحث الخامس
فضل علم التوحيد


وهو مزيته وقدره الزائد على غيره من العلوم الشرعية إذ إنه في الذروة من هذا الفضل العميم، وذلك يظهر بالنظر إلى جهات ثلاث: موضوعه، ومعلومه، والحاجة إليه.
أولاً: فضله من جهة موضوعه:
- من المتقرر أن المتعلِّق يشرف بشرف المتعلَّق، فالتوحيد يتعلق بأشرف ذات، وأكمل موصوف، بالله الحي القيوم، ثم بصفوة خلق الله أجمعين، ومآل العباد إلى جحيم أو نعيم، لأجل هذا سماه السلف الفقه الأكبر.
- وتحقيق التوحيد هو أشرف الأعمال مطلقًا، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: "أي العمل أفضل؟"، فقال: "إيمان بالله ورسوله"( 18 ).
- وهو موضوع دعوة رسل الله أجمعين، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وجميع الرسل إنما دعوا إلى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} {الفاتحة:5} ، فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته من أولهم إلى آخرهم، فقال نوح لقومه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} {الأعراف:59} ، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وإبراهيم، قال الله تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} {النحل:36}( 19 ).
ثانيًا: فضله من جهة معلومه:
- إن معلوم علم التوحيد هو مراد الله الشرعي الذي يجمع أمورًا ثلاثة، وتترتب عليه أمور ثلاثة، فهو يجمع أن الله تعالى أراده وأحبه فأمر به، ويترتب على كونه أمر به أن يثيب فاعله، ويعاقب تاركه، وأن ينهى عن مخالفته؛ لأن الأمر بالتوحيد نهي عن الشرك ولابد.
فالقرآن من فاتحته إلى خاتمته في تقرير التوحيد بأنواعه، أو في بيان حقوق التوحيد ومقتضياته ومكملاته، أو في البشارة بعاقبة الموحدين في الدنيا والآخرة، أو في النذارة بعقوبة المشركين والمعاندين في الدارين.
ثم إن حياة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته في بيان القرآن بيانًا عمليًّا "إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم مواد الشرك، إذ هذا تحقيق قولنا: لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم، والإجلال والإكرام، والرجاء والخوف"( 20 ).
ثالثًا: فضله من جهة الحاجة إليه:
- أن الله تعالى طلبه، وأمر به كل مكلَّف، وأثنى على أهله، ومدح من توسل به إليه، ووعدهم أجرًا عظيمًا، قال تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} {محمد:19} ، وقال عز من قائل:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} {البينة:5} ، وقال {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} {البقرة:136} ، وقال {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} {المؤمنون:1} ، وقال {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} {النساء:146} .
- ومنها أن عقيدة التوحيد هي الحق الذي أرسلت من أجله جميع الرسل، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} {الانبياء:25} ، وهي ملة أبينا إبراهيم عز وجل التي أمرنا الله باتباعها، قال تعالى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {النحل:123} .
- وهي حق الله على عباده كما في حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"( 21 ).
- ومنها أن الله تعالى جعل الإيمان شرطًا لقبول العمل الصالح وانتفاع العبد به في الدنيا والآخرة، قال تعالى:{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً} {الاسراء:19} ، فإذا جاء العبد بغير الإيمان فقد خسر جميع عمله الصالح، قال تعالى:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} {الزمر:65} .
لهذا سمى الله تعالى غير الموحِّد ميتًا حقيقة، قال تعالى:{فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} {الروم:52} ، فمقابلة الموتى بالسامعين تدل على أن الموتى هم المشركون والكافرون، وهذا تفسير جمهور السلف( 22 )، ومما يشهد لذلك أن الله تعالى سمى ما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم نورًا لتوقف الهداية عليه، وسماه شفاء لأنه دواء للنفوس من عللها، قال تعالى:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {الأنعام:122} ، فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وسمى الله تعالى الرسـالة روحًا، والروح إذا عدمت فقد فقدت الحياة، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الشورى:52} ( 23 ).
وما ذلك إلا لأن أكبر معضلة في حياة البشرية على ظهر الأرض هي الإجابة على ما يسمى بأسئلة التصور: من خلقني؟ ولم خلقت؟ وإلى أي شيء أصير؟ ومن خلق الكون من حولي؟ وما علاقتي به؟ وإلى أي شيء سيصير؟ والإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة هي ما قدمه الوحي لأنها متسقة مع الفطرة والعقل الصحيح.
قال بعض السلف: "ما طابت الدنيا إلا بتوحيده، وما طابت الآخرة إلا بجنته والنظر إليه تعالى"( 24 )، فالمؤمن في الدنيا ينعم بحياة طيبة باطمئنان نفسه، واستراحة عقله، وطهارة قلبه، وصلاح عمله، فإذا مات وصار إلى قبره كان في حياة طيبة في روضة من رياض الجنة، فإذا قامت القيامة وصار إلى الجنة دار الطيبين فقد كملت النعمة وتمت المنة.
أعلى الصفحة


المبحث السادس
استمداد علم التوحيد

يُستمد علم التوحيد من فهم دلالات ألفاظ الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وذلك بمعرفة مناهج الاستنباط، وطرائق الاستدلال، واستخراج الأحكام، وهذا يلزم له إلمام بالعربية التي هي لسان الوحي، قرآنًا وسنة، وبها نطق أهل العلم في الأمة من السلف الصالح، كما يلزم له إدامة نظر في كتب الشروح والتفسير المأثور للقرآن والحديث، مع بلوغ غاية من علم الأصول، إذ هو سبيل الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية، العقدية والعملية، التي هي مناط السعادة الدنيوية والأخروية.
وعلم التوحيد هو أوثق العلوم الشرعية دليلاً، وأصرحها برهانًا، وأظهرها بيانًا، تقوم دعائم دلائله على أربعة أمور:
أولاً: صحائح المنقول:
إن صحائح المنقول تشمل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، وبيان مسائل الاعتقاد من أول وأولى ما علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في نصوص السنة، وهو صلى الله عليه وسلم أنصح الأمة وأفصحها، وأحرصها على أمانة البلاغ والرسالة، لهذا كانت نصوص السنة مع الكتاب هي معول السلف ومعتمدهم في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم يحتج بها مطلقًا -بشرط الصحة-، لا فرق في ذلك بين العقائد والأحكام من حيث حجيتها ومجالها، ولا بين المتواتر والآحاد من حيث ثبوتها وقبولها.
ثانيًا: الإجماع المتلقى بالقبول:
والإجماع مصدر من مصادر الأدلة الاعتقادية؛ لأنه يستند في حقيقته إلى الوحي المعصوم من كتاب وسنة، وأكثر مسائل الاعتقاد محل إجماع بين الصحابة والسلف الصالح، ولا تجتمع الأمة في أمور العقيدة ولا غيرها على ضلالة وباطل، وعلى هذا فإجماع السلف الصالح في أمور الاعتقاد حجة شرعية ملزمة لمن جاء بعدهم، وهو إجماع معصوم، ولا تجوز مخالفته.
ثالثًا: العقل السليم:
"العقل مصدر من مصادر المعرفة الدينية، إلا أنه ليس مصدرًا مستقلاً؛ بل يحتاج إلى تنبيه الشرع، وإرشاده إلى الأدلة؛ لأن الاعتماد على محض العقل، سبيل للتفرق والتنازع"( 25 )، فالعقل لن يهتدي إلا بالوحي، والوحي لا يلغي العقل.
والنصوص الشرعية قد جاءت متضمنة الأدلة العقلية صافية من كل كدر، فما على العقل إلا فهمها وإدراكها، فمن ذلك: قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} {الأنبياء:22} ، وقوله سبحانه:{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} {الطور:35} .
والعقل قد يهتدي بنفسه إلى مسائل الاعتقاد الكبار على سبيل الإجمال، كإثبات وجود الله مع ثبوت ذلك في الفطرة أولاً، أما مسائل العقيدة التفصيلية مما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ورسوله وأنبيائه، فما كانت العقول لتدركها لولا مجيء الوحي، ثم إن كثيرًا من مسائل الاعتقاد بعد معرفتها والعلم بها لا تدرك العقول حقيقتها وكيفيتها، وذلك كصفات الله تعالى وأفعاله، وحقائق ما ورد من أمور اليوم الآخر من الغيبيات التي        لا يحيلها أو يردها العقل، ولا يوجبها أو يطلبها، قال السفاريني رحمه الله: "لو كانت العقول مستقلة بمعرفة الحق وأحكامه، لكانت الحجة قائمة على الناس قبل بعث الرسل وإنزال الكتب، واللازم باطل بالنص:{مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} {الاسراء:15} ،    فكذا الملزوم"( 26 ).
وأخيرًا فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح؛ لأن الأول خلق الله تعالى والثاني أمره، ولا يتخالفان؛ لأن مصدرهما واحد وهو الحق سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} {لأعراف:54} ، "وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو أن العقل مع النقل كالعاميّ المقلد مع العالم المجتهد؛ بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير عالمًا، ولا يمكن العالم أن يصير نبيًّا رسولاً"( 27 ).
رابعًا: الفطرة السوية:
أما الفطرة فهي خلق الخليقة على قبول الإسلام والتهيؤ للتوحيد، قال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} {الروم:30} ، قال ابن كثير رحمه الله: "فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره"( 28 )، وقوله تعالى: {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} معناه: أن الله ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، وفي الحديث الصحيح: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تُنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء؟"( 29 ).
والفطرة السوية تهدي العبد إلى أصول التوحيد والإيمان، وجمهرة أهل العلم من أهل السنة وغيرهم على فطرية الإيمان، وليس يحتاج العبد لتحصيله من أصله إلى استدلال أو برهان، فضلاً عن أن يشك ويخرج من ثوب اليقين والإذعان، "والقلوب مفطورة على الإقرار به سبحانه أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل:{ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} {ابراهيم:10} "( 30 ).
والفطرة تهتدي إلى تفرده تعالى بالألوهية وإن غشيتها غاشية الإلحاد، يظهر ذلك في أوقات الشدة والمحنة، فإن القلب يفزع إلى خالقه، قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً} {الاسراء:67} .
والعقل والفطرة وإن كانا من دلائل التوحيد، إلا أنه لا تقوم الحجة على بني آدم إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقطع العذر، فإن قيل: إذا كان وجود الله وتعظيمه مركوزًا في الفطر، والعقول تستدل على ذلك، فعلام توقف التكليف على مجيء الرسول، وإنزال الكتاب؟ فيقال: إن الله تعالى تكرمًا منه لا يعاقب قبل بلوغ الحجة الرسالية{ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} {الأنعام:131} ؛ بل تمتنع المؤاخذة حتى يبعث إليهم الرسول، ومن حكمة ذلك أن معرفة الله وإثبات وجوده المركوز في الفطرة والعقول إجمالي     لا تفصيلي، فلابد له من وحي يهديه ويرشده، ويبين له معاقد الحل والحرمة في أفعال المكلفين.

 أعلى الصفحة


المبحث السابع
نسبة علم التوحيد

نسبة العلم هي علاقته بغيره من العلوم وصلته بها، ونسبة أي علم إلى غيره من العلوم تتردد بين أربع نسب، هي:
1- الترادف: فتطلق الأسماء المختلفة على مسمى واحد وعِلْمٍ محدد، فتختلف الأسماء وتتفق المسميات.
2- التخالف: فتتباين الأسماء والمسميات، بحيث لو نسب أحد العلمين إلى الآخر، لم يصدق على شيء مما صدق عليه الآخر.
3- التداخل: كأن يكون أحد العلمين أعم من الآخر فأحدهما داخل بتمامه في الآخر، وهو العموم والخصوص المطلق.
4- التقاطع: وهو العموم والخصوص الوجهي أو النسبي، بأن يكون كل من العلمين أعم من جهة، وأخص من جهة أخري.
وعلى ما سبق يمكن القول بأن علم التوحيد نسبته إلى سائر العلوم الشرعية هي التخالف والتباين، فهو فن مستقل بذاته، قائم بنفسه، له أصوله ومصادره، ومناهجه ومسائله، ولا يغني عنه غيره، وإن كان كالأساس لعلوم الإسلام، ولذا مال بعض العلماء إلى أن نسبته إلى غيره من العلوم أنه أصلها وما سواه فرع عنه، باعتبار أن علوم الإسلام تقوم أولاً على معرفة الله تعالى وتوحيده والتصديق ببعثة نبينا
e وأمور الغيب، وهذا موضوع علم التوحيد.
ولذا قال الإمام السفاريني في منظومته:
وبعـد فاعلـم أن كل العلم كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي
ولأجل هذا المعنى سماه الإمام أبو حنيفة بالفقه الأكبر.

  أعلى الصفحة


المبحث الثامن
واضع علم التوحيد

لقد مر علم التوحيد في وضعه وتدوينه بدورين:
الأول: دور الرواية (ما قبل التدوين):
لم يكن الرعيل الأول من الصحابة
y بحاجة إلى التدوين في العلوم الشرعية، فقد كانوا يتلقون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحيين، "ويوردون عليه ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم"( 31 )، فكانت مسائل الاعتقاد محفوظة في أذهانهم، مستدلاً عليها بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولم يقع بينهم اختلاف في شأن العقيدة؛ بل اجتمعوا على عقيدة صحيحة، فكانوا "أقرب إلى أن يوفقوا إلى الصواب من غيرهم بما خصهم الله به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وتقوى الرب...، فهم أسعد الأمة بإصابة الصواب، وأجدرها بعلم فقه السنة والكتاب"( 32 )؛ لأجل هذا ما كان الصحابة y بحاجة إلى تدوين علم التوحيد أو تصنيف كتب فيه.
الثاني: دور التدوين:
وبدأ هذا الدور في حياة التابعين بكتابة السنة وتدوين الحديث كما ابتدأ ذلك الزهري رحمه الله تعالى، ثم شاع ذلك في النصف الأول من القرن الثاني الهجري كما فعل الإمام مالك في الموطأ، حيث رتبت الأحاديث على أبواب تتعلق بالتوحيد مثل: باب الإيمان، وباب التوحيد، وباب العلم، الخ... ولعل هذا التبويب للأحاديث كان النواة الأولى في استقلال كل باب فيما بعد بالتصنيف والبحث.
ومما أوقد جذوة التدوين ما وقع في آخر زمن الصحابة من بدع واختلاف في العقيدة، كما في مسألة القدر، وكان أول من تكلم به معبد الجهني (ت:80هـ)، ومسألة التشيع والغلو في آل البيت، وفتنة عبد الله بن سبأ، كما وقعت من قبل بدعة الخوارج وصرَّحوا بالتكفير بالذنوب، وبعد ذلك نشأ مذهب المعتزلة على يد واصل بن عطاء  (ت:131هـ)، وصنَّف في مسائل من العقيدة ما خالف به الصحابة والتابعين، وخرج على إجماع خير القرون في الاعتقاد، فتصدى له التابعون بالرد عليه والمناظرة في هذه المسائل.
 ثم بدأ التصنيف في عقيدة أهل السنة حين أصبح ضرورة لابد منها لنفي تأويل المبطلين، ورد انحراف الغالين، وكان أول مدوَّن عرفناه في العقيدة -على هذا النحو- هو كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة رحمه الله (ت:150هـ) وهو ثابت النسبة إليه، حدد فيه أبو حنيفة عقائد أهل السنة تحديدًا منهجيًّا ورد فيه على المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والشيعة، واشتمل على خمسة أبواب -في أتم رواياته-: الأول في القدر، والثاني والثالث في المشيئة، والرابع في الرد على من يكفر بالذنب، والخامس في الإيمان، وفيه حديث عن الأسماء والصفات، والفطرة، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة، وغير ذلك من مباحث العقيدة.
فلو قال قائل: إن واضع علم التوحيد -بمعنى أول من وضع مؤلفًا خاصًّا في الفن من أهل السنة- هو الإمام أبو حنيفة؛ لكان صادقًا ولم يبعد عن الصواب، ولقد نسب كتاب بنفس اسم الفقه الأكبر للإمام الشافعي رحمه الله( 33 ) (ت 204 هـ)، إلا أن نسبة الكتاب إلى الإمام الشافعي غير موثقة.
ثم تتابع التأليف بعد أبي حنيفة في علم التوحيد ولكن بأسماء مختلفة لهذا العلم، فمن أول ذلك كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلاَّم (ت:224هـ)، وتبعه على هذا كثيرون إلى يوم الناس هذا، كما ظهر مصطلح السنة للدلالة على ما يسلم من الاعتقادات، واشتهر ذلك زمن الإمام أحمد رحمه الله، ومن الكتب المصنفة باسم السنة، كتاب السنة لابن أبي شيبة رحمه الله (ت:235هـ) والسنن للإمام أحمد رحمه الله (ت:240هـ) وغير ذلك، ثم ظهر مصطلح التوحيد في مثل كتاب التوحيد لابن سريج البغدادي رحمه الله (ت:306هـ)، وكتاب التوحيد لابن خزيمة رحمه الله (ت:311هـ)، وواكب ذلك ظهور مصطلح أصول الدين، ثم ظهر التأليف باسم العقيدة أوائل القرن الخامس الهجري، واستقرت حركة التصنيف ومنهج التأليف، واستقل علم التوحيد علمًا متميزًا عن غيره بلقب ومنهج مخصوص.

  أعلى الصفحة


المبحث التاسع
غاية علم التوحيد

وتظهر ثمرة دراسة علم التوحيد -على منهج أهل السنة والجماعة- من جهات وحيثيات كثيرة، إلا أنها تعود إلى أمرين أساسيين، الأول: باعتبار المكلف، والثاني: باعتبار العلم نفسه وعلوم الإسلام الأخرى، وما يتعلق بالمكلف يعود إلى منفعة دنيوية وأخروية، والدنيوية ترجع إلى منفعة علمية وعملية، وتفصيل هذه المنافع على النحو التالي:
أولاً: بالنسبة لحياة المكلف في الدنيا:
إن قيام المدنية، وطيب العيش، لمن ثمرات التوحيد المباركة، قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} {الأعراف:96} .
"إن الإيمان يثمر طمأنينة القلب وراحته، وقناعته بما رزق الله، وعدم تعلقه بغيره، وهذه هي الحياة الطيبة، فإن أصل الحياة الطيبة راحة القلب وطمأنينته، وعدم تشوشه مما يتشوش منه الفاقد للإيمان الصحيح"( 34 )، قال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} {الرعد:28} ، وفي الصحيح: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن"( 35 ).
والمؤمن يتلذذ بلذات معنوية هي أعظم من كل اللذات الحسية، ولذا قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه؛ لجالدونا عليه بالسيوف"( 36 )، وقال غيره: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"( 37 ).
ومظاهر الحياة الطيبة التي خص الله بها عباده المؤمنين في الدنيا كثيرة نذكر منها:
ولاية الله عز وجل فقد قال تعالى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {البقرة:257} ، ومحبة الله عز وجل للمؤمنين ومحبة الخلق لهم حيث قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} {مريم:96} ، ومدافعة الله عن المؤمنين وإنجائه لهم ونصرهم على أعدائهم، قال سبحانه:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} {غافر:51} ، وحصول نور البصيرة التي تفرق بين الحق والباطل، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} {لأنفال:29} ، وحصول العزة وتمام الكرامة والشرف: قال تعالى:{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} {المنافقون:8} .
ثانيًا: من حيث قوة المكلف العلمية:
وهي القوة التي يدرك الإنسان بها، ويفرق بين الحق والباطل، وتظهر ثمرة علم التوحيد العلمية من خلال الأمور التالية:
- معرفة الله تعالى معرفة يقينية: فكلما ازداد العبد علمًا بالتوحيد، ازداد رقيًّا في مدارج الإيمان ومعارج اليقين، وارتقى من الإيمان المجمل إلى الإيمان المفصَّل، ومن حال التقليد إلى حال اليقين والإذعان، والتصديق عن حجة وبرهان، وهذا أفضل ما اشتغل بعلمه إنسان، كما في الحديث: "أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه"( 38 )، والعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته سبيل لرفع الدرجات وحصول البركات، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} {المجادلة:11} .
- انشراح الصدر وطمأنينة القلب: وهذا الأمر ثمرة حصول المعرفة الصحيحة بالله تعالى، والإجابة على أسئلة الفطرة حول الكون والحياة، فنفس لا إيمان فيها مضطربة، قلقة، تائهة خائفة، قال تعالى:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} {الزمر:29} . فإذا تعددت الأسياد على المملوك، فقد شقي حاله، واضطرب أمره.
وفي النفس قلق على المستقبل وطلب لاستجلاء الغيوب، ولا يزيل هذا القلق كالإيمان بخيرية الذات، وخيرية العمل، وخيرية المآل والمصير، فالمؤمن الموحِّد ينظر إلى الغيب بعين التفاؤل والرضا عن الله تعالى في قضائه وقدره، فيسكب في النفس برد اليقين، ومشاعر الأمن والاطمئنان، قال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} {الأنعام:82} ، فمن أراد الله له الهداية وانشراح الصدر هداه إلى الإسلام أولاً، ثم إلى سلامة العقيدة من شوائب البدع ثانيًا.
- هداية العقل واستنارته: إن دراسة علم التوحيد على منهج السلف الصالح يقضي على الخصومة المفتعلة بين النقل والعقل، وبين الوحي والرأي، وبين النص والفكر، ويبدو هذا جليًّا في النقاط التالية:
1- إن عقيدة أهل السنة تحترم العقل وتعلي من شأنه، وتحث على التعقل والتدبر: قال تعالى:{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} {يوسف:2}، { أَفَلا تَعْقِلُونَ} {هود:51} ،{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ}{محمد:24}، ويثني على العقلاء:{ وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ}{صّ:43}.
2- إن هذه العقيدة تذم التقليد الأعمى الذي هو حجاب العقل، وغطاء الفهم، قال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} {البقرة:170} .
3- وهي تهدي العقل إلى مجالاته النافعة، قال{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} {قّ:6} ، وقال تعالى:{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} {الذريات:21} .
4- وهي تحظر على العقل ما لا يمكن الخوض فيه، فتوفر طاقته فيما يطيق ويحسن، قال تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} {الاسراء:85} ، وقال تعالى:{وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} {طـه:110} .
5- وهي في شأن العقل وسط بين طرفين، المهملون للعقل -مثل كثير من المتصوفة الجهال-، والمقدسون له -كالمتكلمة-، فمن انضبط بمنهج أهل السنة في دراسة العقيدة وعلم التوحيد، اهتدى عقله، وسلم ذهنه من الانحراف، ووقف على الحجج البينة، وكثر صوابه، وقل خطؤه، وأمن من شرور البدع.
ثالثًا: من حيث قوة المكلف العملية:
وهي القوة التي تحمل الإنسان على السير إلى الله تعالى، والاجتهاد في عبادته، والتقرب إليه بما يرضيه، واجتناب ما يسخطه، وتظهر ثمرة علم التوحيد العملية من خلال الأمور التالية:
- تحقيق الإخلاص وأعمال القلوب على الوجه الصحيح: فالإخلاص هو حقيقة الدين، ومفتاح دعوة رسل الله أجمعين، وهو روح التوحيد ولب الرسالة، قال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} {البينة:5}، والإخلاص هو إفراد الحق سبحانه بالقصد، وهو تصفية العمل من كل شوب، وفي أهمية الإخلاص وأعمـال القلوب يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "أعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبع ومكملة، وإن النية بمنـزلة الروح، والعمل بمنـزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح فموات... فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح"( 39 ).
والإخلاص يتوقف في حصوله وكماله على معرفة العبد لربه، وتعظيمه وتأليهه، ومعرفة أسمائه تعالى وصفاته، وإحصائها والتعبد لله بمقتضاها، فمن كان بالله أعرف كان له أخلص، وفيما عند الله تعالى أرغب، ومن عقوبته أرهب، والإخلاص إذا تمكن من طاعة من الطاعات مهما كانت يسيرة، فإن الله تعالى يغفر بها الذنب ويضاعف الأجر، كما في حديث البطاقة( 40 )... فهذه حال من قال كلمة التوحيد بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم يقولون لا إله إلا الله، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم، كما ترجح قول صاحب البطاقة، كذلك البغي التي سقت كلبًا فغفر الله لها، والرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له، "فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص"( 41 ).
- اشتغال الجوارح بالطاعات: إذا عمَّر الإخلاص قلب العبد، وتحققت أعمال القلوب من محبة الله ورسوله، والتوكل على الله والصبر له، والخوف منه والرجاء فيما عنده، انطلقت الجوارح ولابد في طاعة الله تعالى، ولا يتخلف ذلك أبدًا، وفي الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"( 42 )، فصلاح الظاهر تابع لصلاح الباطن في الأصل، والارتباط بينهما حاصل.
رابعًا: بالنسبة للمكلف في الآخرة:
إن امتناع الخلود في النار لمن ظلم نفسه من الموحِّدين، ودخول الجنة ابتداء لمن اقتصد من أصحاب اليمين، والفوز بالدرجات العلى لمن سبق بالخيرات، مع رضوان الله تعالى ورؤية وجهه الكريم في الجنات، هو غاية المطالب، ونهاية الرغائب لجميع المؤمنين، قال تعالى:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير ُ- 32- جَنَّاتُ عَدْنٍ {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير ُ- 32- جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} {فاطر:32-33} يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} {فاطر:32-33} ، ففي هذه الآية حرف من الحيف أن يُكتب بالمداد، وإنما ينبغي أن يكتب بماء الذهب فرحًا وطربًا؛ لأنه يشير إلى كرامة من الله لهذه الأمة لا تعدلها كرامة، ألا وهو حرف الواو في قوله تعالى:{يَدْخُلُونَهَا} ، فالداخلون هنا هم الموحِّدون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأصنافها الثلاثة المذكورة في الآية، وعندما خطب عمر رضي الله عنه وتلا الآية السابقة قال: "سابقنا مقرب، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"( 43 ).
والجنة لا يدخلها إلا مؤمن موحد وإن ظلم نفسه بغير الشرك، ولا يخلَّد في النار إلا كافر أو منافق، ففي الحديث: "لا يدخل الجنة إلا مؤمن"( 44 ), وفي الحديث القدسي: "يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة"( 45 )، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} {النساء:48} ، قال علي رضي الله عنه: "ما في القرآن آية أحب إليَّ منها"( 46 ).
خامسًا: بالنسبة للعلم نفسه وعلوم الإسلام:
وثمرة علم التوحيد باعتبار العلم نفسه هي حفظ هذا العلم بحفظ قواعده، وأصوله ومسائله، وفي هذا حفظ الله للدين نفسه؛ لأن العلم الشرعي دين يدان الله تعالى به، قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"( 47 )، وإذا كان العلم الشرعي مطلوب الحفظ عامة، فلا شك أن علم الاعتقاد يطلب حفظه على وجه الخصوص؛ لأنه أصل لما عداه، ولأنه أول الواجبات وآخرها وألزمها على المكلف، قال ابن القيم رحمه الله: "إن العبد لو عرف كل شيء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئًا"( 48 ).
وحفظ العلم كما يكون بتعلمه يكون بتعليمه وتوريثه وبذله لطالبيه، وهذا من أفضل القرب وأعلى الرتب، وفي الحديث: "خير ما يخلف الرجل بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده"( 49 )، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "بلغني أن العلماء يُسألون يوم القيامة كما تُسأل الأنبياء، يعني عن تبليغه"( 50 ).
- كما أن من ثمرات تعلم علم التوحيد وتعليمه تحصيل القدرة على إرشاد المسترشدين، وهداية المنحرفين، والوقوف أمام التيارات الإلحادية، والأهواء البدعية، وفي ذلك ثواب المنافحة عن الإسلام، والمدافعة عن السنة، وقد افتتح الإمام أحمد رحمه الله كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" بذكر أوصاف أهل العلم، فكان من جملة ما قال: "ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"( 51 ).
- ومن ثمرات هذا العلم إقامة ما عداه من علوم الشريعة والفروع، فإنها تتعلق بعد ذلك بالعمل، "والعلم أصل العمل، وصحة الأصول توجب صحة الفروع"( 52 )، فإقامة علوم الفروع تبنى على إثبات إله عالم، مرسل للرسل، منـزل للكتب، وبغير هذا العلم لا يتصور علم تفسير أو حديث أو فقه ونحو ذلك.

  أعلى الصفحة


المبحث العاشر
مسائل علم التوحيد

"إن مسائل كل علم هي معرفة الأحوال العارضة لذات موضوع العلم"( 53 )، فإذا كان تعريف علم التوحيد هو "العلم بالأحكام الشرعية العقدية، المكتسب من أدلتها المرضية، ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية"، وكان موضوع علم التوحيد هو الله تعالى، والملائكة، والرسل الكرام، وقضايا اليوم الاخر والغيبيات؛ فإن مسائله هي معرفة أحكام القضايا الاعتقادية المتعلقة بذلك كله من الوجوب والجواز والاستحالة، وما توقفت عليه تلك الأحكام لاستفادتها على منهج أهل السنة والجماعة.
فمسائل علم التوحيد تتضمن معرفة الأحكام الشرعية العقدية كأحكام الألوهية، وعصمة الرسل، وقضايا اليوم الآخر ونحو ذلك، وقد عنيت كتب العقائد به أعظم عناية، وكتبت في تحريره وتقريبه -على منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة- مطولات ومختصرات، ومنظومات ومنثورات من زمن السلف وإلى يوم الناس هذا.

 
! ! !


( 1 ) ترتيب العلوم للمرعشي ص90.
( 2 ) أخرجه البخاري (2856)، ومسلم (30).
( 3 ) أخرجه البخاري (1458)، ومسلم (19).
( 4 ) وهذا مذهب الأشاعرة. انظر: "الإنصاف" للباقلاني ص22.
( 5 ) وهذا مذهب الجويني. انظر: "الإرشاد" ص3.
(5) وهذا مذهب المعتزلة. انظر: "الأصول الخمسة" للقاضي عبد الجبار، وهذا كله مبني على أن الإيمان بالخالق كسبي نظري في أصله، وأهل السنة على أن الإيمان بالخالق في أصله فطري وهبي.
( 6 ) شرح العقيدة الطحاوية (1/21-23).
( 7 ) أخرجه مسلم (917).
( 8 ) أخرجه مسلم (26).
( 9 ) أخرجه أحمد (1187)، والبخاري (5/2019-تعليقًا)، وأبو داود (4402)، والترمذي (1423)، والحاكم (949) من حديث علي رضي الله عنه. قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وحديث علي حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن علي رضي الله عنه...، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم. اهـ.، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اهـ.، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4/35).
( 10 ) العلم أصوله ومصادره ومناهجه. محمد الخرعان ص28، 29.
( 11 ) رواه أحمد (15866)، وابن أبي عاصم (404)، وأورده الهيثمي في المجمع وقال: رجاله رجال الصحيح، وصححه الحافظ في الفتح (3/246) والألباني في صحيح الجامع (881).
( 12 ) صحيح مسلم بشرح النووي (1/149).
( 13 ) رواه مسلم (27) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
( 14 ) رواه البخاري (128)، ومسلم (32) من حديث أنس رضي الله عنه.
( 15 ) تفسير الطبري (10/ 156).
( 16 ) انظر: طريق الهجرتين ص587، 588.
( 17 ) أخرجه مسلم (153).
( 18 ) أخرجه البخاري (1519)، ومسلم (83) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
( 19 ) التنبيهات السنية على شرح الواسطية ص 33.
( 20 ) مجموع الفتاوى (1/136).
( 21 ) تقدم تخريجه.
( 22 ) انظر: تفسير الطبري (20/12)، وتفسير القرطبي (13/232).
( 23 ) مجموع الفتاوى (19/ 93-94).
( 24 ) عزو
( 25 ) إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص13.
( 26 ) لوامع الأنوار (1/105).
( 27 ) شرح الطحاوية (1/231).
( 28 ) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/433).
( 29 ) أخرجه البخاري (1385)، ومسلم (2658) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
( 30 ) مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية (2/347، 348).
( 31 ) زاد المعاد لابن القيم (3/680).
( 32 ) إعلام الموقعين بتصرف (4/148-150).
( 33 ) طبع بتحقيق أ.د. محمد محمود فرغلي.
( 34 ) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان. الشيخ السعدي ص73.
( 35 ) أخرجه مسلم (2999) من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه.
( 36 ) القائل هو الفضيل بن عياض. انظر: الجواب الكافي ص168.
( 37 ) القائل هو ابن تيمية. انظر: الوابل الصيب ص69.
( 38 ) تقدم تخريجه.
( 39 ) بدائع الفوائد، ابن القيم (3/705).
( 40 ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول‌:‌ أتنكر من هذا شيئًا‌?‌ أظلمك كتبتي الحافظون‌?‌ فيقول‌:‌ لا يا رب، فيقول‌:‌ أفلك عذر‌?‌ فيقول‌:‌ لا يا رب، فيقول:‌ بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول‌:‌ احضر وزنك فيقول ‌:‌ يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات‌?‌ فيقال‌:‌ فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات و ثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء ‌".‌ صححه الألباني في صحيح الجامع‌ (1776).‌
( 41 ) منهاج السنة النبوية (6/218-220) بتصرف يسير.
( 42 ) أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
( 43 ) عزو.
( 44 ) أخرجه البخاري (4204)، ومسلم (111) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
( 45 ) رواه الترمذي (3540) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. اهـ.، وأخرج مسلم نحوه (2687) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
( 46 ) رواه الترمذي (3037)، وانظر: تفسير القرطبي (5/246)، وتفسير ابن كثير (1/556)
( 47 ) تقدم تخريجه.
( 48 ) إغاثة اللهفان لابن القيم (1/68).
( 49 ) أخرجه ابن ماجه (241) من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه. وقد صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (1/46).
( 50 ) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1/149).
( 51 ) الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص6.
( 52 ) مجموع الفتاوى (4/53).
( 53 ) شرح الكوكب المنير (1/33).


الفصل الرابع

خصائص العقيدة
عند أهل السنة والجماعة

 

أولاً: الربانية:
فأهل السنة لا يقبسون عقيدتهم إلا من مشكاة النبوة، قرآنًا وسنة، لا عقل ولا ذوق ولا كشف...؛ بل هذه إن صحت كانت معضدة لحجة السمع.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "قال الخطابي: وكان الذي أنزل عليه -أي النبي صلى الله عليه وسلم- من الوحي وأمر بتبليغه هو كمال الدين وتمامه، لقوله تعالى:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}{المائدة: من الآية3}، فلم يترك شيئًا من أمور الدين؛ قواعده وأصوله، وشرائعه وفصوله، إلا بيّنه وبلّغه، على كماله وتمامه، ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه؛ إذ لا خلاف بين فرَق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال، ومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدًا في كل وقت وزمان، ولو أخّر عنه البيان لكان التكليف واقعًا بما لا سبيل للناس إليه، وذلك فاسد غير جائز"[1].
قال ابن القيم: "فعرَّف - أي النبي صلى الله عليه وسلم- الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها، كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله، ولا إلى من بعده؛ بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} {العنكبوت:51} ، وقال أبو ذر رضي الله عنه: "لقد توفي رسول الله، وما طائر يقلّب جناحيه في السماء إلا وهو يذكرنا منه علمًا"[2]."[3].
يقول ابن عبد البر رحمه الله: "ليس في الاعتقاد كله، في صفات الله وأسمائه، إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يُسلَّم له ولا يناظر فيه"[4].
فالوحي هو الأصل المعتمد في تقرير مسائل الاعتقاد، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "ولا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل يجعلون ما بُعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه"[5].
والوحي هو المرد عند النـزاع، قال تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} {النساء:59} ، قال ابن تيمية رحمه الله: "ما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات، والقدر، والوعيد، والأسماء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله، ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف: فما كان من معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان فيها مخالفًا للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، فإن اتباع الظن جهل، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم"[6].


ثانيًا: التوقيفية:
المراد بالتوقيفية شرعًا عند الإطلاق أمران:
الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوقف أمته على حقائق العقيدة الإسلامية بحيث لم يترك من تفاصيلها شيئًا إلا بيَّنه، وهذا المعنى من ضرورات إكمال الدين الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً }{المائدة: من الآية3}؛ إذ العقيدة هي أهم ما في الدين.
الثاني: حبس اللسان عن الكلام في العقائد الإسلامية إلا بدليل هاد من الكتاب والسنة. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} {الحجرات:1} . قال ابن عباس: " أي لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة"[7]، وقال مجاهد: "لا تفتئتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضيه الله على لسانه"[8].
"فلابد من الالتزام بالكتاب والسنة ومعقولهما لفظًا ومعنى، فلا يستعمل في التعبير عن العقيدة إلا الألفاظ التي جاءت في الكتاب والسنة، ويجب أن تستعمل هذه الألفاظ فيما سيقت فيه من المعاني المرادة بها في الكتاب والسنة، فهو توقيف في مصادر العقيدة، وفي ألفاظها وأساليب التعبير عنها"[9].
وقد انطلق أهل السنة في موقفهم هذا من كون الله تعالى حرَّم القول عليه سبحانه بغير الحق، وبغير علم، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وقد حرَّم سبحانه الكلام بلا علم مطلقًا، وخصَّ القول عليه بلا علم بالنهي، فقال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} {الاسراء:36} ، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} {لأعراف:33} "[10]، فإن من قال غير الحق، فقد قال على الله ما لا يعلم"[11].
"فالذين يزعمون أنهم يستمدون شيئًا من الدين عن طريق العقل والنظر، أو علم الكلام والفلسفة، أو الإلهام والكشف والوجد، أو الرؤى والأحلام، أو عن طريق أشخاص يزعمون لهم العصمة غير الأنبياء، أو الإحاطة بعلم الغيب من أئمة أو رؤساء أو أولياء أو أقطاب أو أغواث… أو نحوهم، أو يزعمون أنه يسعهم العمل بأنظمة البشر وقوانينهم؛ من زعم ذلك فقد افترى على الله أعظم الفرية"[12].
موجَبات التوقيفية:
أولاً: التسليم لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم، من غير تعرض لنصوص الوحيين بتحريف أو تأويل أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل، فإن بدا ما ظاهره التعارض بين العقل والنقل فمرده إلى الوهم في قطعية أحدهما ثبوتًا أو دلالة.
ثانيًا: الاعتماد على الكتاب والسنة في تلقيهما بفهم الصحابة
y، فما أجمعوا عليه فهو الحق ولابد، وما اختلفوا فيه فإن الحق لا يجاوز أقوالهم.
ثالثًا: اعتماد ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد وأصول الدين، والتعبير بها عن المعاني الشرعية، وفق لغة القرآن وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم.
رابعًا: سد باب الابتداع والإحداث في الدين، ورد جميع ما خالف سنة سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، فمستند المشروعية -أبدًا- هو موافقة الشريعة المطهرة.
خامسًا: اعتماد مرجعية كتب أهل السنة والجماعة في العقيدة والتوحيد، والتعويل على إجماعهم في هذا الباب، والتلقي عن أشياخهم والأثبات من علمائهم، وتصفية في مصادر التلقي من كل نفَس كلامي مردود، أو شوب فلسفي مذموم، أو دَخَل مسلكي مبتَدَع.
وأخيرًا فإن هذه الخاصية لها أثرها العظيم في عصمة أهل السنة من الخطأ والزلل والانحراف والاضطراب في فهم العقيدة؛ وذلك لأنها ترجع إلى مصدر موثوق تكفَّل الله تعالى بحفظه وهو الوحي، كما أنها ضمانة لتوحيد كلمة الأمة على منهج واحد، عندما تلتقي على هذا الوحي الإلهي بما فيه من موازين لا تضطرب ولا تتأثر بالهوى والدوافع الذاتية.
ثالثًا: الغيبية:
والغيبية نسبة إلى الغيب، فالغيب هو ما غاب عن الحس بحيث لا يُرى، ولا يُشَم، ولا يُلمَس، ولا يُذاق، ولا يُسمَع؛ إذ الحواس الخمس هي نوافذ العقل وطرقه في الحصول على المعلومات، قال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} {المؤمنون:78} ؛ ولذلك فإن ما غاب عن هذه الحواس لا يمكن إدراكه إلا عن طريق قياسه على المشاهد المحسوس أو بالنقل والخبر الصادق.
والغيب شرعًا يأتي لمعان، قال القرطبي -في تفسير قوله تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} {البقرة:3} -: "اختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية: الله سبحانه، وضعّفه ابن العربي، وقال آخرون: القضاء والقدر، وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب، وقال آخرون: الغيب: كل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر، والنشر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض؛ بل يقع الغيب على جميعها، وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل
u، حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: فأخبرني عن الإيمان، قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: صدقت... وذكر الحديث"[13].
ولما كان الإيمان بالغيب واحدًا من الركائز الكبرى والأصول العظمى في هذه العقيدة، حيث إن كثيرًا من أصولها وأركانها يقع في نطاق الغيب، كان من المناسب أن يبتدئ الباري
I كتابه العزيز بذكر هذه الركيزة كخاصية من خواص المؤمنين اللازمة، وصفة من صفاتهم البارزة، قال تعالى:{الم – 1- ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ – 2 - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}{البقرة:1-3}.
والإيمان بالغيب هو أفضل الإيمان، فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا ثَمَّ عبد الله ابن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به، فقال عبد الله: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بيّنًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: {الم – 1- ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ – 2 - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}{البقرة:1-3}[14].
وكما أن الإيمان بالغيب يقوم على أساس متين من الشرع، فهو يقوم كذلك على أساس متين من الفطرة والعقل، فالإيمان بالغيب نزعة فطرية عند الإنسان؛ تميزه عن سائر الحيوانات التي تشترك معه في إدراك المحسوسات.
كما أن الأمور الغيبية التي قامت عليها العقيدة غير متناقضة مع العقل، فلا يمانعها ولا يدافعها في أي مرحلة من مراحل الارتقاء العقلي والعلمي.
وإذا كان الإيمان بالغيب من خصائص المؤمنين بصفة عامة، فإن أهل السنة تميزوا -في هذا الباب- بقبول كل ما ورد على لسان الرسل الكرام من أمور الغيب إيمانًا وتصديقًا وإيقانًا، وتجنب الشبهات والشكوك الناشئة عن إقحام العقول في مجال غير مجالها، يقول ابن القيم رحمه الله: "الثاني: قبول ما غاب من الحق، وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحق سبحانه على لسان رسله، من أمور المعاد وتفصيله، والجنة والنار، وما قبل ذلك من الصراط والميزان والحساب، وما قبل ذلك من تشقق السماء وانفطارها، وانتثار الكواكب، ونسف الجبال، وطي العالم، وما قبل ذلك من أمور البرزخ ونعيمه وعذابه، فقبول هذا كله إيمانًا وتصديقًا وإيقانًا هو اليقين، بحيث لا يخالج القلب فيه شبهة ولا شك ولا تناس ولا غفلة عنه، فإنه إن لم يهلك يقينه أفسده وأضعفه"[15].
رابعًا: الشمولية:
الشمولية هي الموسوعية في المعنى والتطبيق، والمراد بالموسوعية في المعنى: شمولها للتصور الكامل للقضايا الكبرى التي ضل في تصورها كثير من الناس، والمراد بالموسوعية في التطبيق: شمولية آثار هذه العقيدة لحياة المسلم من جهاتها المختلفة، بحيث تكون هذه العناصر تكمل بعضها بعضًا في تحقيق مفهوم كامل لعقيدة الإسلام؛ ولذلك فإن العقيدة الإسلامية عقيدة شاملة فيما تقوم عليه من أركان الإيمان وقواعده وما يتفرع عن ذلك، وشاملة في نظرتها للوجود كله، تعرِّفنا على الله والكون والحياة والإنسان معرفة صحيحة شاملة.
ولهذه الشمولية عدة عناصر وصور، أهمها: أن أركان الإيمان كلها مترابطة ارتباطًا وثيقًا، يكمل كل منها الآخر، وقد جاءت النصوص القرآنية لتؤكد على الارتباط بين الإيمان بالله والإيمان بالملائكة، وتقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر، وتجعل الإيمان بالرسل أمرًا لا يتجزأ، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعًا؛ بل كفر بالله تعالى؛ لأنهم جميعًا جاؤوا برسالة واحدة من عند الله
I.
وشمولية العقيدة ظـاهرة جلية عند أهل السنة بشكل خاص، وهي تعني عندهم عدم الاقتصار على طلب علمها وممارسـة أعمالها والتحقق بمقتضـياتها في باب دون باب، وفي أصل دون أصل، إذ ليس شيء من العقيدة مهجـورًا، والجمع بين علمها ومقتضياتها وآثارها في القلب والجوارح، هو تحقيق العبودية، ولهذه الشمولية مظاهر وصور متعددة:
فمن ذلك: الاعتناء بنوعي التوحيد: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والقصد، وعدم إغفال عرض أحدهما لحساب الآخر، مع الاهتمام بتوحيد الأسماء والصفات بجانبيه النظري والعملي، والتوجيه إلى ضرورة أن يكون السلوك المستقيم الناشئ عن تدبر مدلولات الأسماء والصفات مترابطًا ومتكاملاً مع البناء العلمي والفكري الصحيح في هذا الباب.
ومن ذلك: الاهتمام ببيان الكفر وشعبه بيانًا شافيًا، كالاهتمام ببيان الإيمان وشعبه سواءً بسواء.
ومن ذلك: سد الطرق الموصلة إلى الشرك كافة، سواء كان شرك القبور والأضرحة، أو شرك العلمانية والتشريع.
ومن ذلك: الاعتناء بعقيدة الولاء والبراء، والتوجيه إلى تحقيق الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وتحقيق البراء من كل ما يخالف هذه العقيدة، وكل من يخالفها، وكل بحسبه.
ومن ذلك: العناية بتأصيل منهج وعقيدة أهل السنة والجماعة بقواعده وضوابطه، مع الاهتمام -في ذات الوقت- بمواجهة الانحرافات العقدية المعاصرة -وإن لم يتعرض لها السلف لعدم ظهورها في زمانهم-، وعدم التوقف عند انحرافات أو خلافات كان لها الظهور والانتشار في زمن مضى، ثم اختفت واندثرت.
خامسًا: التوازن والوسطية:
إن التوازن بين الأمور المتقابلة والتوسط بين الأطراف المتباعدة من أظهر خصائص العقيدة عند أهل السنة والجماعة، "والصور التي تأتي شاهدًا على هذا التوازن تعزُّ على الحصر، فإن كل ما في العقيدة الإسلامية ناطق بهذا التوازن الدقيق... ومن ذلك:
التوازن بين ما يتلقاه الإنسان عن طريق الوحي وبين ما يتلقاه عن طريق وسائل الإدراك البشري، والتوازن بين طلاقة المشيئة وثبات السنن الكونية، والتوازن بين المشيئة الإلهية الطليقة ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة، والتوازن في مصادر المعرفة بين الوحي والعقل.. وبين الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب..، وبين القيم المادية والقيم المعنوية"[16].
وباستقراء مواقف الفرق من أبواب العقيدة المختلفة تظهر الطرفية الشديدة لدى أهل الأهواء والبدع؛ ولذلك فأهل السنة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والجفاء، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم: فهم وسط في باب صفات الله
I بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج"[17]، وقال: "وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان"[18].
ولا تجد فرقة من الفرق إلا وقد خالفت أهل السنة والجماعة في هذا الأصل العظيم، فإما أن تغلو في جانب، أو تُفَرِّط في جانب، وهذا الخلل في التوازن مطَّرد عند جميع أهل البدع في أبواب الاعتقاد، قلَّ ذلك أو كثر، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه"[19].


! ! !
 


[1] درء تعارض العقل والنقل 7/295، 296.
[2] رواه الطبراني في المعجم الكبير 1647.
[3] جلاء الأفهام لابن القيم ص179-181.
[4] جامع بيان العلم وفضله 2/118،117.
[5] مجموع الفتاوى 3/347.
[6] مجموع الفتاوى 3/347.
[7] انظر: روح المعاني للألوسي 26/131، وتفسير ابن كثير 4/206.
[8] انظر: تفسير البغوي 4/208.
[9] المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية د. إبراهيم البريكان. ص62، 63.
[10] مجموع الفتاوى 16/97.
[11] المصدر السابق 12/465،464.
[12] بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة. د. ناصر العقل ص33.
[13] تفسير القرطبي 1/163.
[14] رواه الحاكم 3033 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اهـ.
[15] مدارج السالكين 2/402.
[16] مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية عثمان ضميرية. ص393،392.
[17] مجموع الفتاوى 3/141، وانظر أيضًا نفس المصدر 3/373-375.
[18] المصدر السابق 3/375.
[19] المصدر السابق 3/381.


الفصل الخامس
قواعد وضوابط الاستدلال على مسائل الاعتقاد

مقدمة
لم يفرد السلف الأوائل مؤلفات خاصة في قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد؛ بل اكتفوا بما ورد في ثنايا كتب العقائد من تقعيدات وتأصيل، ومناظرات ورد للشبه والأباطيل، ويظهر ذلك بوضوح في مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى، كما يظهر في كتب أهل السنة والجماعة المتقدمين عامة، إلا أن الدراسات المعاصرة عنيت بتحرير تلك القواعد، وبيان الضوابط، والكشف عن مناهج السلف والأئمة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، وفي الرد على أهل البدع والإلحاد.
وفيما يلي تنبيه على أهم تلك القواعد والضوابط المنهجية في تقرير مسائل الاعتقاد، كما أشارت إليها كتب المتقدمين، وجمعتها ورتبتها كتب المتأخرين:
أولاً: الإيمان والتسليم والتعظيم لنصوص الوحيين:
لقد تقدم أن أدلة مسائل التوحيد من أقوى الأدلة ثبوتًا وأصرحها دلالة، وعامة مسائل الاعتقاد -لأجل هذا- متفق عليها بين سلف الأمة، والله تعالى أمر بالدخول في شرائع الإيمان كافة، ونهى عن الإيمان ببعض والتكذيب ببعض، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} {البقرة:208} وأمر المؤمنين أن يقولوا:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} {آل عمران:7} ، وفي الحديث: "إن القرآن لم ينـزل يكذب بعضه بعضًا؛ بل يصدِّق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه"[1].

"فينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله، فجميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس"[2]، فكل ما أمر به الشارع أو نهى عنه، أو دلَّ عليه وأخبر به، فحقه، التصديق والتسليم مع الإجلال والتعظيم، وما كان متعلقًا بعمل فحقه الامتثال بلا تردد، والاتباع بلا هوى، قال تعالى:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} {الأحزاب:37} .
والسنة صنو الكتاب في وجوب التسليم والتعظيم، قال رجل للزهري: يا أبا بكر، حديث رسول الله
e: "ليس منا من لطم الخدود"[3]، و"ليس منا من لم يوقر كبيرنا"[4] وما أشبه من الحديث ما معناه؟ فأطرق الزهري ساعة، ثم رفع رأسه فقال: "من الله عز وجل العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"[5]، ومثل هذا قول الإمام مالك رحمه الله حين سئل عن الاستواء، فقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة..."[6].

"والإنسان إذا علم أن الله تعالى أصدق قيلاً، وأحسن حديثًا، وأن رسوله هو رسول الله بالنقل والعقل والبراهين اليقينية، ثم وجد في عقله ما ينازعه في خبر الرسول، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النـزاع إلى من هو أعلم به منه، فإن العامّي يصدق لأهل الاختصاص ما يقولونه دون اعتراض، وإن لم يتضح له وجهه، وإذا اتضح ازداد نورًا على نور.. فكيف حال الناس مع الرسل وهم الصادقون المصدَّقون؟!"[7].

قال الإمام الطحاوي رحمه الله: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا، شاكًّا زائغًا، لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذِّبًا"[8].

وبضدها تتميز الأشياء، فأين هذا المنهج السديد، والتقعيد الرشيد، الذي سار عليه أهل السنة، من مثل قول عمرو بن عبيد -إمام المعتزلة-: "لو كانت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} {المسد:1} في اللوح المحفوظ، لم يكن لله على العباد حجة!"[9].

أو قوله في حديث الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة.. الحديث"[10]، قال -قبح الله قوله-: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدَّقته، ولو سمعت ابن مسعود يقول هذا لما قبلته، ولو سمعت رسول الله
e يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا"[11].

ثانيًا: جمع النصوص في الباب الواحد ورد المتشابه إلى المحكم:
إن معقد السلامة من الانحراف عند بيان قضية عقدية وتفصيل أحكامها هو جمع ما ورد بشأنها من نصوص الكتاب والسنة على درجة الاستقصاء، مع تحرير دلالات كلٍّ، وتصحيح النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، واعتماد فهم الصحابة والثقات من علماء السلف الصالح رضي الله عنهم، فإن بدا ما ظاهره التعارض بين نصوص الوحيين عند المجتهد -لا في الواقع ونفس الأمر-، فينبغي الجمع بين هذه الأدلة برد ما غمض منها واشتبه إلى ما ظهر منها واتضح، وتقييد مطلقها بمقيدها، وتخصيص عامها بخاصها، فإن كان التعارض في الواقع ونفس الأمر فبنسخ منسوخها بناسخها -وذلك في الأحكام دون الأخبار فلا يدخلها نسخ-، وإن لم يكن إلى علم ذلك من سبيل، فبرده إلى عالمه
I، الذي يقول:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} {آل عمران:7}.

وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زاجرًا وآمرًا، وحلالاً وحرامًا، ومحكمًا ومتشابهًا، وأمثالاً، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا"[12].
وقال الربيع بن خثيم رحمه الله: "يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه، لا تتكلف فإن الله يقول لنبيه:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} {صّ:86} [13].
وإذا اتضح هذا، فإنه لا يجوز أن يؤخذ نص وأن يطرح نظيره في نفس الباب، أو أن تعمل مجموعة من النصوص وتهمل الأخرى؛ لأن هذا مظنة الضلال في الفهم، والغلط في التأويل، قال الإمام أحمد رحمه الله: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا"[14].
وقال الشاطبي رحمه الله: "ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها.."[15].

وقد كانت لأهل البدع مواقف خالفوا بها إجماع أهل السنة بسبب مخالفتهم لهذا الأصل العظيم، فكانوا يجتزئون من النصوص بطرف، مع إغضاء الطرف عن بقية الأطراف، فصارت كل فرقة منهم من الدين بطرف، وبقي أهل السنة في كل قضية عقدية وسطًا بين طرفين، والقاعدة الهادية عند اشتباه الأدلة: "أن من رد ما اشتبه إلى الواضح منها، وحكَّم محكمها على متشابهها عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس"[16].
واتفق أهل السنة والجماعة على "رد المتشابه إلى المحكم، والأخذ من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره"[17]، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - 41- لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ -42} {فصلت:41، 42}، وقد حكى الباقلاني الإجماع على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقًا، كما روى الخطيب البغدادي عنه ذلك[18].

ولما خالف أهل البدع هذه القاعدة كفَّر بعضهم بعضًا، حيث آمن بعضهم بنصوص وكفروا بأخرى، فقد آمن -مثلاً- الوعيدية بنصوص الوعيد، وكفروا بنصوص الوعد، وقابلهم المرجئة آمنوا بنصوص الوعد وكفروا بنصوص الوعيد، وأهل السنة والجماعة آمنوا بكل وجمعوا بين النصوص، واعتمدوا على قول الله تعالى:{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ} {لأعراف:156}.
"وقد استعمل هذه القاعدة كثير من أئمة العلم والدين في كسر المبتدعة وتفنيد شبهاتهم، كصنيع الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة، وفي كتاب مختلف الحديث، وكذلك الإمام أحمد رحمه الله في الرد على الجهمية، والإمام ابن قتيبة رحمه الله في كتاب مختلف الحديث، والطحاوي رحمه الله في مشكل الآثار، وغير هؤلاء كثير من أئمة السنة"[19].
ثالثًا: اشتمال الوحي على مسائل التوحيد بأدلتها:
إن المصدر الذي تؤخذ منه مسائل أصول الدين هو الوحي، سواء عن طريق كتاب الله عز وجل أو من كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم، أو ما يرجع إليهما من إجماع صحيح، أو عقل صريح دل عليه النقل وأرشد إليه، قال تعالى:{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} {النحل:89} ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "..وأيم الله، لقد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواء"، قال أبو الدرداء: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، تركنا والله على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء"[20]، وفي رواية أخرى: "لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"[21].

وفي صحيح مسلم لما قيل لسلمان الفارسي رضي الله عنه: "قد علَّمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة! فقال: أجل.."[22]، ودخول مسائل التوحيد وقضاياه في هذا العموم من باب الأولى؛ بل "من المحال أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب"[23].

والرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن مسائل التوحيد تارة بأدلتها النقلية مباشرة كأحوال البرزخ، ومسائل اليوم الآخر، وتارة يجمع إلى الأدلة النقلية الأدلة العقلية ويرشد إليها، فإما أن تكون أدلة مسائل علم التوحيد أدلة نقلية، أو أدلة نقلية عقلية.

وبهذا الأصل المبارك اعتصم أهل السنة والجماعة، "ولم ينصبوا مقالة ويجعلوها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول؛ بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة، هو الأصل يعتقدونه ويعتمدونه"[24]، وردوا عند التنازع في مسألة ما إلى نصوص الوحي، امتثالاً لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} {النساء:59}، ومعنى الرد إلى الله سبحانه: الرد إلى كتابه، ومعنى الرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: الرد إلى سنته بعد وفاته، وهذا مما لا خلاف فيه بين جميع المسلمين"[25].

وفي إعمال هذه القاعدة نظر إلى الوحي بعين الكمال، واستغناء به عن غيره، واعتماد عليه، وتجنب اللوازم الباطلة لمذهب من يعوِّل على العقل أو الذوق دون الشرع، وتحقيق للإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، ونجاة من مسالك أهل الأهواء الذين يتقدمون بين يدي الله ورسوله بعلومهم وعقولهم وأذواقهم، وحسم لمادة التقليد الباطلة، مع تحقيق الاجتماع والألفة ونبذ الاختلاف والفرقة.

رابعًا: حجية فهم السلف الصالح لنصوص الوحي:
إذا اختلف أهل القبلة وتنازعوا الحق فإن أجدر الفرق بالصواب وأقربها إلى التوفيق من كان في جانب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الكتاب الكريم حمال أوجه مختلفة في الفهم، فإن بيان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم له حجة وأمارة على الفهم الصحيح؛ فهم أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأصحها فطرة، وأحسنها سريرة، وأصرحها برهانًا، حضروا التنـزيل وعلموا أسبابه، وفهموا مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم وأدركوا مراده، اختارهم الله تعالى -على علم- على العالمين سوى الأنبياء والمرسلين، "فكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة رضي الله عنهم"[26].

قال ابن حزم رحمه الله: "فمن أخبرنا الله عز وجل أنه علم ما في قلوبهم، فرضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم، أو الشك فيهم البتة"[27]، وقال قتادة رحمه الله -في قوله تعالى:{وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} {سـبأ:6} -: "أصحاب محمد
e"[28]، وقال سفيان رحمه الله -في قوله تعالى:{يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} {النحل:59} -: "هم أصحاب محمد e"[29]، وقال عنهم الشافعي رحمه الله: "..فعلموا ما أراد رسول الله e عامًّا وخاصًّا، وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا"[30].

وأفضل علم السلف ما كانوا مقتدين فيه بالصحابة، يقول ابن تيمية رحمه الله: "ولا تجد إمامًا في العلم والدين، كمالك، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل... وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب"[31].

ثم إن التابعين وتابعيهم قد حصل لهم من العلم بمراد الله ورسوله ما هو أقرب إلى منـزلة الصحابة ممن هم دونهم؛ وذلك لملازمتهم لهم، واشتغالهم بالقرآن حفظًا وتفسيرًا، وبالحديث رواية ودراية، ورحلاتهم في طلب الصحابة وطلب حديثهم وعلومهم مشهورة معروفة.

والمسلمون في شأن العقيدة يحتاجون إلى "معرفة ما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نـزل، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ، فإن الرسول لما خاطبهم بالكتاب والسنة، عرَّفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه، فإن المعاني العامة التي يحتاج إليها عموم المسلمين، مثل معنى التوحيد، ومعنى الواحد والأحد والإيمان والإسلام، ونحو ذلك... فلابد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك، فإن معرفته أصل الدين"[32].

وفي تحديد مفهوم السلف، قال سبحانه:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} {التوبة:100} ، وفي الصحيح: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.."[33]، وهذه الخيرية خيرية علم وإيمان وعمل، إذ إن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، ولقد حكى ابن تيمية رحمه الله الإجماع على خيرية القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.. وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة[34].

ولقد اعتصم أهل السنة والجماعة بحجية فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين فعصمهم هذا من التفرق والضلال، فقالوا بما قال به السلف، وسكتوا عما سكتوا عنه، ووسعهم ما وسع السلف.

أما أهل الضلال والابتداع، فمذهبهم الطعن في الصحابة وتنكب طريق السلف، قال الإمام أحمد رحمه الله: "إذا رأيت الرجل يذكر أحدًا من الصحابة بسوء، فاتهمه على الإسلام"[35].

فالصحابة يكفرهم الرافضة تارة، والخوارج أخرى، والمعتزلة يقول قائلهم -عمرو ابن عبيد-: "لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان، على شراك نعل ما أجزت شهادتهم!"[36]، وصدق أبو حاتم الرازي رحمه الله حين قال: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر"[37].

خامسًا: الإيمان بالنصوص على ظاهرها ودرء التأويل:
ويقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النص عند متأخري الأصوليين، والظاهر عندهم ما احتمل معنى راجحًا وآخر مرجوحًا، والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، "فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين"[38]، فالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم.

ومراد المتكلم يُعلم إما باستعماله اللفظ الذي يدل بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة، أو بأن يصرِّح بإرادة المعنى المطلوب بيانه، أو أن يحتف بكلامه من القرائن التي تدل على مراده، وعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر -من غير دليل يوجبه أو يبين مراد المتكلم- تحكم غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، وهذا وإن سماه المتأخرون تأويلاً إلا أنه أقرب إلى التحريف منه التأويل، ولا يسلم لهذا المتأول تأويله حتى يجيب على أمور أربعة:

أحدها: أن يبين احتمال اللفظ لذلك المعنى الذي أورده من جهة اللغة.

الثاني: أن يبيِّن وجه تعيينه لهذا المعنى أنه المراد.

الثالث: أن يقيم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره؛ لأن الأصل عدمه.

الرابع: أن يبيِّن سلامة الدليل الصارف عن المعارض، فالدليل إما قطعي، وإما ظاهر، فإن كان قطعيًّا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلابد من الترجيح[39].

ومما يدل على إعمال الظواهر أنه لا يتم بلاغ ولا يكمل إنذار، ولا تقوم الحجة ولا تنقطع المعذرة بكلام لا تفيد ألفاظه اليقين، ولا تدل على مراد المتكلم بها؛ بل على خلاف ذلك، فينتفي عن القرآن -والعياذ بالله- معنى الهداية، وشفاء الصدور، والرحمة، التي وصف الله تعالى بها كتابه الكريم، ومعاني الرأفة والرحمة والحرص على رفع العنت والمشقة عن الأمة، التي وصف الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز، وهو الذي ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا التباس في أمره ونهيه، ولا إلغاز في إرشاده وخبره، باطنه وظاهره سواء،كيف لا، وهو القائل: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم.." [40].

ودلالته صلى الله عليه وسلم للأمة في شأن اعتقادها أهم أعماله، وأولاها بالإيضاح والإفهام بلسان عربي مبين، والجزم واقع بأن الصحابة رضي الله عنهم فهموها على وجهها الذي يفهمه العربي، بغير تكلف ولا تمحل في صرف ظواهرها، ومن كان باللسان العربي أعرف ففهمه لنصوص الوحي أرسخ، وقد قال عمر رضي الله عنه: "يا أيها الناس، عليكم بديوان شعركم في الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم"[41].

ومما يشهد للصحابة في فهمهم مراد الله ومراد نبيه صلى الله عليه وسلم، قول ابن مسعود رضي الله عنه: "والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه"[42]، وقال مسروق رحمه الله: "كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار"[43]، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "نعم ترجمان القرآن ابن عباس"[44]، وقال مجاهد رحمه الله: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها"[45].

قال ابن تيمية رحمه الله: "إن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يُعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يُعلم معناها، ولا يفهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه"[46]، بل كان قول أهل العلم: من الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.

قال الذهبي: "قال سفيان الثوري وغيره: قراءتها -أي آيات الصفات- تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضايق التأويل والتحريف"[47].

وفي إنكار التأويل الكلامي ومناهج الفلاسفة ومن تأثر بهم من المتكلمين، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل -ولو كان مستكرهًا- ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم، وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف"[48].

ويقول ابن القيم رحمه الله مبينًا خطورة التأويل "فأصل خراب الدين والدنيا، إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه، ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل، وليس هذا مختصًا بدين الإسلام فقط؛ بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد"[49].

"وهذه القاعدة تفيد بطلان مذهب المفوضة في الصفات، الذين يفوضون معاني النصوص إلى الله، مدعين أن هذا هو مذهب السلف، وقد علم براءة مذهب السلف من هذا المذهب بتواتر الأخبار عنهم بإثبات معاني هذه النصوص على الإجمال والتفصيل، وإنما فوضوا العلم بكيفيتها لا العلم بمعانيها"[50].

سادسًا: درء التعارض بين العقل والنقل
مما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة، لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة، ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالاً وتفصيلاً، فأما الإجمال، فمن جهة شهادة العقل بصحة النبوة وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة، وأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقًا وتعضيدًا، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.

فإن وجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح أو يكون صحيحًا ليس فيه دلالة صحيحة على المدعي، وإما أن يكون العقل فاسدًا بفساد مقدماته، فمن احتج مثلاً- في إنكار الصفات الإلهية بأن لازم ذلك إثبات آلهة مع الله، قد احتج بعقل غير صحيح؛ بل لا يجوز تسمية ذلك عقلاً أصلاً، إذ لا يجوز في العقل وجود موجود مجرد عن الصفات؛ بل هو من أعظم الممتنعات العقلية، لأنه يستلزم رفع النقيضين، حيث يقال: هو موجود ولا موجود، ولا يقال هذا في حق المخلوق، فلا يستلزم إثبات المخلوق متصفًا بصفات السمع والبصر والكلام والحياة أن يتعدد المخلوق، بحيث تكون كل صفة منها إنسانًا قائمًا بنفسه، وهذا معلوم البطلان في حق المخلوق، وبطلانه في حق الخالق أظهر وأولي فهذا عقل فاسد لا يقاوم النقل الصحيح الصريح من آيات الصفات وأحاديثها.

وقد يكون النقل مكذوبًا والعقل صحيحًا، كما في حديث يروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "قيل يا رسول الله مم ربنا؟ قال: من ماء مرور، لا من أرض، ولا من سماء، خلق خيلاً فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق..."[51]، ففي هذا الكذب وأمثاله لا يقال إنه يعارض دليل العقل، فلا يصلح أن يكون دليلاً فضلاً عن أن ينسب إلى الشرع ليعارض به العقل، علاوة على أن الأدلة الشرعية تنقضه وتبطله.

وقد يكون النقل صحيحًا، إلا أنه لا يدل على المعنى المدعى، فيتوهم التعارض بين المنقول والمعقول، كما في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني،.. الحديث"[52]، فمن فهم من الحديث أن الله
I يمرض أو يجوع ويعطش لم يفهم معنى الحديث لأن الحديث فسره المتكلم به، وبين المراد منه، وهو أن العبد هو الذي جاع وعطش ومرض، وأن الله تعالى منـزه عن ذلك.

"والمقصود هو بيان أنه إذا ظهر تعارض بين الدليلين النقلي والعقلي، فلابد من أحد ثلاثة احتمالات:

الأول: أن يكون أحد الدليلين قطعيًّا والآخر ظنيًّا، فيجب تقديم القطعي نقليًّا كان أم عقليًّا، وإن كانا ظنيين فالواجب تقديم الراجح، عقليًّا كان أم نقليًّا.

الثاني: أن يكون أحد الدليلين فاسدًا، فالواجب تقديم الدليل الصحيح على الفاسد سواء أكان نقليًّا أم عقليًّا.

الثالث: أن يكون أحد الدليلين صريحًا والآخر ليس بذاك، فهنا يجب تقديم الدلالة الصريحة على الدلالة الخفية، لكن قد يخفي من وجوه الدلالات عند بعض الناس ما قد يكون بينًا وواضحًا عند البعض الآخر، فلا تعارض في نفس الأمر عندئذٍ.

أما أن يكون الدليلان قطعيين -سندًا ومتنًا- ثم يتعارضان، فهذا لا يكون أبدًا، لا بين نقليين، ولا بين عقليين، ولا بين نقلي وعقلي"[53].

وخلاصة اعتقاد أهل السنة في هذا الباب "أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه"[54]، وقد أعمل الصحابة رضي الله عنهم هذا الأصل، وتلقاه عنهم التابعون، وتواترت عبارات أهل العلم بهذا المعنى.

قال ابن تيمية رحمه الله: "فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم"[55].

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "كل شيء خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد معه أمر ولا نهي غير ما أمر هو به"[56]، وقال الإمام مالك رحمه الله: "أوكلما جاء رجل أجدل من الآخر، رد ما أنزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم"[57].

ومن ثمرات الالتزام بهذه القاعدة، إثبات عصمة الشرع الحكيم إذ ليس فيه ما يخالف العقل الصحيح، وسد باب التأويل والتفويض، واستقامة الحياة على الوجه الأتم الأكمل عند نفي التعارض بين وحي الله تعالى وخلقه، فتنعم البشرية بهدي الله وشرعه وتنتفع بما أنعم على خلقه.
 



[1] أخرجه أحمد في المسند 6663، وابن ماجه 85 من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند 6702: إسناده صحيح. اهـ.، وأصل الحديث في صحيح مسلم 2666.
[2] الإيمان لابن تيمية ص 33 باختصار.
[3] أخرجه البخاري 1294، ومسلم 103 من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[4] أخرجه أحمد 27823، وهناد في الزهد 1321، والبخاري في الأدب المفرد 355، والترمذي 1920، وأبو داود 4943 وقد صححه النووي في الرياض، وحسنه العراقي والسيوطي. انظر: الجامع الصغير 9575.
[5] السنة، للخلال، 3/579، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/111، وانظر: فتح الباري، 13/504.
[6] أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد 3/398، والبيهقي في الاعتقاد 1/116، وأبو نعيم في حلية الأولياء 6/326، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 1/365.
[7] انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية 1/141.
[8] شرح الطحاوية 1/233، 242.
[9] تاريخ بغداد 12/182، وانظر: سير أعلام النبلاء 6/104.
[10] أخرجه البخاري 3208، ومسلم 2643 من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[11] تاريخ بغداد 12/170، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 6/104، 105.
[12] أخرجه ابن حبان 745، والطبراني في المعجم الكبير 9/26، والحاكم في المستدرك 2031، من حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة برقم: 587.
[13] الاعتصام للشاطبي 2/336.
[14] الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي 2/212.
[15] الموافقات للشاطبي 1/245، 246.
[16] تفسير ابن كثير بتصرف يسير 1/345.
[17] إعلام الموقعين لابن القيم 2/294.
[18] انظر: الكفاية للخطيب البغدادي ص433.
[19] منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد 1/348.
[20] أخرجه ابن ماجه 5، وابن أبي عاصم في السنة 49 من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. وقد حسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 688.
[21] أخرجه أحمد 16692، والدارمي 95، وأبو داود 4607، والترمذي 2676، وابن ماجه 44. وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 937.
[22] أخرجه مسلم 262، من حديث رضي الله عنه.
[23] مجموع الفتاوى 5/7، 8.
[24] مجموع الفتاوى 3/ 347.
[25] شرح الصدور بتحريم رفع القبور. الشوكاني ص593.
[26] شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص165.
[27] الفصل في الملل والنحل 4/116.
[28] تفسير الطبري 22/44.
[29] تفسير ابن كثير 3/370.
[30] إعلام الموقعين 1/80 ونسبه إلى الشافعي في الرسالة البغدادية القديمة.
[31] شرح العقيدة الأصفهانية ص165.
[32] مجموع الفتاوى 17/ 353.
[33] صحيح البخاري 2652، ومسلم 2533 من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه..
[34] مجموع الفتاوى 4/157، 158.
[35] الصارم المسلول 3/1058، وانظر: شرح السنة ص35.
[36] الاعتصام للشاطبي 1/119.
[37] شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/179.
[38] مجموع الفتاوى 33/175.
[39] مجموع الفتاوى 6/360-362، والصواعق المرسلة 1/288-290، وبدائع الفوائد لابن القيم 4/1009
[40] أخرجه مسلم 1844 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
[41] الموافقات للشاطبي 2/88.
[42] أخرجه البخاري 5002، ومسلم 2463 من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[43] تفسير الطبري 1/36.
[44] تفسير الطبري 1/40.
[45] تفسير الطبري 1/36.
[46] مجموع الفتاوى 13/ 285.
[47] العلو للذهبي ص251.
[48] فتح الباري، لابن حجر، 13/ 267.
[49] أعلام الموقعين، لابن القيم، 4/ 216.
[50] القواعد المثلى، لابن عثيمين، ص 35.
[51] تنـزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، 1/ 134.
[52] صحيح مسلم، برقم: 2569.
[53] منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد، 1/366.
[54] درء التعارض، 1/231، 232.
[55] مجموع الفتاوى، 13/ 28.
[56] الأم، للشافعي، 2/193.
[57] شرح أصول اعتقاد أهل السنة، 1/ 144.


تأليف الشيخ / وليد بن راشد بن سعيدان

الـمـقــدمــة

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين وعليه أتوكل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .. ثم أما بعد :
فلا زلنا - ولله الحمد والمنة - نبدئ في التوحيد ونعيد ، ونسهب فيه ونختصر ؛ وذلك لأنه الحكمة والغاية التي من أجلها خُلقنا وعليه مدار السعادة في الدارين ولا نجاة للعباد إلا به ، فهو موضوع حياتنا الذي لا ينتهي وموئل عزنا الذي لا ينقضي ، والتنويع في عرضه والتفنن في طرح مسائله من المطالب المهمة ، فإذا أحسست من نفسك الأمارة بالسوء كبرًا عن سماع مسائله أو استصغارًا لها فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم فإنها نزغة من نزغاته ونفخة من كيره العفن - أعاذنا الله وإياك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن - .
وإني والفضل لله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا قد نوعت طرح مسائله ، فنظمته في القصيدة النونية ، وقعدته في القواعد المذاعة ، واستخرجت فوائده في القول الرشيد ، والله المسئول وحده لا شريك له أن ينزل في ذلك البركة تلو البركة ، وأن يجعله نافعًا لي ولعامة المسلمين النفع العاجل والآجل ، وأن يشرح لها الصدور ويفتح فيها الأفهام .
وهاأنذا أشرع في طرح مسائله بطريقة جديدة محببة للنفوس سهلة المأخذ عظيمة الفائدة جميلة العائدة ، وهي طريقة السؤال والجواب ، ولست في هذه الطريقة حائز قصب السبق ، فإنه قد سبقني لها الأكابر الفضلاء الأجلاء أهل المنازل العالية والمراتب السامية ، وإنما قصدي بها التشبه بهم عسى أن أحشر معهم فإن (( من تشبه بقومٍ فهو منهم )) ، رفع الله نزلهم وأجزل لهم الأجر والمثوبة وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، ورحم الله أمواتهم وغفر لهم وجمعنا بهم في الجنة ، وثبت أحياءهم على القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولا حرمنا الله بركة الانتفاع بعلمهم ، وعسى أن لا أفسد عليهم أو أكون بهذه الكتابة متطفلاً عليهم ، فأعوذ بالله عز وجل من زلل البنان واللسان ، وأسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يهديني سواء السبيل وأن يمن علي بالقول الأحسن .
وأسميت هذه الوريقات ( إتحاف أهل الألباب بمعرفة التوحيد والعقيدة في سؤال وجواب ) ، فيا رب أسألك باسمك الأعظم الذي لا يرد من سألك به أن تعين عبيدك الضعيف على إتمامه على أكمل الوجوه وأتم الطرق وأن تنزل فيه البركة تلو البركة وأن تجعله عملاً خالصًا لوجهك الكريم لا أرجو به مدحًا ولا ثناءً من أحد من خلقك ، وأن ترزقه القبول العام وأن تجعله مرجعًا في هذه المسائل ، ويا رب أعوذ بوجهك ذي الجلال والإكرام أن تجعله وبالاً عليَّ ، وارحم ضعفي وعجزي وقلة علمي وفهمي واغفر لي تقصيري وزللي إنك أنت أرحم الراحمين.
وإلى المقصود والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


إتحاف أهل الألباب بمعرفة التوحيد والعقيدة
في سؤال وجواب

المحاضرة الأولى

مصادر التلقي عند أهل السنة وعند غيرهم ( 1 - 3 )

س1: ما الأشياء التي يساق منها المعتقد مع بيان ذلك بالدليل ؟
ج1: هذا سؤال عظيم النفع غزير الفائدة كثير البركة وعليه مدار الشريعة وهو الفيصل بين المسلمين وغيرهم وبين أهل السنة وأهل البدعة ، وجوابه أن يقال : إن أمور الاعتقاد ومسائله لا تساق إلا من كتاب الله جل وعلا وما صح من سنة نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] ، فإنهما المعين الصافي الذي لا شوب فيه ولا كدر ، فأهل السنة والجماعة ، بل المسلمون على وجه العموم لا يأخذون معتقدهم إلا من الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة [ رضي الله عنهم ] ، وليس لهم إلا هذان الأصلان العظيمان ، وفيهما الهداية والكفاية لمن أراد الله هدايته ، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه ، ولمسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) .
وعن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) رواه مسلم .
وعن العرباض بن سارية [ رضي الله عنه ] قال : صلى بنا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ذات يومٍ ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت
منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل : يا رسول الله كأنها موعظة مودعٍ فأوصنا ، فقال : ( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا فإنه من يعش منكم فسيري اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بسندٍ صحيح .
وعن ابن مسعودٍ [ رضي الله عنه ] قال : خط لنا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خطًا ثم قال : ( ( هذا سبيل الله ) ) ، ثم خط خطوطًا عن يمينه وشماله وقال : ( هذه سبل وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه ) وقرأ : ﴿ وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾ رواه أحمد والنسائي بسندٍ حسن وصححه الحاكم .
وعن عبدالله بن عمرو [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به ) وفي سنده ضعف .
وعن أبي موسى [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( إن مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت العشب والكلأ الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) متفق عليه .
وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله وسنتي ).
وعلى ما دلت عليه هذه النقول انعقد إجماع أهل السنة والجماعة ، فقال عبدالله بن مسعود : ( اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ) ، وقال [ رضي الله عنه ] : ( إنا نقتدي ولا نبتدي ونتبع ولا نبتدع ولن نضل ما تمسكنا بالأثر ) .
وقال محمد بن سيرين - رحمه الله تعالى - : ( كانوا - أي السلف - يرون أنهم على الطريق ما كنوا على الأثر ) .
وقال شاذ بن يحيى - رحمه الله تعالى - : ( ليس طريق أقصد إلى الجنة من طريق من سلك الآثار ) .
وقال جمع من الصحابة والسلف - رحمهم الله تعالى - : ( الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة ) .
وقال ابن عمر [ رضي الله عنه ] : ( كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ) .
وقال عبدالله بن الديلمي - رحمه الله تعالى - : ( إن أول ذهاب الدين ترك السنة يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة ) .
والنقول وكلام السلف في ذلك كثير ، وإنما المقصود الإشارة ، فهذه النقول الصحيحة الصريحة تفيدك إفادة قطعية أنه يجب الاعتصام بالكتاب والسنة وأن لا يؤخذ المعتقد إلا منهما ، جعلنا الله وإياك من المتبعين لهما باطنًا وظاهرًا ، والله أعلم .
س2: هل هناك طوائف أخذت معتقدها من غير الكتاب والسنة ؟
ج2: نعم ، بل طوائف كثيرة خالفت منهج الكتاب والسنة، فأهل الكلام المذموم لا يأخذون معتقدهم إلا من عقولهم العفنة المنتنة ، فما وافق عقولهم من النقول أخذوه واعتمدوه وما خالفه ردوه واتهموه ، فتارة يردونه ؛ لأنه خبر آحاد ، وتارة يردون المعنى بالتحريف الذي يسمونه تأويلاً ، فالعقل عندهم مقدم على النقل ، فيثبتون ما أثبتته عقولهم وإن لم يكن عليه دليل ، ويردون ما ترده عقولهم وإن كانت عليه الأدلة المتواترة .
ومثال آخر : الرافضة ، فإنهم اعتمدوا في أخذ معتقداتهم على المرويات والنقول المكذوبة على آل البيت [رضي الله عنه].
ومثال آخر : الصوفية ، فإنهم اعتمدوا في أخذ معتقداتهم على الدجل والخرافة والأحاديث الموضوعة المختلقة والأحلام والمنامات التي لا خطام لها ولا زمام ، وما يدعونه من المكاشفات وخوارق العادات التي هي في حقيقتها أحوال شطانية وخرافات إبليسية ضلل بها جبلاً كثيرًا ؛ لأنهم لا يعقلون ولا من الكتاب والسنة يصدرون .
والأمثلة كثيرة ، وإذا أردت أن تعرف حقيقة ذلك فاسمع إلى قوله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( وستفترق أمتي علا ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ... ) الحديث ، فهذا الكم الهائل من الفرق كلها ضلت في أمور العقيدة ؛ لأنها لم تعتمد في أخذها على كتاب ربها وسنة نبيها [ صلى الله عليه وسلم ] ، والله أعلم .
س3: مَنْ أهل السنة والجماعة ؟ وما أبرز صفاتهم ؟
ج3: أهل السنة والجماعة : هم السلف والطائفة المنصورة وأهل الحديث والأثر والفرقة الناجية ، وهم الذين اجتمعوا على الأخذ بكتاب الله تعالى وسنة الحبيب [ صلى الله عليه وسلم ] باطنًا وظاهرًا في الاعتقادات والأقوال والأعمال ، وعلى رأسهم صحابة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] والتابعون وتابعوهم بإحسان ، الذين هم خير القرون لقوله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) وهو في الصحيح .
وأما صفاتهم فهي كثيرة ، لكن من أبرزها ما يلي :
الأول
: أنهم لا يأخذون معتقدهم إلا من الكتاب والسنة .
الثاني : أن النقل عندهم مقدم على العقل ، والعقل عندهم وسيلة لفهمه .
الثالث : أنهم يعتقدون الاعتقاد الجازم أنه لا يتعارض النص الصحيح مع العقل الصريح.
الرابع : أنهم وسط بين فرق الأمة كوسطية الأمة بين الأمم .
الخامس : أنهم يقفون حيث وقف النص فلا يقصرون عنه ولا يزيدون عليه .
السادس : أنهم يأخذون بأخبار الآحاد الصحيحة في إثبات أمور الاعتقاد .
السابع : أن اعتقادهم لا يتغير ولا يتبدل على مرِّ الأزمنة ؛ لأنه مبني على رواسخ ثابتة وأدلة يقينية من الكتاب والسنة فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
الثامن : أنهم المشهود لهم بالنجاة والنصر في الدنيا والآخرة ، كما ورد في حديث الافتراق الذي يصح بطرقه .
التاسع : أن مذهبهم هو الأعلم والأحكم والأسلم .
العاشر : أن إثباتهم للصفات لا تمثيل فيه وتنزيههم لا تعطيل فيه .
الحادي عشر : أنهم لا يقعون في خيار الأمة وسلفها بقدحٍ ولا غيره ، بل يستغفرون لهم ويترضون عنهم .
الثاني عشر : أنهم لا يتسمون إلا باسم الإسلام والإيمان أو ما ورد به الدليل أو وقع عليهم إجماعهم .
الثالث عشر : أنهم لا يوالون ولا يعادون على شعارات زائفة وأسماء تافهة وأصول ملفقة ، بل عمدتهم في ذلك الكتاب والسنة ، فيوالون من والاهما ويعادون من عاداهما .
الرابع عشر : أن الحق يدور معهم حيث داروا ، فلا يمكن أبدًا أن يكون الحق مع طائفة دونهم ، بل هم ميزان الطوائف ، فمن وافقهم من الطوائف فإنه ينال من الحق بقدر هذه الموافقة ، ومن خالفهم فإنه زائغ عن الصراط المستقيم بقدر هذه المخالفة .
الخامس عشر : أن أمور الغيب عندهم مبناها على التوقيف فلا يثبتون منها أو ينفون إلا ما أثبته الدليل أو نفاه ، ولا يقحمون عقولهم فيما ليس لها فيه مجال .
السادس عشر : أن علمهم هو العلم النافع وعملهم هو العمل الصالح ، وذلك لأنه مبني على الكتاب والسنة وعلى الإخلاص والمتابعة .
السابع عشر : أنهم لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ثابتين على الحق كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم وغيره .
الثامن عشر : أنهم أكمل الناس إيمانًا وأعمقهم علمًا وأقلهم تكلفًا وأشدهم متابعة للكتاب والسنة وأكملهم تحقيقًا لمراتب الدين من الإسلام والإيمان والإحسان .
التاسع عشر : أن معهم الحق المطلق وأما غيرهم فليس معه إلا مطلق الحق أي بعض الحق .
العشرون : أنهم الموفقون للشرب من حوضه [ صلى الله عليه وسلم ] فلا يذادون عنه كما يذاد غيرهم ؛ لأنهم لم يحدثوا ولم يبدلوا ولم يغيروا .
الحادي والعشرون : أنهم متفقون لا يفترقون ومؤتلفون لا يختلفون .
جعلنا الله وإياك منهم وحشرنا في زمرتهم ، والله أعلم .

التوحيد ( 4 - 15 )
العبادة هي الغاية التي خلقنا الله من أجلها

س4: لماذا خلقنا الله تعالى ؟ مع بيان ذلك بالأدلة .
ج4: خلقنا الله تعالى لعبادته ، قال تعالى : ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ، وقال تعالى : ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألاَّ تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألاَّ تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ... ﴾ الآية ، وقال تعالى : ﴿ وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلا إياه ﴾ ، وقال تعالى عن أنبيائه أنهم قالوا لأممهم : ﴿ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ قالها نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وجميع الأنبياء عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم .
وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... ) الحديث ، متفق عليه .
وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( حـق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ) ، والأدلة على ذلك كثيرة ، والله أعلم .
س5: ما العبادة ؟ وما أركان قبولها ؟ مع الأدلة .
ج5: العبادة : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة .
وأركان قبولها ركنان :
الأول : الإخلاص لله تعالى ، قال تعالى : ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ..  ، وقال تعالى : ﴿ألا لله الدين الخالص﴾، وقال تعالى : ﴿قل الله أعبد مخلصًا له ديني﴾.
وقال - عليه الصلاة والسلام - : (إنما الأعمال بالنيات) الحديث، وقال - عليه الصلاة والسلام - : (قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل ) حديث صحيح .
وقال تعالى : ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ﴾ .
والركن الثاني : المتابعة للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، لحديث عائشة المشهور : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )، وحديث جابر المشهور: ( وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) ، وسيأتي مزيد بيان لذلك - إن شاء الله تعالى - ، والله أعلم .

أقسامه التوحيد، وشروط الكلمة التي تدل عليه

س6: كم أقسام التوحيد - باختصار - ؟
ج6: التوحيد ثلاثة أقسام : توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات .
وبعض السلف يجعله قسمين اختصارًا :
الأول : التوحيد في المعرفة والإثبات ، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
والثاني : توحيد في القصد والطلب ، وهو توحيد الألوهية .
وهو خلاف تنوع لا تضاد ، أي هو اختلاف في العبارة فقط ، والله أعلم .
س7: ما توحيد الربوبية ؟ وهل الإقرار به وحده كافٍ للحكم بالإسلام ؟ ومن الذي اشتهر عنه إنكاره ؟ مع بيان ذلك بالأدلة .
ج7: توحيد الربوبية : هو توحيد الله بأفعاله ، من الخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة ونحو ذلك .
قال تعالى : ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديرًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ذلكم الله ربكم له الملك ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون ﴾ ، والآيات في ذلك كثيرة .
والإقرار به وحده ليس بكافٍ للحكم بالإسلام ؛ وذلك لأن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد كما قال تعالى : ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون . قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون . قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون ﴾ ، ومع ذلك قاتلهم النبي [ صلى الله عليه وسلم ]وأمر بقتالهم واستباح دماءهم واسترق رجالهم ونساءهم .
واعلم أن هذا التوحيد لا يعرف عن أحدٍ من بني آدم أنه أنكره باطنًا ولكن عرف إنكاره ظاهرًا عن فرعون وقومه لعنهم الله تعالى ، قال تعالى : ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا ﴾ ، وقال تعالى عن موسى أنه قال لفرعون : ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا ﴾ .
وعرف إنكاره أيضًا عن الدهرية الذين ينسبون الموت إلى الدهر ، قال تعالى حاكيًا مقالتهم الكفرية : ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ .
وعرف أيضًا إنكاره ظاهرًا عن الثنوية الذين يزعمون أن للعالم خالقين النور والظلمة .
وكل هذه الطوائف لا تستطيع أن تنكر هذا التوحيد باطنًا وإن أنكروه مكابرة وظلمًا ظاهرًا ؛ لأنه متقرر في الفطرة فإنه ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ﴾ . وفي الحديث أيضًا : ( ( خلقت عبادي حنفاء فجاءت الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ) ) . وقال تعالى : ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ﴾ ، والله أعلم .
س8: ما التوحيد الذي نزلت به الكتب وأرسلت به الرسل ؟ مع توضيح ذلك بالأدلة .
ج8:
هو توحيد الألوهية وهو توحيد العبادة ، وهو توحيد القصد والطلب ، أي توحيد الله بأفعالنا .
وعنـدنـا فـي ذلـك قـاعــدة يجـب حـفـظـها وهـي : أن أصل دين الأنبياء واحد وشرائعهم مختلفة .
ونقصد بأصل الدين أي الدعوة إلى هذا التوحيد ، كما قال تعالى : ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ﴾ ، فهذا نوح - عليه السلام - يقول لقومه : ﴿ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ ، وهذا صالح - عليه السلام - يقول لقومه : ﴿ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ ، وهذا شعيب يقول لقومه : ﴿ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ ، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : ( نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد وشرائعنا مختلفة ) ، وفي الحديث السابق : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) متفق عليه من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - .
فهذا التوحيد هو المطلوب من جميع الأمم على لسان أنبيائهم - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم - ، وهو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء وأممهم وهو الذي بسبب رفضه ومحاربة أهله أهلك الله تعالى الأمم السابقة ، فاحفظ هذا وتنبه فإن بعض الطوائف
تقول : إن التوحيد المطلوب على لسان الرسل هو توحيد الربوبية . وهذا مجانب للصواب ، بل التوحيد المطلوب والذي به نزلت الكتب وأرسلت به الرسل هو توحيد الألوهية ، جعلنا الله وإياك ممن آمن به وحققه وكمل مراتبه ، والله أعلم .
س9: ما كلمة التوحيد ؟ وما أركانها ؟ وما معناها ؟ مع الدليل .
ج9: أما كلمة التوحيد فهي ( لا إله إلا الله ) وهي العروة الوثقى .
وأما أركانها فاثنان : النفي في قولك : ( لا إله ) وهذا نفي لجنس الآلهة ، والإثبات في قولك : ( إلا الله ) وهو إثبات الألوهية لله تعالى .
وأما معناها فهو : أنه لا معبود بحق في هذا الوجود إلا الله تعالى .
هذا هو معناها الصحيح ، فاحفظه واشدد عليه يديك ؛ ذلك لأن بعض الطوائف تقول إن معناها لا خالق إلا الله ، أو لا رازق إلا الله أو لا قادر على الاختراع إلا الله ، وهذا صحيح كله ، ولكن ليس هو المعنى الصحيح لهذه الكلمة ، بل المعنى الصحيح لها هو ما ذكرْته لك من أنه لا معبود بحق إلا الله ، قال تعالى : ﴿ ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ﴾ ، فلا تغتر بكلام أهل الأهواء ، فإنه لم يبن على علمٍ ولا هدى ، بل مبناه على العماية والضلالة ومخالفة المنقول ومصادمة المعقول، عافانا الله وإياك من الضلالة والغواية، والله أعلم .
س10: لماذا قلت : ( بحق ) ؟ ألا يكفي أن تقول : ( لا معبود إلا الله ) ؟
ج10: إن هذا القيد مهم جدًا ؛ لأن هناك أشياء عبدت مع الله ، فعُبدت الملائكة والشمس والقمر وعُبد الجن والشياطين وعُبد الشجر والحجر والنجوم ، لكن هذه كلها عبادات باطلة ؛ لأنها صرف للعبادة لمن لا يستحقها ، وإنما العبادة الحق هي لله تعالى ، ولذلك فلابد من قولك ( بحق ) حتى يخرج ما عبد بالباطل كما في الآية السابقة ، والله أعلم .
س11: اذكر شيئًا مما يدل على فضل هذه الكلمة العظيمة ؟
ج11: النصوص الواردة في فضلها كثيرة جدًا ، لكن أذكر لك طرفًا منها ، قال تعالى : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وألوا العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ .
وقال - عليه الصلاة والسلام -: ( من مات وهو يعلم ألا إله إلا الله دخل الجنة ) رواه مسلم ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق - ثلاثًا - ) متفق عليه ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( أسعـد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه )، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( أشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة ) متفق عليه ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( قال موسى : يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به . قال : يا موسى قل : لا إله إلا الله . قال : يا رب كل عبادك يقولون هذا . قال : يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ) رواه ابن حبان والحاكم بسندٍ صحيح ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ، ويخرج من النار من قال لا إله الله وفي قلبه وزن برة من خير ، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير ) رواه البخاري ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة ) حديث حسن ، ومنها حديث البطاقة المشهور وفيه : ( فوضعت هذه البطاقة في كفة فمالت بهذه السجلات ) وهي بطاقة فيها لا إله إلا الله، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ( من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق والنار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) متفق عليه ، وقد ورد أنها مفتاح الجنة.
فهذه النقول وغيرها مما يدلك على عظم هذه الكلمة وفضلها ، بل ورد أنها أفضل الذكر كما في الحديث : ( أفضل الذكر لا إله إلا الله )، والله أعلم .
س12: ما شروط هذه الكلمة ؟ مع توضيح ذلك بالأدلة .
ج12: ذكر أهل العلم - رحمهم الله تعالى - أن هذه الكلمة لا يتم الانتفاع بها إلا لمن حقق مع قولها ثمانية شروط :
الأول : العلم ، وضده الجهل ، والمقصود : العلم بمدلولها من نفي الإلهية عما سوى الله تعالى ، وإثباتها لله وحده جل وعلا وأنه لا يستحق أحد العبادة إلا هو سبحانه وتعالى ، قال تعالى : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ فأمره بالعلم بذلك ، وقال تعالى : ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ .
وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( من مات وهو يعلم ألا إله إلا الله دخل الجنة ) ، فاشترط العلم بذلك .
الثاني : الإخلاص ، وضده الشرك ، وهو أن يقولها خالصًا من قلبه مجتنبًا ما يضادها مطلقًا وهو الشرك الأكبر أو ما ينقص كمالها الواجب وهو الشرك الأكبر ، قال تعالى : ﴿ فاعبد الله مخلصًا له الدين ﴾ ، وأعظم العبادة قولها والعمل بمدلولها ، وقال تعالى : ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ﴾ وعبادته هو تحقيق هذه الشهادة بمقتضياتها .
وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) وكلاهما في الصحيح.
الثالث : اليقين ، وضده الريب ، ومعناه : أن يقولها وهو معتقد لمدلولها الاعتقاد الجازم بيقين راسخ كرسوخ الجبال بلاشك أو ريب ، قال تعالى : ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ﴾ ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( ( أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة ) ) ، وفي الحديث الآخر : ( ( فيدخل النار أو تطعمه ) ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام - لأبي هريرة وأعطاه نعليه : ( ( اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة ) ) رواه مسلم .
الرابع : الصدق ، وضده الكذب ، أي لابد أن يتوافق قول الباطن مع القول الظاهر ، فيكون قلبه مصدقًا بمدلول هذه الكلمة ، لا كالمنافقين الذين قالوا : ﴿ نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ ، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ والذي جاء بالصدق وصدق به ﴾ أي جاء بلا إله إلا الله مصدقًا بها قلبه ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( من قال لا إله إلا الله صدقًا من قلبه حرمه الله على النار ) .
الخامس : المحبة ، وضدها الكره والبغض ، ومعناه : أن يقولها محبًا لها ولمدلولها ومحبًا لله ورسولـه [ صلى الله عليه وسلم ]ومحبًا لما يحبـه الله ورسولـه ، قـال تعالى : ﴿ والذين آمنوا أشد حبًا لله ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما نزل الله فأحبط أعمالهم ﴾ .
وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) متفق عليه ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) متفق عليه ، ولذلك فإن من النواقض لهذه الكلمة بغض شيء مما جاء به النبي [ صلى الله عليه وسلم ].

السادس : القبول ، وضده الرد ، ومعناه : أن يقبل ما دلت عليه هذه الكلمة من النفي والإثبات ويقبل ما جاء به النبي [ صلى الله عليه وسلم ]من الشريعة ، قال تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعرٍ مجنون ﴾ .
السابع : الانقياد ، وهو العمل بما تقتضيه هذه الكلمة ، قال تعالى : ﴿ ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ولله عاقبة الأمور ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ بلى من أسلم وجهه إلى الله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ .
وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت بـه ) ، وقال أبو بكرٍ [رضي الله عنه] : ( والله لو منعوني عقالاً - وفي رواية : عناقًا - كانوا يؤدونها للنبي [ صلى الله عليه وسلم ]لقاتلتهم على منعه ) متفق عليه .
الثامن : الكفر بالطاغوت ، قال تعالى : ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً أولئك لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا ﴾ .
وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ) رواه مسلم .
ويجمعها لك قول الناظم :

وشـروطها سـرد إليـك بيـانهـا   العلـم والإخـلاص للرحمـن
وكـذا المحبـة واليقـين قبـولهـا    والصدق والتسليـم يا إخـواني
ويـزاد كفـرك بالطـواغيت التي   عمت بها البلـواء في الأوطـان

والله أعلم .
س13: ما الفرق بين القبول والانقياد ؟
ج13: الفرق بينهما هو أن القبول عمل القلب ، فهو واجب الباطن ، وأما الانقياد فهو عمل الجوارح ، أي هو واجب الظاهر ، والانقياد علامة القبول وكلما ازداد القبول في القلب تحقق كمال الانقياد في الظاهر ، والله أعلم .
س14: عرف الطاغوت ، مع بيان ذلك بالأمثلة .
ج14: الطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاع ، هكذا عرفه العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - ، فمثال المعبود : قوله [ صلى الله عليه وسلم ]: ( لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة ) وهو طاغية دوس التي تعظمه في الجاهلية ، والحديث في الصحيح ، وكالشياطين التي تأمر بعض الطوائف من السحرة والكهنة وغيرهم بعبادتهم كما قال تعالى : ﴿ ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم به مؤمنون ﴾ .
ومثال المتبوع : كالملوك الظلمة الكفرة الذين يأمرون أتباعهم بمخالفة الشريعة والتحاكم إلى الأعراف والسلوم وعادات القبائل ، والقوانين الوضعية ، ويحاربون تطبيق الشريعة ومن يدعو إلى تطبيقها .
وأما المطاع : فكالأحبار والرهبان وعلماء السوء الذين يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله فيطاعون في ذلك كما في حديث عدي مرفوعًا : ( أليس يحلون لكم ما حرم الله تحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه ) ؟ قال: نعم . قال : ( فتلك عبادتهم ) وسنده صحيح .
لكن لابد من التنبيه على أمرٍ وهو أن من عبد من دون الله وهو غير راضٍ بذلك فإنه لا يسمى طاغوتًا ، وسيأتي زيادة إيضاح لذلك - إن شاء الله تعالى - .
س15: كيف يكون تحقيق التوحيد ؟ وما ثواب من حققه ؟ مع بيان ذلك بالدليل .
ج15: يكون تحقيق التوحيد : بتصفيته من شوائب الشرك كله أكبره وأصغره ، ومن شوائب البدعة كلها الاعتقادية والعملية ، ومن شوائب المعصية ، أي أن يكون مجانبًا لهذه الأمور المجانبة التامة المطلقة ، وإذا وقع منه الخلل في شيء من ذلك فليبادر بالتوبة النصوح المستجمعة لشروطها .
وثوابه إذا فعل ذلك : دخول الجنة ، بل قد يكون بذلك من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذابٍ ، قال تعالى : ﴿ والذين هم بربهم لا يشركون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ﴾ . وقال - عليه الصلاة والسلام - في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حسابٍ ولا عذاب : ( هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) والحديث في الصحيح ، وبناءً على ذلك فإن تحقيقه - أي التوحيد - يتفاوت بين الأفراد بتفاوت حرصهم على تجنيبه الشرك والبدع والمعاصي ، والله أعلم .

حقيقة الشرك ، وبيان بعض مظاهره القولية والعملية والاعتقادية ( 16 - 89 )
أقسام الشرك ، وكيف وقع في بني آدم ؟

س16: ما أنواع الشرك ؟ وما الفرق بينها ؟ وهل هو الكفر أم بينهما اختلاف ؟
ج16: قسَّم أهل العلم - رحمهم الله تعالى - الشرك إلى قسمين : الشرك الأكبر ، والشرك الأصغر ، وفرقوا بينهما بعدة أمور :
الأول : أن الشرك الأكبر مخرج من الملة ، وأما الشرك الأصغر فإنه لا يخرج عن الملة ، وبمعنى آخر نقول : الشرك الأكبر ينافي مطلق الإسلام ، وأما الأصغر فإنه ينافي كماله الواجب .
الثاني : أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال إذا مات صاحبه عليه ، وأما الشرك الأصغر فإنه لا يحبط إلا العمل الذي خالطه على تفصيل سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - .
الثالث : أن الشرك الأكبر موجب للعداوة المطلقة والبغضاء المطلقة ، وأما الأصغر فإنه يوجب من البغض والعداوة بمقداره فقط ، أي أنه يوجب مطلق العداوة لا العداوة المطلقة .
الرابع : أن الشرك الأكبر لا يدخل في حيز المغفرة إذا مات صاحبه عليه كما قال تعالى : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ ، وأما الأصغر ففيه خلاف والأقرب أنه داخل في حيز المغفرة - إن شاء الله تعالى - .
الخامس : أن الشرك الأكبر موجب لصاحبه الخلود الأبدي المطلق في جهنم - والعياذ بالله - ، وأما الأصغر فإنه وإن عذب صاحبه فإنه لا يوجب له الخلود ، بل يعذب بقدره أو إلى ما شاء الله تعالى ثم يخرج إلى الجنة .
السادس : أن تحريم الشرك الأكبر تحريم مقاصد ، وأما الأصغر فإن تحريمه تحريم وسائل ، ولذلك فالقاعدة عندنا تقول : كل وسيلة للشرك الأكبر فشرك أصغر .
وأما آخر السؤال فجوابه أن يقال : إن الكفر والشرك كالإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا ، أي إذا ذكر الكفر وحده دخل معه الشرك كقوله تعالى : ﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا وأولئك هم وقود النار ﴾ أي والذين أشركوا كذلك ، وإذا ذكر الشرك وحده دخل معه الكفر كقوله تعالى : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ أي ولا يغفر أيضًا أي يكفر به ، وأما إذا اجتمعا في نصٍ واحد فإن الشرك يكون معناه صرف شيء من أمور التعبد لغير الله تعالى والكفر جحد معلوم من الدين بالضرورة أو ترك العمل بما ورد الدليل الصحيح الصريح بتكفير تاركه . وبالجملة فيقال : كل شرك فهو كفر وليس كل كفرٍ شركًا ، والله أعلم .
س17: هل هناك نواقض لكلمة التوحيد ؟ ما هي مع بيانها بالأدلة - على وجه الاختصار - .
ج17:
نعم لها نواقض وهي كثيرة ويجمعها عشرة نواقض :
الأول : الشرك الأكبر ، قال تعالى : ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ولا تدع مع الله إلهًا آخر لا إله إلا هو ﴾ .
الثاني : اتخاذ الوسائط بينه وبين الله تعالى ، يدعوهم في كشف الملمات وتفريج الكربات وإجابة الدعوات ، قال تعالى : ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ .
الثالث : السحر وتعلمه وتعليمه والعمل به ومنه الصرف والعطف ، قال تعالى : ﴿وما يعلمان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ﴾، وثبت قتله عن ثلاثة من الصحابة كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -.
الرابع : الاستهزاء بشيء مما جاء به النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، قال تعالى : ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴾ .
الخامس : الإعراض عن الشريعة المطلق فلا يتعلمها ولا يعمل بها ، قال تعالى : ﴿والذين كفروا عما أنذروا معرضون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ومن أظلم ممن ذكِّر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون ﴾ .
السادس : بغض شيء مما جاء به النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، قال تعالى : ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ﴾ .
السابع : من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم ودليله الإجماع .
الثامن : إعانة المشركين وموالاتهم ومناصرتهم ومظاهرتهم على المسلمين ، قال تعالى : ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ... ﴾ الآية ، وقال تعالى : ﴿ألم تر إلى الذين تولوا قومًا غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم ... ﴾ الآية .
التاسع : مـن اعتقد أن هـدي غير النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أكمل من هديه فإنه يكفر إجماعًا ، قال تعالى : ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً أولئك الذين لعنهم الله ... ﴾ الآية ، وقال تعالى : ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ ، وفي الحديث : ( وخير الهدي هدي محمدٍ [ صلى الله عليه وسلم ] ).
العاشر : من يعتقد أن في وسعه الخروج عن الشريعة التي جاء بها محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ، قال تعالى : ﴿ومن يبتغِ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ .
فهذه جملة النواقض التي يدخل تحتها سائر النواقض المذكورة في باب حكم المرتد ، والله أعلم .
س18: ما أنواع الدعاء ؟ وما العلاقة بينهما ؟
ج18 : الدعاء نوعان : دعاء العبادة ، ودعاء المسألة .
فدعاء العبادة هو أن يفعل العبد من صلاة أو صدقة أو صيام أو حج وعمرة أو ذكر من تسبيح وتهليل وتكبير ، ونحو ذلك ، فهذه الأشياء من دعاء العبادة ؛ لأن العبد يريد بفعل ذلك ثواب الله تعالى ويخاف عقابه ، فهو بهذه الأشياء قد دعاء الله ضمنًا .
وأما دعاء المسألة فهو دعاء الطلب بمعنى أن يرفع العبد يديه ويدعو ربه بما شاء .
وأما العلاقة بينهما فإنهما متلازمان لا ينفكان أبدًا وبيان ذلك أن دعاء العبادة متضمن لدعاء المسألة ، ودعاء المسألة مستلزم لدعاء العبادة .
فالدعاء هو العبادة كما أخبر به النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، فكل شيء شرعته لنا الشريعة شرع إيجاب أو استحباب فإنه لا يخرج عن أحد نوعي الدعاء ، إما أن يكون من دعاء العبادة وإما أن يكون من دعاء المسألة ، والله أعلم .
س19: ما المراد بقولك في النونية ( وكلاهما في النص متفقان ) ؟
ج19: المراد به أن يقال : قوله : ( وكلاهما ) أي دعاء العبادة ودعاء المسألة ، وقوله : ( في النص متفقان ) أي أن النص من الكتاب والسنة إذا ورد فيه لفظ ( دعا ) وما تصرف منها فإنه يصح أن يفسر بدعاء العبادة وبدعاء المسألة ، وقد يترجح أحدهما في بعض النصوص لبعض القرائن ، فإذا رأيت المفسرين قد اختلفوا على قولين في تفسير لفظ الدعاء الوارد في النصوص فقال بعضهم المراد دعاء المسألة
وقال بعضهم بل المراد دعاء العبادة فاعلم أنه من قبيل خلاف التنوع لا التضاد ؛ لأنهما متلازمان لا ينفكان أبدًا ، والله أعلم .
س20: هل هناك أمثلة توضح لنا هذا الكلام ؟
ج20: نعم الأمثلة كثيرة ، وإنما أذكر لكم بعضها من باب التمثيل فقط فأقول :
منها : قوله تعالى : ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ﴾ ، فهنا لفظان من ألفاظ الدعاء ، الأول : قوله: ( يدعو ) ، الثاني : قوله: ( دعائهم ) ، فقيل: أي ( يعبد ) و( عبادتهم ) ، وقيل: ( يسأل ) أو ( سؤالهم ) وكلا القولين صحيح ؛ لأنه صادق على جميع هذه المعاني .
ومنها : قوله تعالى : ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴾ فقيل : اعبدوني ، وقيل : اسألوني ، وكلاهما صحيح ؛ لأنهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر .
ومنها : قوله تعالى : ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية ﴾ فقيل : اعبدوا ، وقيل : اسألوا ، وكلاهما صحيح ؛ لأن لفظ الدعاء صادق عليهما ، وعلى ذلك فقس ، والله أعلم .
س21: ما حكم صرف الدعاء لغير الله سبحانه ؟ مع توضيح ذلك بالأدلة .
ج21: أما دعاء العبادة فصرفه لغيره شرك ، وأما دعاء المسألة فلا يخلو من حالتين :
إن كان قد صرفه لغير الله في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله تعالى فهذا شرك أكبر مخرج من الملة بالكلية - أعاذنا الله وإياك منه - ، وذلك كمن يدعو القبور والأموات والشياطين أو الأنبياء أو الملائكة في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله تعالى وهو المراد بقولنا سابقًا في النواقض : اتخاذ الوسائط بينه وبين الله تعالى ، فيدعوهم في كشف الملمات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات أو برزق الولد أو إنزال المطر أو مغفرة الذنوب
أو أن يكونوا له شفعاء عند الله تعالى ، وهذا هو أكثر الشرك الذي وقع في ابن آدم ، قال تعالى : ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ﴾ فسمى الله دعاءهم من دونه شركًا ، وقال تعالى : ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ﴾ فسمى الله تعالى دعاءهم لهم عبادة وقد تقرر أن العبادة حق صرف لله تعالى لا يصرف لملك مقرب ولا لنبي مرسل فضلاً عن غيرهم ، والآيات في هذا المعنى كثيرة .
وأما إذا صرف دعاء المسألة لغير الله في أمر يقدر عليه البشر ، أو نقول : يقدر عليه المدعو فإنه لا يكون ذلك الصرف شركًا ، بل يكون سؤالاً ، وهذا لا بأس به ، إذ ليس هو من العبادة حينئذٍ في شيء ، والله أعلم .
س22: كيف وقع الشرك في بني آدم ؟ مع الدليل .
ج22: هذا سؤال مهم جدًا وبه نتعرف على السبب الذي حصل به ذلك الأمر الخطير لنحذره ونجانبه .
فأقول : إن السبب هو الغلو في الصالحين والأولياء الذي وقع في عهد نوحٍ - عليه الصلاة والسلام - ، كما ورد ذلك في الصحيح من قول ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير قوله تعالى : ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا ﴾ فقال : ( هذه أسماء رجالٍ صالحين فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت ) . وقال ابن القيم : ( قال غير واحد من السلف : لما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم ) ا.هـ .
وهذا الأمر لا يزال يقع فيه الكثير من بني آدم من تعظيم قبور الأولياء والصالحين وشهرة الأمر تغني عن ضرب المثال له ، فالسبب إذًا هو الغلو في الصالحين ، ولذلك قال الإمام المجدد - رحمه الله تعالى - في كتاب التوحيد :
«  باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين » ، وقال أيضًا : « باب ما جاء في أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله تعالى » ، وقال أيضًا : « باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده » .
وهذه التراجم المهمة ينبغي تدبرها وفهمها حق فهمها فإنها برد اليقين وفيها بيان السبب الذي أوقع الشرك في ابن آدم ، والله أعلم .
س23: عرف الغلو ؟ مع بيان بعض الأدلة التي حذرت منه .
ج23:
الغلو هو مجاوزة الحد والإفراط فيه ، فإذا قيل : الغلو في الصالحين أي مجاوزة الحد فيهم بحيث يضفى عليهم من الصفات التي هي من خصائص الله تعالى ويعتقد أنهم يجلبون خيرًا أو يدفعون شرًا ، وإذا قيل الغلو في القبور أي مجاوزة الحد فيها بحيث يفعل بها أو عندها ما هو خارج عن حد الشريعة وهكذا ، قال تعالى : ﴿يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ﴾ وهذا نهي لهم وإخبار لنا عن السبب الذي أوقعهم فيما وقعوا فيه ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام - محذرًا من الغلو فيه : ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام - محذرًا أمته من السير على نهج الأمم قبلها : ( ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور الأنبياء مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك )، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) متفق عليه وزاد مسلم : ( والنصارى )، قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا . وقال - عليه الصلاة والسلام - لأم حبيبة وأم سلمة لما ذكرتا له كنيسة بأرض الحبشة : ( أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجد وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله )، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ، وفي السنن من حديث ابن عباس : أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لعن زائرات القبور والمتخذين لها المساجد والسرج ، وروى مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ).
وثبت في السنة النهي عن تجصيصها والكتابة عليها والأمر بتسوية ما علا منها ، كل ذلك تحذيرًا من الغلو فيها ؛ لأن الغلو فيها باب كل شر وشرك ، والله أعلم .
س24: وضح منهج الوسطية في التعامل مع القبور وأصحابها ؟
ج24: إن هذه الأمة الإسلامية زادها الله شرفًا ورفعة هي الأمة الوسط بين الأمم ، ولهذه الوسطية صور كثيرة .
وجوابنا على هذا السؤال يحمل صورة من صور الوسطية وبيانه أن يقال : أن الشريعة توسطت في أمر القبور فلم تنزلها عن مكانتها ولم ترفعها عن مرتبتها ، فحرمت الجلوس عليها ، وقضاء الحاجة بينها ، والمشي بينها بالنعال ، وجعلت الحق لصاحب القبر في مكانه هذا ، فلا يجوز التعدي عليه بنبشٍ ونحوه ، وسنت السلام على أهلها ، ومنعت الاتكاء عليها ، وكل ذلك احترامًا لأهلها وتكريمًا لهم ، وبالمقابل حذرت أشد الحذر من اتخاذها مساجد يصلى عندها ، أو يدعى أصحابها من دون الله تعالى ، أو يشيد بناؤها ويرفع فوق الشبر ، أو يذبح عندها ، أو تتخذ زيارتها عيدًا ، أو يجعل لهم موالد ، أو يعتقد فيهم أنهم يجلبون خيرًا أو يدفعون شرًا ، أو أن يتبرك بترابها أو يطال الجلوس عندها على هيئة الاعتكاف أو يطاف عليها ، وأعظم من ذلك أن يركع لها أو يسجد أو تقبل ونحو ذلك .
فانظر كيف مسلك الوسطية التي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؛ لأنه وحي يوحى ، فالحمد لله على الهداية ، وأساله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغيث بلاد الإسلام بالاعتقاد الصافي والمنهج السليم ، والله أعلم .

السحر وكيف ننجو منه

س25: عرف السحر ؟ وما حكمه ؟ وما حد الساحر ؟ مع بيان الدليل .
ج25:
عرف العلماء السحر لغة : بأنه ما خفي ولطف سببه .
وعرفوه اصطلاحًا بقولهم : عزائم ورقي وكلام يتكلم به وأدوية وتدخينات وعقد يؤثر في القلوب والأبدان فيحرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه .
وأما حكمه : فقد تقدم لنا في النواقض أنه من جملة المكفرات ؛ ذلك لأن الساحر لا يمكن أبدًا أن تعينه الشياطين على مراده إلا بعد أن يتقرب لها بما تحب من ذبح دينه بالذبح لهم أو إهانة المصحف ورميه في البالوعة أو وضعه مع النفايات أو سب الله تعالى وسب رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] ونحو ذلك، ولا يستريب عاقل أنها لا تخدمه لسواد عينيه ، ولذلك قال تعالى: ﴿ وما يعلمان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ ، فبان بذلك أن تعلمه وتعليمه والعمل به كفر ، وقال تعالى : ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ﴾وهذا نكرة في سياق النفي والخلاف هو الحظ والنصيب وقد نفي النفي المطلق فدل ذلك على أنه لا يبقى معه مطلق الإيمان ومن خرج من مطلق الإسلام فإنه يكون كافرًا وهذا واضح .
فالسحر من أنواع الشرك إذ لا يأتي السحر بدون الشرك ، وأما حده فضربة بالسيف ، فقد روى الترمذي والبيهقي والحاكم من حديث جندب مرفوعًا : « حد الساحر ضربة بالسيف » ، وقال الترمذي : الصحيح أنه موقوف . قلت : ومع ذلك فله حكم الرفع ؛ لأنه لا يضح أن يقال بالرأي ، وجندب هذا لا يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب ، وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال : كتب عمر بن الخطاب : « أن اقتلوا كل ساحرٍ وساحرة » ، قال : فقتلنا ثلاث سواحر ، وصح عن حفصة - رضي الله عنها - أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت . ولذلك قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - : « عن ثلاثة من أصحاب النبي [ صلى الله عليه وسلم ] » اهـ . أي صح قتله عن هؤلاء الثلاثة ولا يعرف لهم مخالف ، بل عليه عمل المسلمين إلى يومنا هذا ، فلا تزال الدولة السعودية زادها الله شرفًا ورفعة تفرح قلوبنا بقتلهم فإنهم الثلة المفسدة أشد الفساد ، وما تقرب لله تعالى بمثل قتل هؤلاء المفسدين ، أسأل الله بعزته وقوته أن يحفظنا منهم وأن يمكن يد السلطة منهم وأن يهلكم عن بكرة أبيهم ، والله أعلم .
س26: ما الواجب علينا تجاه السحرة ؟
ج26:
الواجب علينا تجاههم بذل النصيحة لهم وتحذيرهم من هذا المنكر العظيم وتخويفهم من مغبة ذلك في الدنيا والآخرة ، ومن علم منهم ولم يرتدع بالنصح فالواجب الأخذ على يديه ؛ لأنه من أنصار الشيطان الرجيم ورفع أمره إلى ولاة الأمر ليقيموا عليه حكم الله فيه ، مع الحرص على إثبات ذلك عليه بالدلائل القطعية ، ولكن ننبه على أمرٍ مهم وهو أنه ينبغي لإخواننا القراء ألا يصدقوا أخبار الشياطين على أحدٍ بأنه ساحر أو أنه المتسبب في السحر ؛ لأن أخبارهم كذب ومن مقاصدهم بث البغضاء والتقاطع والتدابر وإفساد ذات البين ، فالمرجو من القراء ألا يفتحوا مجالاً لهم باتهام أحدٍ وأن يبادروا بتكذيب الشياطين الذي يتكلم على لسان الإنسي ، فكم من الأواصر التي بترت ومن القرابات التي تفرقت بسبب هذه الأخبار التي يقولها هؤلاء الدجالون الأفاكون ، والله أعلم .
س27: هل للسحر حقيقة ؟ وضح ذلك بالأدلة .
ج27: أقول : مذهب أهل السنة والجماعة أن السحر له حقيقة ، فمنه ما يفرق بين المرء وزوجه وهو أكثرها وقوعًا ، ومنه ما يسبب المرض ، ومنه ما يصيب العقل بالجنون ، ومنه ما يقتل ، ودليل قوله تعالى : ﴿قل أعوذ برب الفلق . من شر ما خلق . ومن شر غاسق إذا وقب . ومن شر النفاثات في العقد ﴾فقد أمر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بأن يستعيذ من شر النفاثات في العقد وهن السواحر اللاتي ينفثن في العقد ، وكيف يستعيذ مما لا حقيقة له ، فلما أمر بالاستعاذة منه دل على أن له حقيقة يستعاذ من شرها ، وقال تعالى : ﴿وما يعلمان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾فأثبتت هذه الآية أنه ما يتعلم ويعلم وهذا يدل على أن له حقيقة ، وقال تعالى : ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ﴾وهذا التفريق حقيقة فهو أثر حسي مشاهد وهو بسبب السحر ، فدل على أن له حقيقة ، فهذا التفريق الحاصل بين الزوجين بسبب السحر إنما هو عمل الشياطين التي تطيع السحرة .
وفي الصحيح من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : ( سحر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يهودي من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم ... ) الحديث ، وفيه أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال لما حل عنه : « إن الله شفاني » ، والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض ، فدل على أن له حقيقة وأنه يوجب المرض - بإذن الله تعالى - ,
ومما يدل على أن له حقيقة ما وقع من السحر لاثنتين من أمهات المؤمنين ، عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - ، أما حديث عائشة ففيه : أنها اشتكت فطال شكواها فقدم إنسان المدينة يتطبب فذهبا بنوا أخيها يسألونه عن وجعها ، فقال : والله إنكم تنعتون امرأة مطبوبة ، قال : هذه امرأة مسحورة سحرتها جارية لها . قالت : نعم أردت أن تموتي فأعتق . قال : وكانت مديرة ، قالت عائشة : - رضي الله عنها - : ( بيعوها في أشد العرب ملكة واجعلوا ثمنها في مثلها ) رواه أحمد في المسند . وقال الهيثمي في المجمع : رجال أحمد رجال الصحيح .
وأما حديث حفصة فقد رواه مالك في الموطأ أنه بلغه أن حفصة زوج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قتلت جارية لها سحرتها وكانت مديرة فأمرت بها فقتلت .
ومن الأدلة أيضًا الواقع ، فإننا لا زلنا نشاهد المسحور يمرض ويموت ويجن ويطلق زوجته وعند القراءة عليه يصرخ ويتصرف تصرف المجانين ويزبد ويتقيأ وغير ذلك من الأعراض التي سببها السحر فكيف يقال بعد ذلك لا حقيقة له .
ومن الأدلة على ذلك أيضًا إجماع أهل السنة على ذلك ، ولا عبرة بخلاف غيرهم ، فلا يغرنك تمويه صاحب الكشاف فإنه كسرة من كسر المعتزلة أعطاه الله بلاغة ومنطقًا حسنًا فسخره في مخالفة المنهج الحق ، فاحذره واحذر تفسيره فهذا فإنه يريد به نصر منهجه الاعتزالي ؛ لأن المعتزلة يعتقدون أن السحر إنما هو خيالات وانفعالات لا حقيقة لها ، وهم بهذا قد سحرهم إبليس بشبهه ونفث في روعهم لمن كيره الخبيث وغرهم بغروره وتزيينه وتلبيسه عليهم ، فالزم جادة الحق واستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، والله أعلم .
س28: كيف العصمة من شر هذه الطائفة المفسدة ؟
ج28 : الاعتصام من شرهم يكون بأمور :
الأول : صدق اللجأ إلى الله تعالى بالاستعاذة منهم والإكثار من ذلك ، فإن هذه الطائفة الخبيثة يستعينون على تحقيق شرهم بمن يرانا ولا نراه وهم الشياطين فاستعذ منهم بمن يراهم ولا يرونه وحسبك به كفيلاً ونصيرًا ومعاذًا وسندًا وملجأً ، فلا تتعده وتقرب إليه ما استطعت بفعل أوامره واجتناب مناهيه .
الثاني : الحرص التام على الأذكار المشروعة والأوراد النبوية في كل شئونك في صباحك ومسائك ، وعند نومك ، ولبسك لثوبك ، وعند دخول الخلاء ، وعند دخولك لبيتك والخروج منه ، وهي أذكار يسيرة جدًا ومتوفرة بكثرة وأثرها فعال جدًا ، وأوصيك بقراءة حصن المسلم فإنه كتاب نافع سهل خفيف المحمل .
الثالث : قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة ، وعند النوم ، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح كما في الحديث .
الرابع : الحرص على قيام الليل والوتر ، فإنه حصن للمسلم سائر يومه .
الخامس : تعلم حكمه وبعض أنواعه لاتقائها وتعليم من حولك خطره وشيئًا من مسائله .
السادس : تحصين البيت بالإكثار من قراءة القرآن فيه وخصوصًا سورة البقرة ، فإن الحديث أثبت أن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ، وكذلك بالصلاة النافلة فيه حتى لا يكون كالمقابر كما في حديث : « اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورًا » مع إخراج الصور ذات الأرواح منه حتى تدخله الملائكة - عصمنا الله وإياك من شرها - وهو أعلى وأعلم .
س29: ما الحكم لو طلق إنسان زوجته بسبب السحر ؟
ج29: أقول : لقد ثبت بالأدلة أن الأحكام التكليفية لا تثبت إلا بعقل وفهم خطاب واختيار ، وضد الاختيار الإكراه ، فإذا ثبت بشهادة العدول من القراء أو غيرهم أن فلانًا قد سحر وأن مقصود السحر التفريق بينه وبين زوجته فإنه لا يقع الطلاق في هذه الحالة ؛ لأنه مكره عليه ، والمكره ليس بمكلف شرعًا ، واختاره شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - فإنه قال في الاختيارات : « ومن سحر ليطلق فإكراه » وعلى القاضي أن يتثبت من ذلك حتى لا يوقع طلاق من لا يقع طلاقه شرعًا فيكون محققًا مقصود الشيطان ، والله أعلم .
س30: هل إذا تاب الساحر تقبل توبته ؟
ج30: أقول : إن السحر لابد وأن يكون ذنبًا من الذنوب ، وقد وردت الأدلة المتواترة من الكتاب والسنة أن من وقع في ذنب وتاب منه أنه مغفور له إذا كانت التوبة نصوحًا ، قال تعالى : ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾، وقال تعالى : ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا ﴾، وقال - عليه الصلاة والسلام - : « ويتوب الله على من تاب » . وقال تعالى فيمن قال : ﴿إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾وقال : ﴿إن الله ثالث ثلاثة ﴾فقال لهؤلاء : ﴿أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ﴾، وفي الحديث : « والتوبة تجب ما كان قبلها » ، وقال تعالى : ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾، فلا ينبغي أن ييأس الساحر من رحمة الله أو يقنط منها ، فإذا ظهرت مخايل التوبة النصوح منه فإنه يكف عنه وأمره إلى الله تعالى ، وإذا رأى الحاكم أو نائبه أنه يقتل لعدم ثبوت توبته عنده أو وجود القرينة التي تكذب دعواه للتوبة فله ذلك وأمره في الآخرة إلى الله تعالى .
س31: ما الطرق التي يثبت بها جناية الساحر على النفس أو ما دونها ؟
ج31: الطرق التي يحصل بها ذلك هي ما يلي :
الأول : الإقرار ، أي أن يأتي الساحر ويقر أنه هو الذي قتل فلانًا أو أصاب فلانًا بهذه الجناية بالسحر ، فإذا توفرت شروط الإقرار فإنه يؤخذ به ويثبت شرعًا ما يثبت في مثل هذه الجناية .
الثاني : الشهادة ، أي أن يشهد رجلان عدلان قد توفرت فيهما شروط الشهادة أن فلانًا ساحر ، وهذا قول الجمهور خلافًا لمذهب الشافعية ، ولكن الحق هو قول الجمهور وذلك للأدلة الواردة في إثبات أن الشهادة طريق من طرق إثبات الجناية ، فقواعد الشريعة تقتضي العمل بالشهادة في الإثبات فهي طريق صالح للإثبات ولاريب ، لكن لابد أن تكون شهادة مفسرة تصنف الحال بدقة ولا تدع مجالاً للريبة والشك وأن تكون ممن تعتد شهادتهم شرعًا ، وهذان الطريقان لا إشكال فيهما .
وبقي طريق ثالث اشتد فيه الخلاف وهو إثباته عن طريق الاشتهار والاستفاضة ، أي إذا استفاض بين الناس أن فلانًا ساحر فهل يؤخذ بها أم لا ؟ أقول : التحقيق في هذا أنه لا يؤخذ بها فورًا ، بل تجعل هذه الاستفاضة كالقرينة التي تضع علامات استفهام على هذا الرجل لينظر في حاله ويراقب عن كثبٍ ويتحقق منها ، فإذا ثبت ذلك عليه أخذ وإلا فليس كل ما استفاض بين الناس يكون صحيحًا ، والله أعلم .
س32: هل قوله [ صلى الله عليه وسلم ] في حديث ابن عمر في الصحيحين : « إن من البيان لسحرًا » مدح أو ذم ؟
ج32: أقول : كيف يكون مدحًا وقد جعله من السحر ، بل هو ذم لا مدح ، فإن البيان والفصاحة وحسن تصفيف الكلام إذا كان مفضٍ إلى جعل الحق باطلاً والباطل حقًا ، فإن صاحبه مذموم ؛ لأنه يعمل عمل الساحر الذي يخيل على الناس ، وهذا كمن أوتي بلاغة وفصاحة فسخرها في قلب الحقائق وتزيين الباطل وتشويه صورة الحق ، كمن يمتدح بالخمر بالأبيات المقفاة الموزونة ، أو يتغزل بنساء المسلمين بالعبارات الجذابة البراقة الخادعة ، أو يظهر نفي الصفات في صورة التنزيه ، أو يجعل التحريف والإلحاد تأويلاً ويسميه بغير اسمه لتقبله النفوس ، أو يسمى اختلاط الرجال بالنساء في دور التعليم تقدمًا وحضارة ، أو يعبر عن ترك النساء للحجاب وتمردهن على تعاليم الشريعة تحريرًا لها من رق العبودية وسلاطة الرجال ، وما أكثر أهل هذا البيان ، نعوذ باله من حالهم وكفانا شرورهم ، ولذلك جعل الشيخ محمد - رحمه الله تعالى - هذا البيان نوعًا من أنواع السحر ، وهذا دليل على أنه مذموم ، والله أعلم .

س33: ما وجه إدخال النميمة في أنواع السحر ؟
ج33: أقول : هذا من دقيق فهم السلف - رحمهم الله تعالى - فإن مقصود الساحر هو التفريق والإفساد ، والنمام يفعل هذا الفعل تمامًا ، بل وأعظم ، فكم من بيوت تفرق أفرادها بسبب نميمة ، وكم من محبة انقلبت عداوة بسبب نميمة ، وكم من نفس قتلت بغير حق بسبب نميمة ، وكم من قرب تحول بعدًا بسبب نميمة ، وكم من خلةٍ انقلبت حقدًا وكرهًا بسبب نميمة ، وهذا هو شأن الساحر لكنه لا يكفر بذلك ؛ لأنه لم يفعل كفرًا كالساحر ولكنه فعل كبيرة من الكبائر ، قال - عليه الصلاة والسلام - : « لا يدخل الجنة قتات » ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : « ألا أنبئكم ما العضه ، هي النميمة القالة بين الناس » ، فنعوذ بالله منها ونسأله جل وعلا أن يعصم ألسنتنا منها ، والله أعلم .
س34: ما الطرق التي يحل بها السحر ؟ مع بيان المشروع والممنوع منها بدليله .
ج34:
أقول : حل السحر عن المسحور هي التي يسميها العلماء بالنشرة ، وهي قسمان كما ذكره الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - :
الأول : حل السحر بالقراءة الشرعية والأدعية الصحيحة ، وهذا هو المشروع ، بل لا يجوز حله إلا بذلك ويدخل في ذلك ضمنًا أن يعرف مكان السحر فيحل أو يحرق ، كما فعل بسحر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فإن جبريل - عليه الصلاة والسلام - قد رقاه بقوله : « باسم الله أرقيك من كل داءٍ يؤذيك من كل شر أو عين حاسد الله يبريك باسم الله أرقيك » ، فنعم القارئ ونعم المقروء عليه ، وقد رأى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] مكان سحره في منامه - ورؤيا الأنبياء حق - وأرسل من يأتي به فحلوه فقام كأنما نشط من عقال ، وحينئذٍ فنقول : إذا تكررت الرؤيا على المسحور أو غيره أن سحره في مكان ما فلا بأس بأن يستبرئه أو أخبره الشيطان الذي يخدم السحر بمكان وتكرر منه ذلك فلا بأس من استبرائه ما لم يكن في ذلك مفسدة خالصة أو راجحة .
الثاني : حلة بسحر مثله ، وهو أن يذهب المطبوب إلى الساحر أو الكاهن فيتقربان للشيطان بما يحب من الذبح ونحوه ليبطل أثره عن المسحور ، وهذه هي النشرة الشركية المحرمة ، ويدل عليها حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] سئل عن النشرة فقال : « هي من عمل الشيطان » رواه أحمد وأبو داود بسند جيد ، وقال أبو داود سئل أحمد عنها فقال : ( ابن مسعود يكره هذا كله ) أي يكره النشرة التي من عمل الشيطان ، ولاشك أنها كراهة تحريم ، وقوله : « هي من عمل الشيطان » أي لأنهم ينشرون عن المسحور بأنواع من السحر والاستخدامات الشيطانية ، فلازم هذه الطريقة الوقوع في عدة محاذير :
منها : التقرب للشيطان بما يحب من الشرك ، وهذا في حد ذاته مفسدة خالصة .
ومنها : إعانة الساحر على عمله هذا من الاتصال بالشياطين وعبادته لهم وهذا مخالف المخالفة التامة للإنكار عليه .
ومنها : فتن الناس به للإقبال عليه واغترارهم بعمله .
ومنها : سد باب العلاج بالقرآن أو التهوين من شأنه .
ومنها : تعلق قلوب المرضى بهذه الطائفة الضالة الكافرة .
ومنها : اعتماد القلب على الشيطان ليوصل له النفع وهذا منافٍ للمتقرر شرعًا من وجوب عداوته ومنافرته .
ومنها : إحسان الظن بالساحر وشياطينه في إيصال الإحسان إلى المسحور وهذا كاف في منع هذه الطريقة .
ومنها : أنه قد لا يتحقق غالبًا الشفاء والخلاص التام من أثر السحر ، فيكون قد وقعنا في المفسدة ولم نحصل مصلحة ، وإن سلمنا أنه حصل
الشفاء فإن مصلحة الشفاء شيء لا يذكر مع هذه المفاسد ، والمتقرر شرعًا أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
ومنها : فتح باب الشيطان على القلوب والعقول بإفسادها وتزيين الباطل لها .
ومنها : لزوم مخالفة النهي الصحيح الصريح الوارد في السنة من عدم إتيان الكهان ولو لمجرد السؤال فضلاً عن تصديقهم فيما يخبرون به من أمور الغيب من الأسماء والأماكن .
ومنها : تعريض الإنسان توحيده للإبطال والواجب المتقرر شرعًا صيانته وحماية جنابه وسد كل طريق يفضي إلى الشرك .
ومنها : أنها فتح لعمل الشيطان - نعوذ بالله منه - .
فهذه المفاسد وغيرها تجعل العاقل الذي يخاف على دينه أن يحذر كل الحذر من هذه الطريقة الشيطانية ويسد هذا المدخل الإبليسي ، والله أعلى وأعلم .
س35: ما معنى قول ابن المسيب بما سئل عن رجل به طب أيحل عنه أو ينشر فقال : « لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح فأما ما ينفع فلم ينه عنه » ، وما روي عن الحسن أنه قال : « لا يحل السحر إلا ساحر » ؛ لأن بعض الناس يجعل ذلك حجة في جواز حل السحر بالسحر فما القول في ذلك ؟
ج35: القول في ذلك مجمل ومفصل :
فأما المجمل ، فاعلم - يا رعاك الله - أن السلف - رحمهم الله تعالى - لا يمكن أن يخالفوا في مثل هذه القضية الواضحة التي تظافرت عليها الأدلة ولا يجوز أن يظن بهم ظنًا ينزلهم عن مرتبتهم ، ولا ينبغي تحريف أقوالهم ولا لي أعناقهم لتوافق الرغبات والهوى وهذا لا يجوز فيمن هو دون الحسن وابن المسيب - رحمهما الله تعالى - فكيف بهما وهما من سادات السلف وكبراء الدنيا علمًا وعملاً وزهدًا وورعًا واتباعًا وحذرًا من مخالفة الدليل ؟ فهذا الظن من كلامهما ظن فاسد لا يجوز حمل كلامهما عليه ، بل كلامهما هذا متفق مع الأدلة كل الاتفاق ومنسجم معها كل الانسجام لا يخالفها ولا يناقضها بوجه حاشاهما - رحمهما الله تعالى - من أن يظن بهما إلا خيرًا ، رفع الله نزلهما وأجزل مثوبتهما وجمعنا بهم في جنة الفردوس الأعلى .
وأما المفصل ، فنقول : إن إجابة ابن المسيب - رحمه الله تعالى - إنما كان بتسويغ النشرة الجائزة ، وهي حل السحر بالقراءة الشرعية والتعويذات والأدعية الصحيحة الواردة والأدوية المباحة لا أنه تسويغ للنشرة المحرمة ، كيف وقد وردت الأدلة بمنعها وسد بابها ؟ وأما قول الحسن فإنه إن صح عنه فإن فيه سدًا لهذا الباب أي النشرة فإذا كان لا يحل السحر إلا ساحر وقد وردت الأدلة بتحريم السحر فإذًا لا يجوز حله فكأنه يقول : لا يقدر على حل السحر إلا من له خبرة ومعرفة بالسحر وطرقه من عقدٍ وحل ، ويحمل كلامه هذا على النشرة المحرمة التي هي حل السحر بالسحر ، ولذلك قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - : « النشرة نوعان : حل بسحر مثله وهو الذي من عمل الشيطان وعليه يحمل قول الحسن » اهـ . فبان بذلك أن ابن المسيب فتح باب النشرة الجائزة والحسن سد باب النشرة الممنوعة ، فانظر كيف اتفاق كلامهما مع الأدلة، ولا غرابة في ذلك فإنهما يعتمدان الدليل في مصادرهما ومواردهما، وأستغفر الله تعالى أن مثلي يوضح كلام هذين العالمين الجليلين لكنه إن شاء الله تعالى من باب الذب عن حياضهما ، أسأله جل وعلا باسمه الأعظم أن يحشرني وإياكم في زمرة محمدٍ [ صلى الله عليه وسلم ] ، والله أعلم .

النذر ، والذبح ، والاستعاذة ، والاستعانة ، والاستغاثة ، والتوكل

س36: عرف النذر؟ وما وجه كونه عبادة؟ وما حكم صرفه لغير الله تعالى؟ مع الدليل.
ج36:
النذر لغة : هو الإلزام .
وشرعًا : إلزام المكلف نفسه شيئًا ليس بلازم له بأصل الشرع .
ووجه كونه عبادة : أنه الله امتدح الموفين بـه فقال في معرض مدحهـم : ﴿ يوفون بالنذر ﴾، وقال : ﴿ وما أنفقتم من نفقةٍ أو نذرتم من نذرٍ فإن الله يعلمه ﴾. وفي الحديث : ( ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) ) ، فحيث امتدح الله الموفين به وأوجب إتمامه إن كان طاعة دل ذلك على أنه مما يحبه ويرضاه ولك شيء يحبه الله ويرضاه فهو عبادة .
وبناءً عليه : فمن نذر لغير الله تعالى فإنه يكون بذلك قد صرف عبادة لغير الله جل وعلا ومن صرف عبادة لغير الله فإنه مشرك الشرك الأكبر ، كالذين ينذرون للقبور والأموات والصالحين وبعض المغارات والكهوف والأشجار والأحجار المعظمة عندهم ، فإنهم بذلك قد وقعوا في الشرك ، ودليل ذلك ما مضى من إثبات كون النذر عبادة ، وكل دليل يدل على أن من صرف العبادة لغير الله فهو مشرك ، فإنه دليل على هذه المسألة ، والله أعلم .
س37: ما الفرق بين النذر الذي يكون شركًا والذي يكون حرامًا فقط ؟
ج37: النذر الذي نقصده في جواب السؤال الماضي هو أن يعقد النذر أصلاً لغير الله تعالى ، كأن يقول : نذر علي للسيد البدوي ، أو لقبر الحسين ، أو للولي الفلاني ، أو القبر الفلاني ونحو ذلك ، فهو في أصل عقد النذر عقده لغير الله تعالى فهذا هو الشرك الأكبر .
وأما النذر الذي يكون حرامًا فقط فهو النذر الذي يعقد لله تعالى لكن على شيء محرم كقول القائل : نذر لله على أن لا أصل أرحامي ، أو يقول : نذر علي أن أشرب خمرًا ونحو ذلك ، فهذا النذر لا يكون شركًا ؛ لأنه عقده لله ، لكنه يكون حرامًا لا يجوز الوفاء به بحال ؛ لأنه على شيء محرم .
وثمة فرق آخر : وهو أن نذر الشرك لا ينعقد أصلاً ، فلا كفارة فيه وإنما فيه التوبة إلى الله تعالى والنطق بالشهادة ؛ لأنه به قد جرح توحيده فلابد من النطق بالشهادة ليجدد إيمانه ، وأما نذر الشيء المحرم فإنه منعقد لكن لا يجوز الوفاء به، واختلف العلماء هل فيه كفارة أم لا ؟ على قولين : والأرجح أن فيه كفارة يمين لحديث : ( ( لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ) ) والله أعلم .
س38: كيف يجتمع في النذر كونه منهيًا عنه وكونه عبادة ؟
ج38:
أقول : هذا سؤال جيد وبيانه أن يقال : إننا ننظر إلى النذر من ثلاث جهات :
الأولى : من جهة أصل الإيقاع أي إنشاؤه وابتداؤه ، فهذا  عن النذر وقال : (
eهو الذي ورد النهي عنه كما في الحديث : نهى النبي  ( إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل ) ) وهو في الصحيح .
وهذا النهي إما للتحريم أو للكراهة والمقصود أن هذا النهي عن ابتداء النذر فقط أي عن إيقاعه ، لكن المكلف يتعبد لله أنه إن عقده فلا يعقده إلا بالله جل وعلا ، فهو بهذا الاعتبار مأجور. وهو الثاني: أي باعتبار عقده لله تعالى، وهو متعبد أيضًا بالوفاء به، وهي الجهة الثالثة .
فصارت ثلاث جهات ، وأعيدها مختصرة :
الأولى : باعتبار ابتدائه منهي عنه ، وباعتبار عقده لله تعالى فهو مثاب على ذلك مأجور عليه ، وباعتبار الوفاء به مثاب أيضًا ومأجور ، فلا اختلاف ولا تناقض ؛ لأن جهة النهي منفكة ومتعلقها مختلف عن الجهتين الأخيرتين ، والله أعلم .
س39: ما أقسام الذبح ؟ وما الذي يكون صرفه لغير الله شرك ؟ مع بيان ذلك بالدليل.
ج39: الذبح قد قسمه أئمة الإسلام إلى أقسام :
الأول :
ذبح يقصد الاستمتاع باللحم ، وهذا جائز لعموم قوله تعالى : ﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوها ومنها تأكلون ﴾وغير ذلك من الآيات ، وهذا القسم لا دخل له في العقيدة وإنما يتكلم عليه الأئمة الفقهاء في باب الزكاة ، والله أعلم .
الثاني : ذبح يقصد به إكرام الضيف ، كالذي يذبح في الأعراس ونحوها ، فهذا مأمور به أمر إيجاب في بعضه وأمر استحبابٍ في بعضه ومنه حديث : ( ( أولم ولو بشاة ) ) ، وحديث : ( ( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) ) ، وهذا أيضًا لا دخل له في الاعتقاد .
الثالث : وهو الخطير والأمر الكبير ، وهو الذبح للغير بقصد التقرب والتعبد للمذبوح له ، وهذا هو الطامة الكبرى والشرك الأكبر ، وهذا هو الذي يتكلم عليه علماء الاعتقاد ، ودليل ذلك قوله تعالى : ﴿ فصل لربك وانحر ﴾، وقوله تعالى : ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأن أول المسلمين ﴾.
والذابح لغير الله ملعون كما في صحيح مسلم من حديث علي [ رضي الله عنه ]  قال : ( ( لعن رسول الله من ذبح لغير الله ) ) ، وعند أحمد في الزهد من حديث طارق بن شهاب أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ( ( دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب ) ) . قالوا : كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( ( مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا ، فقالوا لأحدهما : قرب . قال : ليس عندي شيء أقرب . قالوا : قرب ولو ذبابًا ، فقرب ذبابًا فخلو سبيله ، فدخل النار . وقالوا للآخر : قرب . فقال : ماكنت لأقرب لأحدٍ شيئًا دون الله عز جل فضربوا عنقه فدخل الجنة ) ) .
وقد انعقد الإجماع على الذبح لغير الله بنية التقرب والتعبد للمذبح له شرك أكبر مخرج عن الملة بالكلية ، والله أعلم .
س40: هل ضربت لنا أمثلة على الذبح لغير الله تعالى ؟
ج40: نعم ، على الرحب والسعة .
فمن أمثلة ذلك : ما يذبحه عباد القبور إلى من يزعمون أنه من الأولياء والصالحين ، فترى الواحد - عافاهم الله من هذا البلاء - يأتي بالذبيحة من بهيمة الأنعام أو من الدجاج ونحو ذلك فيريق دمها على القبر أو قريبًا منه في المكان المخصص لذلك متقربًا بذلك لصاحب القبر .
ومن الأمثلة : ما يذبح عند السحرة أو بأمرهم لمن يخدمهم من الشياطين متقربين به إلى ذلك الشيطان ليحقق لهم بعض مقاصدهم .
ومن ذلك : الدماء التي تراق عند بعض الأشجار والأحجار المعظمة عند أهلها كما كان يفعل عند العزى واللات ومناة الثالثة الأخرى ، وكما كان يفعل كثير من أهل هذه البلاد قبل انتشار هذه الدعوة المباركة المؤيدة من الله تعالى بالبرهان الساطع والسيف القاطع .
ومن ذلك : ما يذبح عند قدوم بعض الملوك على بعض فإنهم يذبحون في طريقه بعض بهيمة الأنعام ، وهذه الذبيحة محرمة على كل حال ، لكن إذا كان قصد ذابحها تعظيم المذبوح له والتقرب له فإنها تكون من الشرك الأكبر - والعياذ بالله - .
ومن ذلك : الذبيحة التي تسمى ذبيحة الصلح ، وهو أن بعض القبائل إذا أرادوا أن يصلحوا بين شخصين أو قبيلتين فإنهم يذبحون بعض بهيمة الأنعام أمام من يطلبون منه الصلح تعظيمًا له وتزلفًا إليه وتقربًا لديه ليرضى عنهم ، وهذه الذبيحة بهذا الاعتبار من الشرك الأكبر المخرج عن الملة - والعياذ بالله - ، وأما إن لم يكن قد صاحب ذلك قصد التعظيم والقربة فإنها محرمة فقط ، ولعل هذه الأمثلة كافية إن شاء الله تعالى ، والله أعلم .
س41: ما حكم الذبح بمكانٍ يذبح فيه لغير الله ؟ مع بيان الدليل .
ج41: الذبح بمكان يذبح فيه لغير الله لا يجوز ، ودليل ذلك حديث ثابت بن الضحاك قال : نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة ، فسأل النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : ( ( هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ) ) ؟ قالوا : لا . قال : ( ( هل كان فيها عيد من أعيادهم ) ) ؟ قالوا : لا . فقال للرجل : ( ( أوف بنذرك فإنه لا وفاء بنذرٍ في معصية ولا فيما لا يملكه ابن آدم ) ) رواه أبو داود بإسناد صحيح .
ووجه الدلالة منه واضحة ، وهي أن الجواب لو كان بـ ( نعم ) كان فيها ذلك لما أجاز له النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أن يذبح في ذلك المكان ، وذلك دليل على أنه لا يذبح لله بمكانٍ يذبح فيه لغير الله ، والله أعلم .
س42: ما الحكمة من هذا المنع ؟
ج42: الحكمة الأساسية من ذلك هو نهي الله ورسوله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فالمسلم يكفيه ذلك لكن يتفرع عن هذه الحكمة عدة مصالح أذكرها لك مختصرة :
فمنها : أن من مقاصد الشريعة سد ذريعة مشابهة المشركين فيما كان من عباداتهم وعاداتهم ، فمنعت الشريعة الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله سدًا لهذه الذريعة .
ومنها : أن من مقاصد الشريعة إخماد سنة الجاهلية وإبطال آثار الشرك والوثنية ، فسدًا لذريعة إحياء شيء من سنتهم نهت الشريعة عن ذلك .
ومنها : أن الموافقة في الظاهر توجب توافقًا وتواددًا في الباطن ، ولذلك فنحن منهيون عن التشبه بهم حتى في طريقة ترجيل الشعر ولبس النعل والصلاة فيها وذلك حتى لا يحصل بيننا وبينهم أي توافق ظاهري فيؤدي ذلك إلى توافق باطني ، فسدًا لذريعة الموافقة في الباطن منعت الشريعة هذه الموافقة في الظاهر فنهت عن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله تعالى .
ومنها : أن هذا أيضًا فيه سد الذريعة المفضية إلى الشرك .
ومنها : أن فيه تجنيب العبد مواضع الشرك التي عصي فيها الله تعالى ؛ لأنها أماكن قد حق العذاب فيها على أهلها فيخشى أن يصيبه معهم ، فنهي العبد عن فعل شيء فيها تجنيبًا له لأسباب الهلاك .
فهذه بعض الحكم والمصالح المترتبة على ذلك ، والله أعلم .
س43: عرف الاستعاذة ؟ وما أنواعها ؟ مع بيان دليل كلٍ .
ج43:
الاستعاذة هي : طلب العوذ من الأمر المخوف . وهي أنواع :
الأول : الاستعاذة بالله تعالى المتضمنة لكمال الافتقار إليه واعتقاد كفايته وتمام حمايته من كل شيء حاضر أو مستقبل ، صغير أو كبير ، بشر أو غير بشر ، ودليل ذلك قوله تعالى : ﴿ قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق... ﴾ السورة بتمامها، وقوله تعالى: ﴿ قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس. من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس. من الجنة والناس ﴾، وقوله تعالى عن موسى - عليه السلام -: ﴿ وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ﴾. وفي الحديث أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ قل هـو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم ﴾ قال - عليه الصلاة والسلام - : ( ( أعوذ بوجهك ) ) ، ثم قال : ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال - عليه الصلاة والسلام - : ( ( أعوذ بوجهك ) ) ، ثم قال : ﴿ أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ فقال : ( ( هذه أهون أو أسهل ) ) ، وهذه لاشك أنها نوع من أنواع العبادة التي لا تصرف إلا لله تعالى .
الثاني : الاستعاذة بالأموات وأصحاب القبور ، أو بالأحياء الغائبين ، أو الاستعاذة بالحي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فهذا لاشك أنه من الشرك الأكبر كاستعاذة الرافضة بعلي بن أبي طالب [ رضي الله عنه ] أو الاستعاذة بالجن لكف شر بعضهم أو الاستعاذة بالبدوي أو الحسين ونحو ذلك ، قال تعالى : ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا ﴾، ولأن الاستعاذة في الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى نوع من أنواع العبادة ، والمتقرر في العقيدة : أن من صرف عبادة لغير الله فإنه مشرك .
الثالث : الاستعاذة بغير الله تعالى فيما يقدر عليه المستعاذ به ، فهذا لا بأس به وليس من العبادة في شيء ، لكن ينبغي أن يعلم أن المعيذ في الحقيقة هو الله تعالى وأن هذا إنما هو سبب فقط ، ودليل جواز ذلك قوله  [ صلى الله عليه وسلم ] في ذكر الفتن : ( ( من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأً أو معاذًا فليعذ به ) ) متفق عليه ، وقد بين [ صلى الله عليه وسلم ] هذا الملجأ والمعاذ بقوله في رواية مسلم : ( ( فمن كان له إبل فليلحق بإبله ) ) ، وفي صحيح مسلم أيضًا أن امرأة من بني مخزوم سرقت فأتـي بهـا النبي [ صلى الله عليه وسلم ]  فعـاذت بأم سلمـة ... الحديـث ، وفـي صحيـح مسلـم أيضًا عن أم سلمة - رضي الله عنها - عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ( ( يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث ... ) ) الحديث .
س44: ما حكم الاستعاذة بالصفة ؟ مع الدليل .
ج44:
الاستعاذة بالصفة جائزة باتفاق أهل السنة والجماعة .
ودليل ذلك الحديث السابق عند البخاري في قوله تعالى : ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم ... ﴾الآية ، ويقول - عليه الصلاة والسلام - بين ذلك : ( ( أعوذ بوجهك ) ) ، وفي الحديث فيمن آلمه شيء من بدنه فليضع إصبعه عليه وليقل : ( ( بسم الله ، بسم الله ، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ( سبعً ) )  أنه كان
e) ، وروى مسلم في صحيحه عنه  يقول : ( ( وأعوذ برضاك من سخطك ) ) ، وفي الحديث في دعاء الصباح والمساء : ( ( وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)).
فهذه النصوص فيها الاستعاذة بالوجه والعزة والقدرة والعظمة والكلام والرضا ، وهي من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ، فدل ذلك على جواز الاستعاذة بصفاته جل وعلا ، والله أعلم .
س45: عرف الاستعانة والاستغاثة ؟ وما أقسامها ؟ وحكم كل قسم مع بيان دليل ذلك.
ج45:
الاستعانة طلب العون ، والاستغاثة طلب الغوث، وكل منهما ينقسم إلى أقسام:
الأول : الاستعانة والاستغاثة بالله تعالى المتضمنة لكمال الذلة والخضوع والانكسار له جل وعلا ، فهذه من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل - عليهم السلام - وأتباعهم ، قال تعالى : ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنني ممدكم بألفٍ من الملائكة مردفين ﴾.
الثاني : الاستعانة والاستغاثة بالأموات أو بالأحياء الغائبين أو بالأحياء الحاضرين في الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، وهذه هي الاستعانة والاستغاثة الشركية ، أعني الشرك الأكبر المخرج من الملة بالكلية ؛ لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًا في الكون فيجعل لهم حظًا من الربوبية وقد قال تعالى : ﴿ أمَّنْ يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإلهٌ مع الله قليلاً ما تذكرون ﴾، ولأن الاستعانة والاستغاثة نوع من الدعاء وقد تقدم أن من صرف دعاء المسألة لغير الله في الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى فقد وقع في الشرك الأكبر .
الثالث : الاستعانة والاستغاثة بالأحياء في الأمر الذي يقدرون عليه ، فهذا لا بأس به وليس ذلك من العبادة في شيء ، وذلك كقوله تعالى : ﴿ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه ﴾، وكاستغاثة الغريق أو من سقط في حفرةٍ بمن يستطيع إنقاذه من ذلك ، فهذا لا بأس به ، والله أعلم .
س46: عرف التوكل ؟ وما أنواعه ؟ وحكم كل نوع ، مع الدليل .
ج46: التوكل على الشيء الاعتماد عليه ، والتوكل على الله تعالى هو الاعتماد على الله تعالى كفاية وحسبًا في جلب المنافع ودفع المضار ، وهو أنواع :
الأول : التوكل على الله تعالى في جلب الخيرات بأنواعها ودفع المضرات بأنواعها ، وهذا من تمام الإيمان الواجب أي أنه لا يتم الإيمان إلا به ، قال تعالى : ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾، وقال تعالى : ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾، وقال تعالى : ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾.
الثاني : توكل السر ، ومعناه أن يتوكل على ميتٍ في جلب منفعة أو دفع مضرة ، فهذا شرك أكبر ؛ لأنه لا يقع إلا ممن يعتقد أن لهذا الميت تصرفًا خفيًا في الكون ولا فرق بين أن يكون ذلك الميت نبيًا أو وليًا أو غيرهما ، وذلك كاعتماد أصحاب القبور على الأموات .
الثالث : التوكل على الغير فيما يقدر عليه مع اعتماد القلب على ذلك الغير في حصول المطلوب أو دفع المرهوب ، فهذا شعبة من الشرك ، لكنه الشرك الأصغر وذلك لقوة تعلق القلب به .
الرابع : التوكل على الغير فيما يقدر عليه ذلك الغير مع اعتماد القلب بكليته على الله تعالى واعتقاد أن ذلك إنما هو سبب في تحصيل الأمر المطلوب فقط ، كمن ينيب غيره في أمرٍ تدخله النيابة ، فهذا لا بأس به ، وهو بهذا الاعتبار يأتي بمعنى الوكالة ، فقد وكل يعقوب - عليه الصلاة والسلام - أبناءه في البحث عن أخيهم يوسف - عليه السلام - فقال: ﴿ يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ﴾، وقد وكل النبي [ صلى الله عليه وسلم] على الصدقة عمالاً وحفاظًا ، ووكل في إثبات الحدود وإقامتها ، ووكل علي بن أبي طالب في ذبح ما لم يذبح من هديه وأن يتصدق بجلودها وجلالها ، وهذا جائز بالإجماع في الجملة .
فتبين بهذا أن النوع الأول : هو حقيقة الإيمان وتمامه الواجب ، وأن النوع الثاني : شرك أكبر ، والثالث : شرك أصغر ، والرابع : لا بأس به ، والله أعلم .

الخوف ، والرجاء ، والأيمان ، والحلف ، والتمائم ، والرقى

س47: عرف الخوف ؟ وما أنواعه ؟ وحكم كل نوع ؟ مع الدليل .
ج47: الخوف هو الذعر ، وهو نوع انفعال يحصل في النفس له أثر ظاهر بسبب توقع ما فيه هلاك أو ضرر أو أذى ، وقد ذكر أهل العلم أنه أنواع :
الأول : الخوف الطبيعي الجبلي ، كخوف الإنسان من النار أن تحرقه ، أو من السبع أن يأكله ، أو من الماء الكثير أن يغرق فيه ، فهذا خوف لا يلام الإنسان عليه ، فقد خاف كليم الله موسى - عليه السلام - من فرعون وقومه كما قال تعالى : ﴿ فأصبح في المدينة خائفًا يترقب ﴾ ، وقد خاف نبي الله داود لما تسور عليه الخصمان كما قال تعالى : ﴿ إذ دخلوا على داود ففزع منهم ﴾ ، وقال تعالى عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - : ﴿ فأوجس منهم خيفة ﴾ ، وهذا خوف طبيعي لا يلام العبد عليه .
الثاني : الخوف الذي تسميه العلماء بخوف السر ، ومعناه أن يخاف العبد من قبرٍ أو ميتٍ أو غائب بعيد عنه أن يصيبه بأذى ، فهذا الخوف ليس به أسباب معلومة ، بل لم يصدر هذا الخوف من هذا الرجل إلا لاعتقاده أن لهذا المخوف منه تصرفًا خفيًا في الكون بكونه قادرًا على أن يصيبه بأذى ، وهذا الخوف شرك أكبر مخرج عن الملة ، كما قال تعالى عن قوم هود أنهم قالوا له : ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوءٍ ﴾ فقد كانوا يظنون ويعتقدون فيها أنها تصيب من أنكر عبادتها بالأذى مع أنها حجارة لا تضر ولا تنفع .
الثالث : الخوف الذي يوجب لصاحبه ترك واجب أو فعل محرم ، وهذا الخوف حرام في ذاته ؛ لأنه وسيلة إلى الحرام ووسائل الحرام حرام ، وذلك لقوله تعالى : ﴿ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ ، وذلك كالخوف الذي يحمل صاحبه على ترك الدعوة المتعينة عليه ، والخوف الذي يوجب ترك الجهاد ، والخوف الذي يوجب طاعة المخلوق في معصية الخالق ونحو ذلك ، فهذا الخوف حرام ، والله أعلم. س48: ما مذهب أهل السنة في الجمع بين الخوف والرجاء ؟
ج48: مذهبهم في ذلك أنه لابد أن يعبد العبد ربه بهما أي أن يعبد الله تعالى راغبًا راهبًا ، كما قال تعالى : ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾ ؛ وذلك لأنه من عبد الله بالرجاء وحده أمن من مكر الله ، ومن عبده بالخوف وحده وقع في اليأس من رحمة الله وقنط من روح الله ، ومن عبده بالخوف والرجاء فهو الموحد المهدي إلى الصراط المستقيم ، ولابد من استوائهما فلا يغلب الخوف على الرجاء ، ولا يغلب الرجاء على الخوف فيهلك ، وهذه صورة من صور الوسطية إلا أنه إذا كان هناك مقتضى لتغليب أحدهما فإنه يغلبه وإلا فالأصل استوائهما ، وذلك كما إذا كان العبد يعالج سكرات الموت فلابد من تغليب جانب الرجاء حتى يحصل له إحسان الظن بربه كما في الحديث : ( ( أنا عند ظن عبدي بي ) ) ، وفي الحديث الآخر : ( ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه ) ) ، وطريق إحسان الظن تغليب الرجاء ، ومثال آخر : عند التوبة من الذنوب والمعاصي فإنه لابد أن يغلب جانب الرجاء ، ومثال آخر : عند تحديث النفس بفعل شيء من الذنوب فإنه لابد أن يغلب جانب الخوف لتنزجر النفس عن ذلك ، وعلى ذلك فقس ، وبه تعلم أن الخشية إنما هي اجتماع الخوف والرجاء ، والله أعلم .
س49 : ما قاعدة أهل السنة والجماعة في الأيْمان ؟ مع بيان الدليل عليها .
ج49: القاعدة عندهم في الأيمان تقول : ( لا يجوز الحلف إلا بالله أو صفة من صفاته ) ، وبعضهم يزيدها إيضاحًا ويقول : ( لله أن يحلف بما شاء من مخلوقاته وليس للعبد أن يحلف إلا بالله أو صفةٍ من صفاته ) ، ودليلها قوله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) ) ، وحديث : ( ( لا تحلفوا بآبائكم ، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ) ) ، وعن قتيلة أن يهوديًا أتى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة ، فأمرهم النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا : ( ( ورب الكعبة ) ) ، وأن يقولوا : ( ( ما شاء الله وشئت ) ) رواه النسائي وصححه ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( ( لا تحلفوا بآبائكم ومن حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله فليرضى ومن لم يرضى فليس منا ) ) رواه ابن ماجه بإسنادٍ حسن ، وقال ابن مسعود [ رضي الله عنه ] : ( ( لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا ) ) ؛ وذلك لأن الحلف بالله كاذبًا معصية والحلف بغير الله شرك وإن كان صادقًا ، ومن الأدلة أيضًا الإجماع المنعقد على المنع من الحلف بغير الله تعالى ولا عبرة بمن قال بغير ذلك لمخالفته لهذه النصوص الصريحة الصحيحة ، والله أعلم .
س50: ما حكم الحلف بغير الله تعالى - بالتفصيل - ؟ وما كفارة ذلك ؟ مع الدليل .
ج50: من حلف بغير الله تعالى فإنه قد وقع في الشرك الأصغر ، إلا أنه إن كان قد صاحب حلفه تعظيم كتعظيم الله تعالى فإنه في هذه الحالة يكون قد وقع في الشرك الأكبر ، كما يفعله عباد القبور والأولياء فإن أحدهم إذا أراد أن يحلف كاذبًا فإنه يحلف بالله تعالى ، وإذا أراد أن يغلظ الأيمان ويبر فيها ويظهر أنه صادق فإنه يحلف بوليه الذي يعظمه ، وهذا عين الشرك الأكبر ولاشك ، ومن حلف بغير الله تعالى فإن كفارة ذلك أن يقول : لا إله إلا الله ، لحديث : ( ( من حلف فقال واللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله ) ) وهو في الصحيح ؛ وذلك لأنه بهذا الحلف قد جرح توحيده بالشرك فلابد من جبر ذلك الجرح إن كان الشرك أصغرًا ، أو يكون بذلك مجددًا إسلامه إن كان أكبرًا ، والله أعلم .
س51: هل لك أن تمثل لنا على نماذج من الحلف بغير الله تعالى ؟
ج51: نعم على الرحب والسعة ، فمن ذلك : الحلف بالنبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيقول : والنبي ، وليس بحجةٍ علينا أنه مما يجري على اللسان من غير قصد أو أنه نشأ في بلدة يحلف أهلها بذلك فإن الإنسان متعبد بما جاء به النص لا بما وجد عليه أهل بلده .
ومن ذلك : الحلف بالأمانة فيقول : والأمانة . أو كالحلف بالشرف ، فيقول : وشرفي ، أو وشرف أبي أو أمي . أو كالحلف بالبدوي ، أو زينب ، أو الحسن ، أو برأس أحدٍ من المخلوقين ، أو بالعهد والميثاق ، أو بالكعبة ، أو بمقام إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ، أو بتربة القبر الفلاني ، أو بالعيش والملح ، أو يقول : وحياتك يا فلان أو وحياتي ، ونحو ذلك .
كله محرم وشرك ؛ لأن الحلف عبادة فلا يعقد إلا بالله تعالى ولما مضى من الأدلة ، والله أعلم .
س52: ما حكم الحلف بآيات الله ؟ مع الدليل .
ج52: هذا السؤال مجمل ، وجوابه لابد فيه من التفصيل فأقول :
إن كان يريد بالآيات أي الآيات الكونية كالشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والليل والنهار ، فهذه الأشياء مخلوقة ، وقد تقرر لنا أنه لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات ، وأما قوله تعالى : ﴿ والشمس وضحاها . والقمر إذا تلاها ﴾ ، وقوله : ﴿ والفجر . وليال عشر ﴾ ، وقوله : ﴿ والضحى ﴾ ، ونحو ذلك مما ورد في القرآن فإن هذا القسم صادر من الله تعالى ولله أن يحلف بما شاء من مخلوقاته ، وأما المخلوق فإنه لا يجوز له أن يحلف إلا بالله أو صفةٍ من صفاته ، وربنا جل وعلا لا يدخل تحت الأحكام الشرعية حتى نقول : هذا واجب عليه أو هذا محرم عليه - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - .
وأما إذا كان يقصد بالآيات أي الآيات الشرعية أي القرآن فإنه آيات ، كما قال تعالى : ﴿ بل هو آيات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ﴾ ، فحلفه بها حينئذٍ جائز باعتبار أن هذه الآيات من كلام الله تعالى وكلامه تعالى صفة من صفاته ، وقد تقرر أنه يجوز الحلف بالصفة ، وبهذا التفصيل يفهم الجواب - إن شاء الله تعالى - ، والله أعلم .
س53: ما حكم قول بعض الناس : ( في ذمتي ) ؟
ج53: إن كان يقصد بها عقد اليمين فهذا لا يجوز ؛ لأن الذمة مخلوقة ، وقد تقرر لنا أنه لا يجوز الحلف بالمخلوق ، وإن كان لا يقصد بها عقد اليمين وإنما يقصد أنه يتحمل حقيقة الخبر إن كان كذبًا فهذا لا بأس به ، ولكن الغالب يشكل عليهم هذا اللفظ ولا يفهمون منه إلا أنه حلف فالواجب الكف عن التلفظ به والعدول عنه إلى الأيمان التي لا إشكال فيها ؛ لأن ذلك من حماية جناب التوحيد ، والله أعلم .
س54: ما حكم الإكثار من الحلف ؟ ولماذا ؟ مع بيان الدليل .
ج54: الإكثار من الحلف منافٍ لكمال تعظيم الله تعالى واحترام أسمائه وصفاته ؛ وذلك لأن الحلف به أمر عظيم فلا ينبغي أن يقال إلا على تأكيد الأشياء العظيمة المهمة وأما سفاسف الأمور وترهات الأقوال فإنه ينبغي تنزيه أسماء الله وصفاته أن تذكر لتأكيد مثل ذلك ، والواجب على المسلم تعظيم الله تعالى واحترام أسمائه وصفاته ، ولذلك فإنه لم يرد في القرآن أن الله تعالى أمر نبيه أن يحلف به إلا على الأشياء العظيمة كأمر المبعث والمعاد وصدق القرآن ، قال تعالى : ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ ، فإنه قيل في أحد تفاسيرها أي لا تكثروا منها ، وفي الصحيح عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( ( الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب ) ) ، وعن سلمان [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : أشيمط زان ، وعاقل مستكبر ، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه ) ) رواه الطبراني بسند صحيح ، ومن عمق فهم السلف وتعظيمهم لله جل وعلا أنهم كانوا يضربون صغارهم على الشهادة والعهد كما قاله إبراهيم النخعي - رحمه الله تعالى - ، واليمين نوع من الشهادة ، فهذا فيه التربية على تعظيم الله واحترام أسمائه وصفاته ، والله أعلم .
س55: عرف التمائم ؟ وما أقسامها ؟ وحكم كل قسم ؟ مع الدليل .
ج55: التمائم لها تعريفان : تعريف بالحد الجامع المانع ، وتعريف بضرب المثال .
فأما تعريفها بالاعتبار الأول : فهي كل ما يعلق أو يوضع ويعتقد فيه أن يجلب خيرًا أو يدفع شرًا .
وأما تعريفها بالاعتبار الثاني: فقيل: هي مايعلق على الصبيان يتقون به العين. وقيل: هي ما يعلق في رقاب الدواب التي يخشون من إصابتها بالحسد لجمال صفاتها. وقيل: هي ما يوضع في الدار لاتقاء شر الحاسدين أو اتقاء الجن والشياطين وكل ذلك تعريف لها بضرب المثال .
وأما أقسامها : فاعلم أنها قسمان : تمائم من القرآن ، وتمائم شركية .
فأما التمائم الشركية ، فهي التي اشتملت على الاستعانة بالجن والاستغاثة بالشياطين والاستعاذة بهم من الشر أو احتوت على طلاسم وكتابات لا تعرف ولا يدرى عن المقصود بها ، فهذه لاشك أنها حرام وشرك ، والدليل على ذلك قوله تعالى : ﴿ قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ﴾ ففي هذه الآية دليل على بطلان الشرك ولبس الحلقة والخيط من ذلك لا يكشف الضر ولا يمنع منه ولا يجلب الخير وليس بسببٍ فيه .
وعن ابن مسعود [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( ( إن الرقى والتمائم والتولة شرك ) ) رواه أبو داود وأحمد وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ، وهو نص صريح صحيح في هذه المسألة .
وعن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في بعض أسفاره فأرسل رسولاً : ( ( ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وترٍ أو قلادة إلا قطعت ) ) رواه مسلم .
وعن عمران بن حصين - رضي الله عنهما - أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] رأى رجلاً في يده حلقة من صفرٍ فقال : ( ( ما هذه ) ) ؟ قال : من الواهنة . فقال : ( ( انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا ) ) رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي .
ولأحمد بسنده عن عقبة بن عامرٍ مرفوعًا : ( ( من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ) ) ، وفي رواية : ( ( من تعلق تميمة فقد أشرك ) ) .
ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى : ﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ .
وعن عبدالله بن حكيم مرفوعًا : ( ( من تعلق شيئًا وكل إليه ) ) .
وروى أحمد وأبو داود عن رويفع [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( ( يا رويفع لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابةٍ أو عظم فإن محمدًا برئ منه ) ) .
فهذه الأدلة الصحيحة الصريحة فيها الدلالة القاطعة على تحريم هذه المعلقات وأنها من الشرك ، وقد انعقد الإجماع على تحريم التمائم الشركية ولله الحمد والمنة .
وأما التمائم من القرآن ، ففيها شيء من الخلاف ، فقيل بجوازها ، وقيل بالمنع ، ومن القائلين بالمنع ابن مسعود وغيره ، والقول بالمنع هو الصحيح وذلك لما يلي :
الأول : عموم الأدلة الواردة في ذلك ، كما في قوله : ( ( إن الرقى والتمائم والتولة شرك ) ) ، فقوله : ( ( التمائم ) ) جمع دخلت عليه الألف واللام ، وقد تقرر في القواعد أن الألف واللام الداخلة على المفرد والجمع تفيده العموم أي الاستغراق ، فيدخل في كل ذلك كل التمائم ، وكقوله : ( ( من تعلق تميمة فقد أشرك ) ) ، فقوله : ( ( من تعلق ) ) هذا شرط ، وقوله : ( ( تميمة ) ) نكرة ، وقد تقرر في القواعد أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم ، فيصدق ذلك الوصف وهو الشرك على كل من تعلق تميمة من غير تفصيل بين تميمة وتميمة ، وكقوله : ( ( لا يبقين في رقبة بعير قلادة ) ) ، فقوله : ( ( لا يبقين ) ) نفي ، وقوله : ( ( قلادة ) ) نكرة ، وقد تقرر في القواعد أن النكرة في سياق النفي تعم ، وقد يكون بعض هذه القلائد قد عقد فيها قرآن ، وكقوله : ( ( من تعلق شيئًا ) ) وهذا نكرة في سياق الشرط وقد تقرر أنه يفيد العموم .
وأيضًا يقال : هذه الأقوال خرجت عامة من غير استفصال بين تميمة وتميمة ، وقد تقرر في القواعد أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال منزل منزلة العموم في المقال .
إذا علمت هذا فاعلم أن القاعدة تقول : الأصل هو البقاء على العموم حتى يرد المخصص ، ولم يرد ما يصلح أن يكون مخصصًا لهذه العمومات ، فالواجب هو البقاء على دلالة عمومها وعدم التعرض لها بتخصيص ، والله أعلم .
الثاني : أن القول بمنع التمائم من القرآن فيه إعمال للقاعدة المتفق عليها وهي قاعدة سد الذرائع المفضية إلى الحرام ، والقول بجوازها فيه فتح لباب التمائم الشركية ، فإن معلقها قد يأتيه الشيطان ويقول : إن هذه لا تنفع وعليك بالتميمة الفلانية إن كنت تريد النفع ، فسدًا لهذا الباب منعت التمائم كلها من القرآن وغير القرآن .
الثالث : أن معلق التمائم من القرآن لابد أن يتعلق قلبه بها ولو مطلق التعلق ، وهذا منافٍ لمقصود من مقاصد الشريعة ، وهو وجوب انصراف تعلق القلب بكليته بالله تعالى فسدًا لذريعة تعلق القلب بهذه الخيوط والخرزات والودع والأوراق منعت التمائم بجميع أنواعها .
الرابع : أن القول بجواز التميمة من القرآن فيه فتح لباب إهانة كلام الله تعالى ؛ لأن معلقها قد يدخل بها الخلاء وهو ناس أو يشق عليه نزعها دائمًا أو يحر بها مجالس الغفلة واللهو واللغو والحرام ، أو تكون على صغير أو دابة فتتلوث بشيء من النجاسات من بولٍ أو غائط ، فسدًا لذريعة إهانة كلام الله تمنع التمائم من القرآن .
فلهذه الأوجه ترجح المنع في هذا النوع من التمائم ، لكن يكفيك الوجه الأول وما بعده كالمؤيد له فقط ، والله أعلم .
س56: هل قوله [ صلى الله عليه وسلم ] في الأحاديث السابقة : ( ( فقد أشرك ) ) ، وقوله : ( ( إن الرقى والتمائم والتولة شرك ) ) ، يريد به الشرك الأكبر فيمن علق التمائم أم الشرك الأصغر ؟
ج56: قد يكون هذا وقد يكون هذا ، وذلك باختلاف اعتقاد معلقها ، فإن كان يعتقد أنها تجلب الخير أو تدفع الشر بذاتها فهذا هو الشرك الأكبر وهو شرك في الربوبية ، وإن كان يعتقد أن الله هو الذي يجلب الخير ويدفع الشر وأن هذه التمائم سبب من أسباب دفع البلاء أو جلب النعماء فهذا شرك أصغر ، وذلك لسببين :
أحدهما : أنه اعتقد سببًا ما ليس بسبب لا شرعًا ولا قدرًا .
الثاني : أنه وسيلة للشرك الأكبر ، وقد تقرر أن كل وسائل الشرك الأكبر فشرك أصغر ، والله تعالى أعلى وأعلم .
س57: ما الرقى ؟ وما أنواعها ؟ مع بيان شروط الرقية الشرعية ؟ وتوضيح ذلك بالأدلة ؟
ج57: الرقى : هي التي تسمى العزائم ، وهي قراءة القرآن والأدعية المباحة على المصاب بمرضٍ ونحوه .
وهي نوعان : رقى شركية ، ورقى شرعية .
فأما الرقى الشركية ، فهي ما كانت مشتملة على تمتمات غير معلومة المعنى أو اشتملت على الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة بالشياطين ليرفعوا أثرهم عن المصاب ونحو ذلك ، وهذا النوع لاشك في تحريمه وأنه من الشرك كما في الحديث السابق : ( ( إن الرقى والتمائم والتولة شرك ) ) ، والمراد هنا الرقى الشركية التي ضربت لك بعض الأمثلة عليها ، وفي الحديث : ( ( اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا ) ) .
وأما الرقى الشرعية ، فهي ما خلت عن الشرك ، كالرقية بالقرآن والأدعية الصحيحة المباحة ، وقد ثبت النص بالترخيص فيها كما في قوله : ( ( لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا ) ) ، وحديث : ( ( لا رقية إلا من عين أو حمة ) ) ، وقد رقى جبريل النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بالحديث المعروف : ( ( باسم الله أرقيك ... ) ) إلخ ، وقال - عليه الصلاة والسلام - لجارية بها صفرة : ( ( استرقوا لها فإن بها النضرة ) ) ، وغير ذلك من الأدلة .
وقد اشترط جمع كبير جدًا من العلماء حتى ذكرها بعضهم إجماعًا لندرة المخالف في ذلك للرقية الشرعية ثلاثة شروط :
الأول : أن تكون بكلام الله تعالى وما صح وأبيح من الأدعية الواردة في ذلك أو غيرها إذا كان معناه صحيحًا .
الثاني : أن تكون باللسان العربي .
الثالث : أن يعتقد القارئ والمقروء عليه أن هذه الرقية لا تشفي بذاتها وإنما هي سبب من أسباب الشفاء والشافي في الحقيقة هو الله تعالى ، والله تعالى أعلم .

التبرك والكهانة

س58: عرف التبرك؟ وما الأصل فيه؟ مع بيان الدليل.

ج58: التبرك: هو طلب البركة ورجاؤها واعتقادها.

والأصل فيه التوقيف على ورود الدليل، بمعنى أنه لا يجوز اعتقاد البركة أو تسويغ طلبها من شيء إلا وعلى ذلك دليل صحيح صريح، والدليل على ذلك هو أن وجود البركة في مكانٍ أو زمانٍ أو شخصٍ من الأمور الغيبية التي لا تدرك بالعقل، وقد تقرر في القواعد أن أمور الغيب مبناها على التوقيف، مع ما سيأتي من الأدلة في قيد الأسئلة عن التبرك - إن شاء الله تعالى -، والله أعلم.

س59: ما القاعدة عند أهل السنة في اعتقاد البركة في الذوات والأماكن والأزمنة؟ مع بيان معانيها.

ج59: القاعدة عندهم تقول:

- الأصل في بركة الذوات التوقيف على الدليل.

- الأصل في بركة الأماكن التوقيف على الدليل.

- الأصل في بركة الأزمنة التوقيف على الدليل.

ومعناها أن يقال: إنه لا يجوز اعتقاد أن هذه الذات أو هذا المكان أو هذا الزمان مبارك إلا وعلى ذلك الاعتقاد دليل من كتاب الله تعالى أو صحيح سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأمر التبرك كله مبناه على التوقيف كما مضى، والله أعلم.

س60: هل ورد الدليل الصحيح في ذات أحدٍ من الناس أنها مباركة؟ نرجو توضيح ذلك بالأدلة.

ج60: نعم قد ورد الدليل بذلك: وهو ذاته -صلى الله عليه وسلم-، فذاته -صلى الله عليه وسلم- ذات مباركة، فيجوز طلب البركة من ذاته وآثاره، وذلك قد صحت به النصوص الكثيرة:

فمن ذلك: تبرك الصحابة بفضل وضوئه وبنخامته كما في الصحيح في حديث صلح الحديبية: (ما تنخم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نخامة إلا وقعت في كف رجلٍ منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه).

ومن ذلك: تبركهم بالماء الذي غمس فيه يده، فقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناءٍ إلا غمس يده فيه فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيه).

ومن ذلك: التبرك بشعره -صلى الله عليه وسلم-، ففي صحيح مسلم عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى فنحر ثم قال للحلاق: ( خذ ) وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس.

ومن ذلك: التبرك بعرقه -صلى الله عليه وسلم-، ففي صحيح مسلم عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأتت فقيل لها: هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- نام في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها ففزع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( ما تصنعين يا أم سليم ) فقالت: يا رسول الله نرجوا بركته لصبياننا. قال: ( أصبت ).

وقد ورد الدليل الصحيح بإثبات جواز التبرك بفضل طيبه وبثيابه وبفضل شربه، فهذه الأدلة تفيد إفادة قطعية أن ذاته -صلى الله عليه وسلم- مباركة، وهذا الذي نعرفه من الأدلة، ويبقى ذات غيره من الإنس على حالها لا يجوز ادعاء البركة فيها، ولذلك فالضابط عندنا يقول: لا يجوز التبرك بذات أحدٍ إلا بذاته -صلى الله عليه وسلم-، والله أعلم.

س61: ما حكم طلب البركة من بعض الأشجار أو الأحجار؟ مع الدليل.

ج61: طلب البركة من بعض الأشجار أو الأحجار محرم وشرك، قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ﴿19﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴿20﴾ ﴾ [النجم: 19، 20]، وهذا إنكار من الله تعالى على عباد هذه الأوثان، وهم عبدوها لينالوا شفاعتها وأن تقربهم إلى الله زلفى ويتبركون بها فأنكر الله تعالى عليهم ذلك وهو إنكار يتضمن النهي عن الاعتقاد في هذه الأوثان، ويدخل في ذلك ضمنًا النهي عن التبرك بالأشجار والأحجار وأنه شرك، فاللات يقاس عليه التبرك بالقبور، والعزى ومناة يقاس عليه التبرك بالأشجار والأحجار، وعن أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى حنين ونحن حدثاء عهدٍ بكفرٍ وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال -عليه الصلاة والسلام-: ( الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ ﴾ [الأعـراف: 138]، لتركبن سنن من كان قبلكم ) رواه الترمذي بسندٍ صحيح، وهذا دليل واضح في النهي الأكيد عن طلب البركة من الأشجار والأحجار وأنه شرك، لكن إن قلت: هل هو شرك أصغر أم شرك أكبر؟ أقول: هذا على حسب اعتقاد طالب البركة منها، فإن كان يعتقد أنها تعطيه البركة بذاتها وأن لها تصرفًا خفيًا بذلك فهذا شرك أكبر منافٍ لأصل الإسلام، ولو مات صاحبه عليه فإنه من الخالدين أبدًا في النار - والعياذ بالله -، وأما إن كان يجعلها سببًا فقط في تحصيل البركة فهذا شرك أصغر لأنه اعتقد سببًا ما ليس بسبب شرعًا ولا قدرًا ولأنه وسيلة إلى الشرك الأكبر، والله أعلم.

س62: ما معنى بركة المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى؟

ج62: هذا سؤال مهم جدًا وبسبب الجهل بجوابه حصل كثير من الشرك، وبيان الجواب أن يقال: إن بركة هذه الأماكن معناه مضاعفة الأجر للمتعبد فيها وما يحصل له من الأمن كما قال تعالى عن المسجد الحرام: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ﴾ [آل عمران: 97]، فبركتها بركة معنوية أو نقول بركة لازمة ليست بمنتقلة ولا بمتعدية، أي أنها ليست بركة ذاتية كبركة ذات النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هي بركة لازمة معنوية، وبناءً عليه فإن من يتمسح بأستار الكعبة ظنًا منه أن البركة ستنتقل إلى بدنه فإنه أتي من قبل جهله وقلة فهمه، وفعله هذا بدعة، وكذلك من يقبل أعمدة المسجد الحرام أو مسجد المدينة، ويتمسح بمقام إبراهيم أو يقبله أو يمسح عليه بيديه ثم يضعهما على وجهه وصدره ظنًا منه أنه بذلك قد انتقلت البركة إليه فإنه ضال مبتدع مخطئ، وكذلك من يستلم الحجر الأسود أو الركن اليماني بيديه ثم يمرها على صدره ووجهه أو على وجه صغير معه وصدره، كل ذلك من البدع المنكرة، لا إنكارًا لبركة البقعة ولكن لأن بركة هذه البقعة بركة لازمة معنوية لا ذاتية منتقلة، وكذلك من يتمسح بالأعمدة أو الفرش الموضوعة في الروضة الشريفة ظنًا أن بركة هذه الروضة ستنتقل إليه إذا فعل ذلك، فإنه ليس على الصراط المستقيم في هذا الفهم، وكذلك ما يفعله بعض الحجاج أو المعتمرين من أنهم يغسلون متاعهم ونقودهم وثيابهم التي عليهم بماء زمزم ظنًا منهم أنها بذلك ستحلها البركة، فهذا ليس بصحيح ؛ لأن بركة ماء زمزم في شربه فقط، والمقصود أن بركة هذه الأماكن المذكورة في السؤال إنما هي بركة لازمة معنوية لا أنها بركة ذاتية منتقلة، والله أعلم.

س63: هل يجوز إطلاق لفظ "تبارك" على غير الله تعالى؟

ج63: لا يجوز ذلك ؛ لأن واضع البركة هو الله تعالى، فلا يقال: تباركت علينا يا فلان، ولا يقال: فلان بارك بحضوره هذا المشروع، أو بارك هذا الحفل، كل ذلك من الإطلاقات المحرمة، والله أعلم.

س64: ما معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم

ج64: أقول: معنى ذلك أن كل مسلم فيه بركة، لكن ليست هي البركة الذاتية المنتقلة ؛ لأن هذه البركة من خصائص بنينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وإنما المقصود أنها بركة عمل واعتقاد ؛ وذلك لأنه يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ولما يحمله في قلبه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وما يفعله بجوارحه من العبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج ونحوها، فالمراد ببركة المسلم أي بركة اعتقاد وعمل، ومن ذلك قول أسيد بن الحضير: " ما هي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر"، وتزاد هذه البركة كلما قوي الإيمان واجتهد العبد في العبادة من تحصيل العلم النافع والعمل الصالح، والله أعلم.

س65: هل يجوز التبرك بآثار النبي -صلى الله عليه وسلم- من لباسٍ وشعرٍ بعد وفاته؟ أم أن ذلك مخصوص بحياته فقط؟

ج65: بل يجوز ذلك حتى بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- ؛ وذلك لأن الصحابة والتابعين كانوا يتبركون بهذه الأشياء بعد وفاته - عليه الصلاة والسلام - فقد ثبت في الصحيح أن أسماء كانت عندها جبة النبي -صلى الله عليه وسلم- تغمس في الماء ويسقى لمن به عين أو وجع فيبرأ - بإذن الله تعالى -، وقد كانت هذه الجبة عند عائشة - رضي الله عنها - وقد كانت أم سلمة عندها شيء من شعرات النبي -صلى الله عليه وسلم- في جلجلٍ من فضة، فإذا أصاب أحدهم وجع يأتيها بإناءٍ فيه ماء فتخضض له الشعر فيه فيشربه فيشفى - بإذن الله تعالى -، والحديث في البخاري وغيره.

ويقول محمد بن سيرين - رحمه الله تعالى -: "عندنا شعرة من شعر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصبناها من أنس، أو من قبل أهل أنس".

وعلى ذلك جرى عملهم من غير نكير، وهذا دليل على جواز التبرك بآثاره -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته إلا أنه ينبغي أن تعلم أن هذه الآثار قد فقدت كلها في أزمنة متقدمة فما بالك بزمننا هذا، فكل من يدعي أن عنده شيء من شعره أو ثيابه أو نعليه أو خاتمه فإنه كاذب في هذه الدعوى، وإنما مراده إفساد الاعتقاد ونشر البدعة وانتهاب الأموال، فانتبه لهذا الأمر ولا يغرنك الذين لا يستحون على وجوههم من مثل هذه الدعاوى البينة البطلان الظاهرة الزيف، والله أعلم.

س66: هل يجوز قول القائل لمن زاره من الصالحين: زارتنا البركة ؟

ج66: هذا فيه تفصيل فإن كان يقصد بركة الذات فهذا لا يجوز ؛ لأن بركة الذات من خصائصه -صلى الله عليه وسلم- فليس أحد بوركت ذاته إلا هو -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان يقصد بذلك بركة العمل والاعتقاد أي أن هذا الزائر عنده أعمال صالحة واعتقادات موافقة للكتاب والسنة، فتقول ذلك وتقصد بركة هذه الأعمال والاعتقادات فهذا لا بأس به، لكن أقول: إذا كان اللفظ فيه شيء من الالتباس على بعض السامعين فالأسلم العدول عنه إلى غيره من الألفاظ سدًا لذريعة التخبط في الفهم وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.

س67: ما رأيك فيما يفعله بعض الصوفية مع مشايخهم؟

ج67: أقول: هذا باب واسع، قد اتسع فيه الخرق على الراقع وقد عمت البلوى في كثير من بلاد الإسلام والعرب وغيرها بهؤلاء المشايخ الذين هم في الحقيقة مشايخ الضلال والبدعة، فإنهم يأمرون أتباعهم بتعظيمهم التعظيم الزائد على الحد المشروع حتى يعتقد المريد أن شيخه هو البركة بعينها، فتراه يتمسح به أو بآثاره ويضفي عليه العصمة ويقبل الصادر والوارد منه بلا تفكير ولا مناقشة وهذا كله ضلال وبدعة، بل قد يصل بصاحبه في كثير الأحيان إلى الشرك المخرج من الملة، فالواجب نصح هذه الطائفة وكشف الشبه عندهم ودعوتهم إلى الاعتقاد الصحيح، وهذا واجب عيني على أهل العلم، أعانهم الله على القيام به خير القيام، والله أعلم.

س68: من الكاهن؟ وما حكمه؟ وما حقيقة الكهانة؟

ج68: الكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل اعتمادًا على الاستعانة بالشياطين.

وأما حكمه: فهو مشرك بالله جل وعلا الشرك الأكبر ؛ وذلك لأنه يستخدم الجن ولا يمكن أن تخبره الجن بالمغيبات إلا إذا تقرب إليها بأنواع العبادات، وهذا من استمتاع الجن بالإنس الداخل في قوله تعالى: ﴿ اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ [الأنعام: 128]، فالكاهن يستمتع بما تخبره به الشياطين من الأمور الغيبية والشياطين تستمتع بما يتقرب لها من أنواع العبادات، وكانت الكهانة منتشرة في بلاد العرب في الجزيرة وغيرها.

وحقيقة الكهانة: أنها صنعة مضادة لأصل التوحيد لما فيها من تصديق الجن فيما تخبره به من الغيب، فهي مضادة كل المضادة لقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [النمل: 65]،، ولقوله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿26﴾ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ...... ﴾ الآية [الجن: 26، 27]، فالكاهن لابد لكي يخدموا بذكر الأمور المغيبة لهم أن يتقربوا إلى الجني ببعض العبادات إما بالذبح أو الاستغاثة أو بالكفر بالله بسب المصحف أو إهانته ونحو ذلك، حتى ترضى عليهم الشياطين، فتخبرهم ببعض الأمور الغائبة، فهم دجالون كذابون أفاكون يعتمدون في مثل هذه الأخبار على نقل الدجالين الكذابين الأفاكين، والله أعلم.

س69: ما حكم الإتيان إليهم بالتفصيل والتدليل؟

ج69: الإتيان إليهم لا يخلو: إما أن يكون لفضح حالهم والإنكار عليهم وبيان تناقضهم وللأخذ على أيديهم أو للتحقق من حالهم ومعرفة حقيقة أمرهم، فهذا مأمور به لأنه من جملة الإنكار، بل هو من الواجبات على من أعطاه الله نفوذًا وسلطانًا على الإنكار باليد أو اللسان، وهو من أعظم القربات - جزى الله فاعله خير الجزاء أن يريح الأمة من هذه الطائفة العفنة -، فهذا هو حالة الأولى.

وأما الحالة الثانية: أن يأتيهم يسألهم لمجرد الاطلاع على صنعتهم ولا ينوي شيئًا مما ذكرناه في الحالة الأولى ولا يصاحب ذلك الاطلاع والسؤال تصديق فيما يخبرون به من الغيب، فهذا الإتيان محرم وكبيرة من كبائر الذنوب وموجب للعقوبة لما فيه من تعريض التوحيد للخطر، ولأنه وسيلة من وسائل الوقوع في حبائلهم والاغترار بحالهم، ولما فيه من فتح الذهاب إليهم واغترار الجهال بما هم عليه من الكفر والشرك، ولأنه إذا لم ينكر هذا المنكر بما يقدر عليه من مراتب الإنكار فإنه يكون بذلك قد ترك واجبًا ومن ترك واجبًا فإنه لزامًا يقع في الحرام ؛ لأن ترك الواجب وقوع في المحرم.

وأما الحالة الثالثة: فهي أن يأتيهم فيسألهم عن شيء فيصدقهم فيما يقولون، فهذا قد ارتكب جرمًا أشد من الذي قبله في الحالة الثانية وقد ورد الدليل الصحيح الصريح بأنه بذلك السؤال والتصديق لا تقبل له صلاة أربعين يومًا، وبأنه كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-، فقد روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( من أتى عرافًا فسأله عن شيءٍ فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا )، فهذا الحديث عقوبته مشروطة بالتصديق.

وعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- ) رواه أبو داود وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- ).

وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- ).

وهاهنا تنبيهان:

الأول: قوله: ( فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- ) اختلف العلماء في ذلك الكفر، هل هو الأكبر أم الأصغر؟ والأقرب - إن شاء الله تعالى - أنه الكفر الأصغر أي ليس هو الكفر الناقل عن الملة، بل هو الكفر المنافي لكمال التوحيد الواجب ؛ وذلك لأنه في الحديث الذي رواه مسلم قال: ( لم تقبل له صلاة أربعين يومًا )، فهذا التقييد فهم أن الكفر هنا هو الكفر الأصغر ؛ لأنه لو كان يريد الأكبر لما حده بأربعين يومًا ؛ لأن الكفر الأكبر لا يقبل معه صلاة مطلقًا ؛ لأن من شرط القبول الإسلام، ولأنه يجب الجمع بين الأحاديث ما أمكن وهذا القول الذي ترجح هو الذي يجمعها ؛ ولأن تصديق الكاهن فيه نوع شبهة تمنع من تكفير مصدقه الكفر الأكبر، فإن قلت: لماذا لا يحمل الحديث الذي في صحيح مسلم على الحالة الثانية وهو السؤال المجرد عن التصديق؟ فأقول: المانع من ذلك هو قوله في هذا الحديث: ( فسأله عن شيء فصدقه )، وهذا قيد فيه هذه العقوبة، وقد تقرر في القواعد أن إعمال الكلام أولى من إهماله، فلا يجوز إلغاء ذلك القيد ؛ لأنه لا يجوز إلغاء شيء من كلام الشارع، ولا غرابة أن يأتي هذا اللفظ أعني قوله: ( فقد كفر بما أنزل على محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- ) مرادًا به الكفر الأصغر، وذلك كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- ) وسنده حسن صحيح.

فالأظهر أن كفره كفرًا أصغر وليس بأكبر، والله أعلم.

الثاني: قوله: ( لم تقبل له الصلاة أربعين يومًا ) لا يراد به أنه يتركها بالكلية، وإنما المقصود من ذلك ذهاب الأجر لكنه يجب عليه أداؤها ويسقط عنه الغرض بذلك، لكن لا أجر له فيها عقوبة ونكالاً له على جريمته وتعديه لحدود الله تعالى، وفيه دليل أيضًا على أن مصدقهم لا يكفر الكفر الأكبر لإلزامه بفعل الصلاة وإنما الذاهب عليه أجرها، ولو كان كافرًا الكفر الأكبر لما قبلت منه مطلق القبول، وقوله: ( أربعين يومًا ) فيه دليل على أن هذه العقوبة مؤقتة بوقت ثم يزول أثرها بانتهاء وقتها، مما يدل أيضًا على أن المراد الكفر الأصغر لا الأكبر كما قدمنا، والله أعلم.

فهذا هو تفصيل الحكم في الإتيان إليهم مقرونًا بالدليل والتعليل، والله أعلم.

س70: ما أصناف الكهانة؟ وما الجامع فيها؟

ج70: أقول: أصناف الكهانة كثيرة، فمنها: ما يكون بالنظر في النجوم، ومنها: ما يكون بالخط أو عن طريق الفنجان أو عن طريق الطرق أو عن طريق الودع أو عن طريق قراءة الكف أو عن طريق ضرب الرمل أو عن طريق قراءة ما في الضمير أو عن طريق الحصى أو عن طريق النظر في الزجاج أو الماء أو عن طريق صب الرصاص المذاب أو عن طريق النظر في البروج كبرج الأسد والثور والعقرب والجدي ونحوها مما هو مشهور في كثير من المجلات أو عن طريق حروف "أباجاد" كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوم يكتبون "أباجاد" وينظرون في النجوم فقال: " ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق ".

وكل هذه الطرق مبنية على الدجل والخرافة والتغرير، فإن هذه الأشياء إنما يتخذها الكهان للتدجيل وتغرير من يأتيهم بأنهم أصحاب على وإلا فالأخبار التي يخبرون بها ليست عن طريق هذه الأشياء في الحقيقة وإنما هي عن طريق شيطاينهم، ولذلك فالجامع في الكهانة أنها التدخل في ادعاء علم الغيب عن طريق ما يتلقفه الكاهن من أفواه الشياطين مع اتخاذه بعض الوسائل الظاهرة للخداع والتغرير، والله أعلم.

س71: كيف يعرف الكاهن؟

ج71: أقول: يعرف الكاهن بأمور كثيرة:

منها: أنه غالبًا يسأل عن اسم الأم أو أحد الأقرباء.

ومنها: أنه غالبًا ما يطلب بعض آثار المريض من ثياب أو ملابس داخلية كسراويل ونحوها.

ومنها: أنه يعرف أيضًا باستخدام بعض الطرق الذي مر ذكرها في إجابة السؤال الماضي.

ومنها: يعرض أيضًا بادعائه التطبب بالقرآن وهو لا يصلي ولا يرى في المساجد.

ومنها: أنه غالبًا ما يأمر المريض بذبح شيء من الأنعام أو غيرها مما يؤكل من الحيوانات بشروط يمليها على المريض.

ومنها: أنه يخبر المريض عن أشياء لم يخبره بها المريض ولا يعرف شيئًا عن حاله سابقًا أو يخبر المريض عن أشياء خاصة جدًا لا يطلع عليها إلا خواص الإنسان.

ومنها: أن يُسمَع منه تمتمات وعبارات لا يفقه معناها.

ومنها: أن بعضهم لا يعالج إلا في غرفة مظلمة.

ومنها: إعطاء المريض بعض الأوراق التي فيها كتابات لا تقرأ وعبارات هي كالألغاز التي لا تفهم أو فيها بعض الأسماء الغريبة، وغالبًا ما يكون اسم الشيطان الذي يستعين به.

ومنها: أمر المريض بعدم قراءة القرآن عند المجيء إليه وذلك حتى لا يفر الشيطان الذي يستعين به، بل وبعضهم ينهى المريض عن الصلاة في يوم العلاج وبعضهم ينهاه عن التسمية عند إرادة الدخول عليه في مكان علاجه.

ومنها: تردده الكثير على الخرب والأماكن المهجورة ؛ وذلك لأنها غالبًا ما تكون محتضرة تكثر فيها الشياطين أو ليضع فيها عقده وأوراقه لأنها مكان لا يأتيه أحد.

ومنها: صرف بعض الأعشاب والتدخينات العجيبة لتدخين البيت والغرف بها في أوقاتٍ معينة بطريقة خاصة يخبره الكاهن بها.

ومنها: عدم حرصه على شعائر الإسلام الظاهرة مع تلبسه ببعض المنكرات والمعاصي وهو يدعي أنه يعالج بالقرآن وغير ذلك من العلامات: وبالجملة فمعرفة أولياء الشيطان له علامات كثيرة يعرفون بها لا تخفى على من له أدنى علم ومعرفة، والله المستعان وعليه التكلان وهو أعلى وأعلم.

الاستسقـاء بالأنـواء، التطيـر، والفـأل، والتنجيــم

س72: ما أقسام نسبة السقيا إلى الأنواء وحكم كل قسم ؟ مع الدليل.
ج72: أقـول: المـراد بالأنـواء النجـوم، يقـال للنجـم: نـوء.
وقد ذكر أهل العلم - رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى - أن نسبة السقيا إلى النوء الفلاني لا تخلو من ثلاثة أقسام:
الأول: أن ينسبها إليها نسبة إيجادٍ وإحداث، أي أن النوء الفلاني هو الذي أحدث وأوجد هذه السقيا وأعني بالسقيا: المطر الذي ينزل، وهذه النسبة شرك أكبر مخرج عن الملة بالكلية، وهو شرك في الربوبية؛ لأنه بذلك قد زعم أن ثمة مصرفًا لشيء في الكون استقلالاً وهذا في الحقيقة شرك الصابئة فإنهم يعبدون هذه النجوم وينسبون الحوادث إليها ويبنون لها الهياكل في الأرض ويسمونها بأسمائها، كما هو شرك قوم إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -.
الثاني: أن ينسبها إليها نسبة سبب فقط، بمعنى أنه يقول: إن الله هو الخالق للسقيا، ولكن من أسباب السقيا طلوع هذا النوء، فيقول: مطرنا بنوء كذا وكذا أي بسببه، وهذا شرك لكنه الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد الواجب؛ وذلك لأنه اعتقد سببًا ما ليس بسبب شرعًا ولا قدرًا، ولأنه وسيلة للشرك الأكبر المذكور في الحالة الأولى، وقد جعل الله تعالى هذه النسبة كذبًا وزورًا من القول، فقال: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الواقعة: 82]، وذلك لأنهم ينسبون هذه النعمة إلى النوء الفلاني والنجم الفلاني وفي الصحيح عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماءٍ كانت من الليل فلما سلم أقبل علينا بوجهه فقال: ( هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ( قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ).
وفي الصحيح أيضًا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - معناه وفيه: قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا فأنزل الله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الواقعة: 82] وقوله في حديث زيد -رضي الله عنه-: ( كافر بي ) يراد به الكفر الأكبر إذا كانت النسبة نسبة إحداث وإيجاد ويراد به الكفر الأصغر إذا كانت النسبة نسبة سبب فقط، وقد جعلها النبي - صلى الله عليه وسلم- من أمر الجاهلية وهذا ذم لها وتنفير عن فعلها فقال: ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن - وذكر منها - والاستسقاء بالأنواء )، ولأنها منافية للأدب مع الله إذ الواجب نسبة النعم كلها إلى الله تعالى إيجادًا وخلقًا.
الثالثة: نسبة المطر إلى النجم والمواسم نسبة توقيت فقط لا نسبة إيجاد ولا سبب، وإنما يقول: إذا حل الموسمي أو ظهر النجم الفلاني فهذا زمان المطر أو وقته، لكن من غير ربط زائد على مجرد التوقيت، فهذا لا بأس به وهو المشهور عند العامة في بلادنا وغيرها، وهو مجانب كل المجانبة لنسبة أهل الشرك والضلال.
فهذا هو التفصيل في هذه المسألة، والله أعلم.
س73: عرف التطير ؟ مع توضيح التعريف ببعض الأمثلة.
ج73: التطير مصدر تطير يتطير تطيرًا، مأخوذ من الطير، وأصله معرفة الخير والشر بدلالة الطير وهو التشاؤم بالطير
.
والتطير شرعًا: التشاؤم بالمكروه من مسموع أو مرئي أو معلوم أو زمان أو مكان.
فمثال التطير بالمسموع: أن يقصد الإنسان سفرًا فيسمع أحدًا يقول: يا خاسر أو يا خائب فيثنيه ذلك القول عن سفره اعتقادًا منه أنه علامة على أن سفره هذا سيكون خاسرًا أو خائبًا أو فيه شيء من العقبات والصعاب.
ومثال التطير بالمرئي: أن يريد الإنسان الزواج من بيت ما فيرى البومة على هذا البيت فيتشاءم من أهله ويعتقد أنهم أهل شؤم ويصده ذلك المرئي عن قصده الذي أراده، أو يرى البومة مثلاً على بيت من البيوت فينعقد في قلبه أنه سيصيب أهل ذلك البيت شيء من المكروه من موتٍ أو مصيبة.
ومثال التطير بالزمان: أن يصيبه مثلاً في يومٍ أو شهر معين من السنة مصيبة من حادث أو خسارة تجارة فيصير كلما جاء ذلك اليوم أو الشهر يعطل معاشه ولا يذهب إلى حانوته اعتقادًا منه أنه لو فعل لأصابه كما أصابه فيما مضى، ومن ذلك تطير أهل الجاهلية بشهر صفر - كما سيأتي إن شاء الله تعالى -، ومنها تشاؤم بعض الدول بيوم احتلالهم فترى أحوالهم الاجتماعية تتغير في ذلك اليوم ونحو ذلك.
ومثال التطير بالمكان: أن يصيب الإنسان حادث في شارع مثلاً وتراه كلما جاء قريبًا منه أبعد عنه تشاؤمًا من هذا المكان، والله يحفظنا وإياك من هذه الاعتقادات الباطلة والمداخل الإبليسية، والله أعلم.
س74: ما حكم التطير ؟ مع بيان ذلك بالأدلة.
ج74: التطير حرام وشرك، بدلالة الكتاب والسنة:
قال تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ 131 ﴾ ﴾ [الأعـراف: 131]،، وقال تعالى: ﴿ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ 18 ﴾ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴿ 19 ﴾ ﴾ [يس: 18، 19].
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ) متفق عليه وزاد مسلم: ( ولا نوء ولا غول ). ولهما عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل ). قالوا: وما الفأل ؟ قال: ( الكلمة الطيبة ). وعن ابن مسعود مرفوعًا: ( الطيرة شرك الطيرة شرك ). قال ابن مسعود: ( وما منا إلا... ولكن الله يذهبه بالتوكل ).
فهذه الأدلة تفيد إفادة قوية نفي تأثير التطير النفي المطلق؛ لأن قوله: ( ولا طيرة ) نكرة في سياق النفي فيعم جميع أنواع التطير، وثبت أيضًا أن التطير كله شرك؛ وذلك لأن قوله: ( الطيرة شرك ) مفرد دخلت الألف واللام المفيدة للاستغراق فيدخل فيها كل ما يسمى تطيرًا على أي شكل كان وبأي شيء كان.
فبان بذلك أن حكم التطير في شريعتنا حرام وشرك، والله أعلم.
س75: هل التطير من قبيل الشرك الأصغر أم الأكبر ؟ ولماذا ؟
ج75: هذا فيه تفصيل، فإن التطير قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر.
وبيان ذلك أن يقال: أن التطير قسمان:

الأول:
أن يعتقد المتطير أن ما تطير به هو الذي يجلب الخير أو يدفع الشر بذاته استقلالاً، أي أن هذه الأشياء التي تطير بها من المسموع، أو المرئي، أو الزمان، أو المكان هو الذي يفعل ذلك بذاته، فهذا لاشك أنه تطير يوصل صاحبه إلى الشرك الأكبر المنافي لأصل التوحيد، وهو شرك في الربوبية لكنه اعتقد خالقًا ومقدرًا مع الله تعالى، ولأنه اعتقد أن لهذه الأشياء تصرفًا خفيًا ذاتيًا، وهو أيضًا شرك في الألوهية لأنه تعلق قلبه خوفًا ورجاءً بغير الله تعالى في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
الثاني: أن يعتقد المتطير أن الله تعالى هو الذي يجلب الخير ويدفع الشر وأن هذه الأشياء التي تطير بها إنما هي أسباب للخير والشر فقط، فهذا هو الشرك الأصغر؛ وذلك لأنه اعتقد سببًا ما ليس بسبب شرعًا ولا قدرًا، بل قد ورد الشرع بنفي كونه سببًا، ولأنه وسيلة للشرك الأكبر، ولكن هذا فيما إذا استرسل معه وصده ذلك أو أمضاه، أما إذا وقع في شيء من ذلك ودافعه وجاهده بالطرق الشرعية وأزاله من قلبه واستعان بالله تعالى وتوكل عليه ولم يفكر فيه فهذا لا شيء عليه، بل هو مأجور بهذه المجاهدة، وهذه الواردات من إلقاء الشيطان ووسوسته، ومن فضل الله علينا أنها من جملة حديث النفس المعفو عنه كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ وما وسوست به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم )، والله أعلم.
س76: ما الطرق الشرعية لمدافعة مثل هذه الواردات ومحو أثرها من القلب ؟
ج76: أقول: الطرق كثيرة ومتنوعة ولله الحمد والمنة، وأذكر لك أهمها فأقول:
الأول:
طلب العلم الشرعي المؤصل على الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة في أمور الاعتقاد، وهذا أعظم سلاح وأقوى ما يدافع به مثل هذه الواردات، ولذلك فإنه لا يقع في مثل ذلك ويسترسل معه إلا من غلب عليه الجهل، فالله الله بالعلم الشرعي، فعليك بطلبه من فطّانه في حلقات أهل العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم وفي قراءة كتب السلف الصالح وخصوصًا كتب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وأئمة الدعوة عليهم الرحمة والرضوان وأسكنهم الله فسيح وعالي الجنان، وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى، وجزاهم الله خير ما جزى عالمًا عن أمته.
الثاني: الاعتقاد الجازم الذي لا يخالطه ريب بوجه من الوجوه أنه لا يجلب الخير ولا يدفع الشر إلا الله تعالى، وأن هذه الأشياء مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، فكيف تملكه لغيرها ؟ فإن فاقد الشيء لا يعطيه، فالله هو مالك الملك وبيده الخير كله أوله وآخره والكون كله علويه وسفليه تحت سلطانه وقهره وتصرفه لا يملك أحد معه ضرًا ولا نفعًا، فلابد أن نربي أنفسنا على ذلك وندربها على تذكره دائمًا حتى يكون من طبيعتها، والله المستعان.
الثالث: أن تؤمن بقدر الله تعالى وأن ما أصابك من الضر أو فاتك من الخير إنما هو بقدر الله الذي كتب وفرغ منه وجفت منه الأقلام وطويت صحفه، فما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وأن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتب لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتب عليك فلا تحمل المسؤولية طيرًا ولا زمانًا ولا مكانًا لأنه أمر قد فرغ منه.
الرابع: حث النفس وحملها على إحسان الظن بالله تعالى وأطرها على ذلك أطرًا، فإن التطير نوع من إساءة الظن بالله تعالى، ومما يذهبه إحسان الظن به جل وعلا وأن ما أصابك من الضر أو فاتك من الخير إنما هو شيء قد اختاره الله لك، وخيرة الله لك خير من خيرتك لنفسك فاحمد الله واشكره على ما قضاه وقدره وارض وسلم فإن أمر المؤمن كله خير ولله الحمد والمنة.
الخامس: مدافعة ذلك بالتوكل على الله تعالى وحسن الاعتماد عليه، فإنه وحده جل وعلا معاذ الخائفين وملاذ الراغبين الراجين، لا ملجأ لهم غيره ولا رب لهم سواه، فتوكل عليه وعلق قلبك به التعلق المطلق وإياك أن ينصرف شيء من تعلقه عليه إلى التعلق بالطيور أو البوم فهذا والله هو الخيبة والخسارة، فالقلب لا يزال في فرح وسعادة وأمان لا يوصف ما كان متعلقًا بكليته على ربه وعلا ومتى انصرف عنه إلى غيره فناهيك عن الضيق والضنك والهم والغم الذي يصيبه ويحل فيه، فيا رب نعوذ بك من أن تتعلق قلوبنا بغيرك ونسألك أن تعيننا على تحقيق ذلك.
السادس: قرن ما مضى من الأمور بالأذكار الشرعية والأوراد المرعية التي وردت في ذلك، فمن ذلك ما رواه أبو داود بسندٍ صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك )، ولأحمد من حديث ابن عمرو ( من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ). قالوا: وما كفارة ذلك ؟ قال: ( أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك ).
ومن ذلك الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن هذه الواردات من الشيطان والاستعاذة تضعف عمله وتسد أبوابه.

السابع: عقد العزم والمضي قُدمًا والالتهاء عن هذا الوارد وقطع التفكير فيه والاشتغال عنه بما هو أنفع.
أسأله باسمه الأعظم أن يعينني وإياك على تحقيق التوكل عليه جل وعلا، والله أعلم.
س77: كيف الجمع بين قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا عدوى ) وبين قوله: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد )، وقوله في الطاعون: ( إذا سمعتم به في أرضٍ فلا تقدموا عليه ) ؟
ج77: الجمع بينهما يسير ولله الحمد والمنة وبيانه أن يقال: إن العدوى لنا فيها نظران:
نظر من ناحية انتقالها ابتداءً أي انتقالها بنفسها وهو الاعتقاد الذي كان عليه أهل الجاهلية، فجاء قوله: ( لا عدوى ) لنفي هذا الاعتقاد الفاسد، فأثبت أن العدوى لا تصرف لها بذاتها أي لا تنتقل بنفسها.
ونظر من ناحية سرايتها من المعلول إلى الصحيح بقدر الله تعالى، وهذا هو الذي أثبته حديث: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد )، وحديث: ( لا يورد مرض على مصح )، وحديث: ( إذا سمعتم به في بلدٍ فلا تقدموا ).
فالعدوى ابتداءً منفية، والعدوى انتقالاً بقدر الله تعالى مثبتة، فالعدوى التي نفاها الدليل ليست هي العدوى التي أثبتها الدليل حتى يكون هناك تناقض، ولذلك فإن بعض الصحابة لما سمع ذلك الكلام أعني قوله: ( لا عدوى ) قال: فإن النقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل. فقال - عليه الصلاة والسلام -: ( فمن أعدى الأول )، فالصحابي هنا ظن أن العدوى المنفية هي العدوى الانتقالية بقدر الله تعالى، فبين له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يريد ذلك وإنما يريد العدوى ابتداءً.
وبناءً عليه: فوقوع المرض ابتداءً إنما هو بقدر الله تعالى وسراية العدوى من المعلول إلى الصحيح أيضًا هي بقدر الله تعالى، فالكل حاصل بقضائه وقدره ولا يخرج شيء عن كونه مقدرًا، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر، ومن ذلك اتقاء أسباب العدوى فإذا أصيب بشيء من ذلك فليعلم أنه إنما انتقلت إليه بقدر الله تعالى لا أنها انتقلت بذاتها، وبذلك فلا إشكال ولله الحمد والمنة، والله أعلم.
س78: ما الفأل ؟ وما معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أحسنها الفأل ) ؟
ج78: الفـأل قد فسره النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه الكلمة الطيبة كما في الحديث السابق
، وقد كان - عليه الصلاة والسلام - يعجبه الفأل، كما في حديث: ( ويعجبني الفأل )؛ وذلك لأن الكلمة الطيبة إذا سمعها فتفاءل بها وأنه سيحصل له كذا وكذا من الخيرات يكون ذلك من باب حسن الظن بالله تعالى، فحقيقة الفأل أنه حسن ظن بالله تعالى، كأن يريد الإنسان سفرًا أو تجارة مثلاً فيسمع من يقول: يا غانم أو يا رابح، فتقع هذه الكلمة في قلبه فيزداد بها سروره ويتفاءل بها، وهذه الكلمة التي سمعها ليست هي التي دفعته للمضي فيما أراد من الأصل، بل هو عازم أولاً على الفعل لكن لما سمع هذه الكلمة ازداد تفاؤله وحسن ظنه بربه جل وعلا، فالتفاؤل يشرح الصدر ويؤنس العبد ويذهب الضيق الذي يوجبه الشيطان ويسببه في قلب العبد، فكان التفاؤل بذلك حسنًا، والنفوس مفطورة على حب سماع الكلمة الطيبة عند عزيمتها على الفعل ليزداد بذلك فرحها وسرورها وحسن ظنها بربها جل وعلا، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام -: ( وأحسنها الفأل )، والله أعلم.
س79: عرف التنجيم، وما أقسامه ؟ وحكم كل قسم، مع الدليل.
ج79: التنجيم: هو الاستدلال بالنجوم والأحوال الفلكية، وقد ذكر أهل العلم - رحمهم الله تعالى - أنه ثلاثة أنواع:
الأول:
التنجيم الذي هو اعتقاد أن النجوم فاعلة مؤثرة بنفسها وأن الحوادث الأرضية منفعلة ناتجة عن النجوم وعن إرادات النجوم، وهذا تأليه للنجوم وهو الذي كان يصنعه الصابئة، فقد كانوا يجعلون لكل نجم وكوكب صورة وتمثالاً ويسمونها بأسمائها فتحل فيها الشياطين وتأمرهم بعبادة هذه الأصنام، وهذا بالإجماع كفر أكبر وشرك أكبر، ومن ذلك شرك قوم إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -.
الثاني: الاستدلال بحركة النجوم على معرفة المغيبات في المستقبل فيدعون أنهم يعرفون ما سيأتي في المستقبل بحركة النجوم من التقائها والتفافها وطلوعها وغروبها، وهؤلاء هم المنجمون وهو نوع من الكهانة، وهو الذي يسميه العلماء: بعلم التأثير، وهذا محرم بالإجماع وكبيرة من كبائر الذنوب ويوصل صاحبه إلى الكفر الأكبر والشرك الأكبر؛ وذلك لما فيه من ادعاء مشاركة الله تعالى في علم الغيب، ولأن فيه استعانة بالشياطين؛ لأن الذي يأتيهم بالأخبار إنما هي الشياطين فإنها توحي بهذه الأخبار إليهم ومن ذلك ما يمليه الكهان في بعض المجلات في الأبراج المعروفة فيقولون: صاحب برج العقرب سيأتيه كذا وكذا، وصاحب برج الأسد سيأتيه كذا وكذا ونحو ذلك، وكل ذلك شرك وكفر - والعياذ بالله تعالى -.
الثالث: تعلم منازل النجوم وحركاتها لمعرفة القبلة والأوقات وللاستدلال بها على الجهات في ظلمات البر والبحر ولمعرفة أوقات الزراعة مثلاً والاستدلال بذلك على وقت هبوب الرياح وعلى الوقت الذي جرت سنة الله تعالى أن ينزل فيه المطر ونحو ذلك، فهذا هو الذي يسميه العلماء: بعلم التسيير.
وقد رخص فيه بعض العلماء، وبعضهم لم يرخص فيه، أي في جوازه خلاف، والصحيح جوازه؛ لأن مبنى ذلك العلم هو جعل حركة النجوم علامة على الوقت فقط لا أنها مؤثرة بذاتها أو أنها سبب للتأثير، ولعموم قوله تعالى: ﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿ 16 ﴾ ﴾ [النحل: 16]،، وقوله تعالى: ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ ﴾ [يونس: 5]، وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ [الأنعام: 97]،، والاهتداء بها من لوازمه معرفة منازلها وحركاتها، لكن كما ذكرت لك أن ذلك يؤخذ على أنه لمعرفة الأوقات فقط، لكن لا على أن حركاتها مؤثرة بذاتها أو أنها سبب للتأثير، والله أعلم.
س80: لماذا خلق الله هذه النجوم ؟ مع الدليل.
ج80: خلق الله هذه النجوم لثلاث:
الأول:
زينة للسماء، قال تعالى: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴿ 6 ﴾ ﴾ [الصافات: 6]،.
الثاني: رجومًا للشياطين، قال تعالى: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴿ 17 ﴾ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴿ 18 ﴾ ﴾ [الحجر: 17، 18]،.
الثالث: علامات يُهتدى بها، قال تعالى: ﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿ 16 ﴾ ﴾ [النحل: 16].
وقال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به، والله أعلم.

سب الدهر، والشرك في المشيئة، وسوء الظن، والتصوير، وحكم بعض الفاظ

س81: ما حكم سب الدهر؟ مع الدليل والتعليل والتمثيل.

ج81: سب الدهر محرم وجريمة وفاعله مستحق للعقوبة البليغة التي تردعه عن مثل هذه الأقوال، ففي الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار )، وفي رواية: ( لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر )، فدل ذلك على أن سب الدهر من الألفاظ التي لا تجوز فالتخلص منه واجب واستعمالها منافٍ لكمال التوحيد، ولأن سابه يعود على الله بالإيذاء لأنه هو مصرف الدهر ومجري الليالي والأيام ومقدر ما فيها من الحوادث، وسب المخلوق سب لخالقه، ولأن سب الدهر سب لما لا يستحق السب لأن الدهر خلق مسخر لا يملك نفعًا ولا ضرًا، ومن سب من لا يستحق السب عاد سبه إليه، ولأن سبه متضمن للشرك فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع أو أنه المحدث لهذا الضر والنفع، ولأنه مناف للاعتقاد الصحيح وهو أن الزمن يُفْعَلُ فيه لا أنه هو الفاعل بذاته ولا أنه سب لما يقع فيه من الحوادث فسبه محض اعتداءٍ وتسلط وقلة أدبٍ وجرأة على مقام الربوبية.

ومثال ذلك قول شاعر الجاهلية:

يا دهر ويحك مـا أبقيت لـي أحدً        وأنـت والـد سوءٍ تأكل الولد

ومنه أيضًا قول بعضهم:

قبـحًا لوجهـك يـا زمـان فإنـه        وجهٌ لـه في كـل قبـح برقع

ومنه قول بعضهم: هذا زمان كالح، أو زمان أسود. وقول بعضهم إذا أصابه مكروه: ليه يا زمن.

ومنـه قول الدهرية ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾ [الجاثية: 24].

ونحو ذلك من العبارات، وكل ذلك حرام وقادح في التوحيد، وقد يكون سبه شركًا أكبر وذلك إذا قام في قلبه اعتقاد أن الدهر هو الفاعل لهذا الشيء بذاته استقلالاً، وقد يكون شركًا أصغر إذا اعتقد أن الدهر سبب في هذه الحوادث، وإذا لم يعتقد ذلك فهو محرم فقط وكبيرة من كبائر الذنوب، وعلى كل حالٍ فالواجب على المسلم كف لسانه وحفظه عن مثل هذه الأقوال التي لا خير فيها، بل هي مما يفتح عمل الشيطان، والله أعلم.

س82: ما حكم قرن الدعاء بالمشيئة؟ مع الدليل والتعليل، وكيف الجواب عن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( طهور إن شاء الله

ج82: لا يجوز أن يقرن الدعاء بالمشيئة، فلا يجوز أن تقول: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ونحو ذلك، وذلك لدليل الأثر والنظر:

فأما الأثر ففي الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له )، وقد تقرر في الأصول أن النهي المجرد عن القرينة الصارفة يفيد التحريم، فهو نص صحيح صريح في المنع من تعليق الدعاء بالمشيئة.

وأما النظر فلأن تعليقه بالمشيئة منافٍ لإعظام الرغبة والجد والعزم في المسألة؛ لأن فيه نوع استغناء عن المدعو والمدعو به، ولأنه موهم بعجز الله وفقره فكأنه يقول: ولا ألح عليك بذلك، بل إذا شئت فافعل وهذا فيه سوء أدب مع الله تعالى؛ ولأن الله تعالى لا يكرهه أحد على إجابة سؤالك ما لم يكن هناك شدة إلحاح وإعظام رغبة، ولذلك ففي رواية البخاري: ( فإن الله لا مكره له ) ولمسلم: ( ليعزم في الدعاء فإن الله صانع ما شاء لا مكره له ) فكان من حسن الأدب مع الله تعالى ألا يعلق الدعاء بالمشيئة لسعة فضله جل وعلا وكبير إحسانه وجوده وكرمه، ولأنه تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه فلا تنقص خزائنه جل وعلا بالعطاء ولو اجتمع الأولون والآخرون على مختلف أصنافهم وجاء بكل أدعيتهم فإنه لا ينقص ذلك من خزائنه شيئًا فلم التعليق حينئذٍ، والله أعلم.

وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( طهور إن شاء الله )، فهذا ليس من باب الدعاء وإنما من باب الخبر، أي هو يخبر أن هذا المرض سيكون لك كفارة وطهور، والأخبار المستقبلية أو الغيبية لابد من تعليقها بالمشيئة والمنهي عنه هو تعليق الدعاء بالمشيئة، والله أعلم.

س83: ما حكم قول: "ما شاء الله وشئت"؟ مع الدليل، وما المشروع في ذلك؟

ج83: هذا القول لا يجوز وهو نوع من أنواع شرك الألفاظ وهو شرك أصغر.

ودليل ذلك حديث قتيلة: ( أن يهوديًا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت ) رواه النسائي وصححه.

وله أيضًا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ما شاء الله وشئت. فقال: ( أجعلتني لله ندًا قل ما شاء الله وحده ).

ولابن ماجه عن أبي الطفيل قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير ابن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت على نفرٍ من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( هل أخبرت بها أحدًا )؟ قلت: نعم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ( أما بعد فإن طفيلاً رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا: ما شاء الله وحده ).

فهذه الأدلة فيها النهي عن قرن مشيئة الله تعالى بمشيئة أحد من الخلق، وعلة النهي عن هذا القول لأن فيه عطف مشيئة المخلوق على مشيئة الخالق جل وعلا بحرف الواو المقتضي للتشريك والمساواة بين المعطوف والمعطوف عليه، والمشروع في ذلك أن يقول العبد: ما شاء الله وحده، وإن قال: ما شاء الله ثم شئت فلا بأس، فهذان اللفظان لا محظور فيهما، والله أعلم.

س84: ما المراد بظن السـوء في قوله تعـالى: ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ [الفتح: 6]،، وقـوله: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]؟ وما حكم ذلك الظن؟

ج84: ذكر أهـل العلـم - رحمهـم الله تعـالى - أن ظـن السـوء المراد في الآية عدة أمور:

الأول: ظن أن الله تعالى مسلم رسوله وعباده المؤمنين إلى عدوهم وأن إدالة يد الكفر عليهم ستكون مستمرة دائمة، وأن الدين سيضمحل وأنهم إذا بذلوا في إطفاء ذلك الأمر وحاربوه بكل ما أتوه من وسيلة وقاوموه فإنه سينتهي، وأن الله تعالى لا ينصر رسوله ولا ينصر كتابه ولا ينصر عباده المؤمنين، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴿12﴾ ﴾ [الفتح: 12].

الثاني: ظن أن أفعال الله تعالى وأقداره خالية عن الحكمة والمصلحة وأنه يفعل لا لحكمة ولا لغاية محمودة كما ظنه طوائف من أهل الكلام، وهذا من سوء الظن به جل وعلا وهو ظن منافٍ لكمال حكمته وعلمه وخبرته جل وعلا.

الثالث: ظن أن ما يقع في الكون من الحوادث أنه خارج عن قدر الله تعالى، أي إنكار القدر كما هو قول القدرية الذين ينكرون تقدير الله تعالى لما كان وسيكون أو ينكرون خلقه لأفعال العباد، وعلى ذلك فالسلف فسروا الظن السيئ بثلاث تفاسير كلها صحيحة لأنه من قبيل خلاف التنوع ففسر بإنكار بالقدر وفسر بإنكار الحكمة وفسر بأن الله تعالى لن ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل ويبيد، وكل ذلك محرم ولاشك في تحريمه، وكله منافٍ لكمال التوحيد الواجب وبعضه منافٍ لأصل التوحيد، فنعوذ به جل وعلا من أن نظن به غير الحق.

والضابط في ظن السوء أنه كل ظن لا يليق بالله جل وعلا، والله أعلم.

س85: لماذا حرم هذا الظن؟

ج85: حرم هذا الظن لعدة أمور:

منها: لأنه منافٍ لما يجب اعتقاده في الله تعالى، فإنه يجب أن نعتقد أن الله تعالى كامل في ذاته وكامل في صفاته وكامل في أفعاله الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه، وهذا الظن منافٍ لهذا الكمال.

ومنها: أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن الله له الحكمة البالغة في أفعاله وأقداره جل وعلا والحكمة وضع الأمور في مواضعها التي توافق الغايات المحمودة منها، وظن أن الله تعالى يفعل لا لحكمة فيه وصف له بفعل ما لا يليق وهذا منافٍ لاتصافه بالحكمة البالغة ويلزم منه وصف الله بالنقص جل وعلا وتقدس عن كل نقص.

ومنها: أنه معارض للوعيد الذي أخذه على نفسه جل وعلا تفضلاً وإحسانًا كما في قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴿51﴾ ﴾ [غافـر: 51]،، وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿171﴾ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴿172﴾ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴿173﴾ ﴾ [الصافات: 171-173]،، والله تعالى لا يخلف الميعاد، وظن السوء منافٍ ومناقض لدلالة هذه الآيات وما في معناها.

ومنها: أنه يناقض قوله تعالى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴿2﴾ ﴾ [الفرقان: 2]،، وقوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴿49﴾ ﴾ [القمر: 49]، ونحو هذه الآيات التي فيها إثبات أن كل شيء بقضاء الله وقدره وأنه لا يخرج شيء عن كونه مقدورًا لله جل وعلا وما ناقض دلالة القرآن وعارضها فهو باطل مردود واعتقاد محرم.

ومنها: أن الواجب هو إحسان الظن به جل وعلا وظن السوء ترك لهذا الواجب وترك الواجب محرم، فدل ذلك على أن ظن السوء محرم.

ومنها: أنه - أي ظن السوء - قادح في كمال التوحيد الواجب أو قادح في أصله في بعض الأحوال، وما يقدح في التوحيد أصلاً أو كمالاً فهو ممنوع أشد المنع.

س86: ما حكم تصوير ذوات الأرواح؟ مع بيان ذلك الحكم بالأدلة.

ج86: تصوير ذوات الأرواح محرم بجميع أنواعه سواءً منها ما كان من باب النحت أو الرسم باليد أو كان من قبيل التصوير الفوتوغرافي باستثناء ما تدعو له الضرورة الملحة.

والدليل على ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة ) متفق عليه، وهذا الحديث يدخل فيه تصوير النحت والرسم باليد دخولاً أوليًا.

ومن ذلك حديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله تعالى )، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم ) متفق عليهما.

ولهما أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: ( من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ ).

وروى مسلم من حديث أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( ألا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا صورة إلا طمستها )، ومثله ما رواه الإمام أحمد في المسند من حديث علي -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنازة فقال: ( أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنًا إلا كسره ولا قبرًا إلا سواه ولا صورة إلا لطخها... ) الحديث، وفيه: ثم قال: ( من عاد إلى صنعة شيء من ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- ) قال المنذري: إسناده جيد.

وقال -صلى الله عليه وسلم- لعائشة - رضي الله عنها -: ( ما هذه النمرقة )؟ قلت: لتجلس عليها وتوسدها. قال: ( إن أصحاب هذه الصور يقال لهم أحيوا ما خلقتم وإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ).

وفي الصحيح من حديث عائشة - رضي الله عنها - مرفوعًا: (( أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق يوم القيامة ))، وغير ذلك.

ولنا في حكم التصوير الفوتوغرافي رسالة مستقلة بهذا الاسم مما يغني عن إعادة الكلام عليه هنا، ومن أرادها أو أراد غيرها مما كُتب فليرجع إلى الشبكة العنكبوتية في موقع "صيد الفوائد" فإن لنا فيه صفحة خاصة، والله أعلم.

س87: ما حكم تحنيط الحيوانات؟

ج87: تحنيط الحيوانات لا ينبغي، وإن قيل بحرمته فهو قول قوي، وذلك لوجوه:

الأول: أنه وسيلة إلى تعظيم هذه الحيوانات وإكرامها بالتعليق، وقد يكون مفضٍ في بعض صوره إلى الشرك.

الثاني: أن هذه الحيوانات ميتة وحق الميتة الإتلاف وعدم جواز الانتفاع بها بأي وجهٍ من الوجوه إلا فيما أباحته الشريعة من الاستفادة من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها بعد الدبغ، وأما اقتناؤها في البيوت وهي ميتة فإنه خروج عن الحد المشروع وتجاوز وتعدٍ.

الثالث: أنه ينفق على هذا التحنيط الأموال الطائلة وينفق في شرائها الأموال الكثيرة، وهذا داخل في حد الإسراف والتبذير؛ لأنه إنفاق للمال فيما لا نفع فيه أصلاً والإنسان مسئول عن ماله: فيم أنفقه، وفقراء المسلمين واليتامى والمساكين وأبناء السبيل والمساجد بناءً وترميمًا وغير ذلك من وجوه الخير أحق بهذا المال.

الرابع: أن تعليق هذه المحنطات وسلة إلى أن يعتقد فيها بعض الاعتقادات الفاسدة من أنها تدفع شر الشياطين أو تدفع أذى الجن عن البيوت فتكون حينئذٍ من جملة التمائم، فحسمًا لهذه المادة وسدًا للذريعة يمنع تحنيطها وتعليقها، والله أعلم.

س88: ما حكم قول: "عبدي وأمتي"؟ مع بيان الحكم بالدليل والتعليل.

ج88: هذا القول محرم، لما في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لا يقل أحدكم أطعم ربك وضِّئ ربك وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي )، وحقيقة النهي التحريم، وتعليل المنع يتضح بوجوه:

الأول: أن فيه إيهام المشاركة لله تعالى في الربوبية، فقطعًا لدابر ورود ذلك الإيهام يمنع هذا القول.

الثاني: أن فــي تـركــه سلـوك الأدب مـع الله تعالى وتحقـيق توحيده جل وعلا بالـربوبية المطلقة.

الثالث: أن في هذا القول نوع إهانة للرقيق، فمراعاة لهم مُنِعَ السيد من هذا القول.

الرابع: سد الذريعة، أي حتى لا يقع في قلب السيد عند قوله: عبدي وأمتي شيء من التعاظم ورؤية النفس والغرور والعجب الذي يوجب له مقت الله وسخطه، فنهى عن ذلك تعظيمًا لله تعالى وحماية لجناب التوحيد.

الخامس: أن تحقيق التوحيد الذي تحصل به النجاة التامة يوم القيامة لا يكون إلا بالاحتراس من هذه الألفاظ التي فيها سوء أدب مع ربوبية الله جل وعلا أو مع أسمائه وصفاته، والله أعلم.

س89: ما حكم قول: "لو"؟ مع بيان الحكم بالأدلة والتعليل.

ج89: قولها يختلف حكمه باختلاف نوعية استعمالها:

فإن استعملها متسخطًا بها على ما نزل من قدر الله تعالى فهو محرم، ومن ذلك قوله تعالى عن بعض المنافقين أنهم قالوا: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾ [آل عمران: 154]، وقوله تعالى عن بعضهم: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ [آل عمران: 168]، ونحو ذلك، فهذا استعمال محرم، وذلك لما في الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان )، وحقيقة النهي التحريم، ولأن هذا القول فيه إشعار بعدم الصبر على ما نزل من القدر ومن المعلوم أن الصبر على الأقدار المؤلمة واجب وضد الواجب المحرم وقولها مشعر بذلك فصار حرامًا، ولأنها سبب لفتح باب التحسر وزيادة الألم وندب الحظ وسبب لضعف القلب والتفاته إلى الأسباب وتعلقه بها، وهذا مضعف للتوحيد وهو من عمل الشيطان، ولأن قولها لن يدفع القدر النازل وإنما يزيده ضيقًا وألمًا، ولأن قولها فاتح لباب سوء الظن بالله جل وعلا وبحكمته البالغة، فهذا الدليل والتعليل يفيدان حرمة قولها بهذا الاعتبار وهو الحالة الأولى من أحوال استعمالها.

الحالة الثانية: أن يقولها متطلعًا لها إلى المعصية، فيحرم أيضًا قولها، بل دل الدليل أنه مشارك لصاحب المعصية في الوزر كما في حديث: ( ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علمًا فهو ينفقه في معصية الله، ورجل لم يؤته علمًا ولا مالاً فقال: لو أن عندي مثل مال فلان لفعلت فيه مثل الذي فعل فهما في الوزر سواء ) فهذا الأحمق الغبي الأخرق أثم بقوله هذا، مع أنه لم ينفق مالاً إذ لا مال عنده، لكن بتمنيه الآثم وتطلعه لفعل المعصية صار مشاركًا لصاحب المعصية.

الحالة الثالثة: أن يقولها عند فوات الأمر المحبوب، كفوات العمل الفاضل، وكفوات علم نافع أو مالٍ ينفقه فيما يحبه الله ويرضاه، فمن الأول حديث: (( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ))، ومن الثاني حديث: ( وددت لو أن أخي موسى صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما )، ومن الثالث حديث: ( ورجل آتاه الله مالاً وعلمًا فهو ينفقه في الخير ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالاً فقال لو أن عندي مثل مال فلان لفعلت فيه مثل الذل فعل، فهما في الأجر سواء )، وهذه الحالة الثالثة لا جزع فيها ولا تسخط ولا ترك لما يجب من الصبر ولا حزن ولا تطلع لمعصية، بل ليس فيها إلا محبة الخبر وإرادته وهذا أمر محبوب شرعًا.

الحالة الرابعة: استعمالها لبيان مثال يحصل به الإفهام وفتح المغلق وتقريب الصورة المراد شرحها، فهذا لا بأس به ولا تعلق له بالتوحيد، وذلك كما في قوله تعالى في سياق إثباته وحدانيته بالألوهية: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء: 22]، وكقول المعلم: ما رأيكم لو حصل كذا وكذا فماذا تفعلون؟ وهكذا والله أعلم وأعلى.

الحكم بغير ما أنزل الله، والرياء، ومن سأل بالله، حق النبي

س90: ما حالات الحكم بغير ما أنزل الله بالتفصيل والدليل والتعليل؟

ج90: هذه من المسائل الكبار التي لا تسعها هذه الإجابة، لكن ألخص لك الجواب في الحالات الآتية:

الأولى: حال واضع النظام أولاً الذي فيه مناقض لشريعة الله تعالى كالذي وضع القانون الوضعي الذي عورضت به شريعة رب الأرض والسماء، فهذا لاشك أنه كافر الكفر الأكبر، وهو من جملة الطواغيت الذين يدعون الناس إلى عبادتهم عبادة الطاعة فيحلون للناس الحرام ويحرمون عليهم الحلال، وهذا لا أظن أحدًا يتوقف في كفره، ولا ننظر هل هو مستحل أو غير مستحل؛ لأن فعله هذا دليل استحلاله.

الثانية: حال الحاكم بهذا القانون أي المنصرف عن الحكم بالشريعة الانصراف المطلق، ويحكم بهذا القانون الحكم المطلق فلا يلتفت إلى الشريعة أبدًا، بل ويأمر الناس الذين يعملون عنده في حكومته من القضاة ونحوهم أن لا يحكموا إلا بهذا القانون، ويحارب المحاربة الشديدة بالسجن تارة والتعذيب أخرى والقتل في كثير الأحيان من يدعو إلى تطبيق الشريعة ولا يسمح أن يحكم في بقعة نفوذه إلا هذا القانون، وهذا أيضًا كافر الكفر الأكبر من غير نظر هل هو مستحل أو ليس بمستحل، فإن قرائن الأحوال المصاحبة تغني أحيانًا عن التصريح بالقول، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿44﴾ ﴾ [المائدة: 44]، و﴿ الظَّالِمُونَ ﴿45﴾ ﴾ [المائدة: 45]، و﴿ الْفَاسِقُونَ ﴿47﴾ ﴾ [المائدة: 47]، والمراد هنا في هاتين الحالتين الكفر الأكبر والظلم الأكبر والفسق الأكبر، ولكن أنبهك لأمر هام جدًا وهو أن كلامي هذا من باب التفكير بالوصف ولا ينطبق على الأعيان إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع، فإن تكفير الأعيان بلية لا أطيق تحملها، ومسئولية عظيمة يعجز كاهلي عنها ولساني عن قولها وقلمي عن كتابتها، وأنا ولله الحمد من أبعد الناس عنها، وإنما المقصود الحكم العام، وقد تقرر لنا في كتابات كثيرة أن الحكم العام لا ينطبق على الأعيان إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع.

الحالة الثالثة: من يحكم بغير الشرع في بعض الأحيان كمرة أو مرتين أو ثلاث أو أقل أو أكثر بحيث لا يصدق عليه وصف الديمومة والكثرة، والأصل فيه أنه لا يحكم إلا بالشريعة لكن عارض حكمها لا تكذيبًا ولا جحودًا ولا لاعتقاد الأفضلية، وإنما لغلبة شهوة وهوى مع علمه بأنه عاصٍ في ذلك، فالقول الصحيح في هذا أنه يعطى حكم أصحاب الكبائر، وهو وإن وصفه بعض أهل العلم بالكفر فإنهم لا يعنون به الكفر الأكبر، بل يقصدون به كفرًا دون كفر، أي الكفر الأصغر، ففعله هذا جريمة ولاشك، لكنها لا توصله إلى الكفر المخرج عن الملة، وذلك كالقاضي الذي يحكم أحيانًا بغير الشرع أو حاكم البلد الذي يحكم أحيانًا بغير الشرع، فهؤلاء لا يخرجون بهذه الأحكام المخالفة للشريعة عن الملة، ولكنهم من أصحاب الكبائر، أي هم داخلون تحت المشيئة، ومن أخرجهم من الملة بمثل ذلك ففيه نوع غلو وإفراط، وفيه شعبة من شعب الخوارج، والله أعلم.

الحالة الرابعة: حال من يتحاكم إلى غير الشريعة، فهذا إن كان يتحاكم إليها وهو راضٍ بذلك مريدًا له أو معتقدًا جوازه أو مفضلاً له على التحاكم إلى الشريعة الإسلامية، فهذا كافر الكفر الأكبر الخرج عن الملة؛ لأن الإسلام مشروط بالكفر بالطاغوت وهو بهذا التحاكم إلى هذا القانون وإرادته له واعتقاد أنه سائغ وأنه لا يكرهه هو بذلك مؤمن بالطاغوت وقد قال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ [النساء: 60]، وقال تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿50﴾ ﴾ [المائدة: 50]، وأما من تحاكم إليه مجبرًا على ذلك وهو كاره له ومعتقدًا عدم جوازه وليس براضٍ به لكنه أكره وألزم بالتحاكم إليه أو أن حقه لا يمكن استخراجه من خصمه إلا بذلك كما هو حال الدول التي تحكم بغير شريعة الله، بل لا تحكم إلا بالقوانين الوضعية، فهذا لا يدخل في إرادة التحاكم إلى الطاغوت؛ وذلك لأنه مكره على ذلك إما لأن خصمه ألزمه بالحضور إلى هذا القاضي القانوني وإما لأن حقه الذي ثبت له لا سبيل إلى تحصيله إلا برفع الأمر إلى هذه المحكمة القانونية، فهذا لا بأس به في أظهر أقوال أهل العلم، وإذا لم نقل بذلك فإن ستضيع حقوق كثيرة قد ثبتت لأصحابها في هذه الدول، والله أسأل أن يصلح أحوال المسلمين وأن يهدي حكمائهم إلى تحكيم الشريعة، فهذا هو محصل المسألة، والله أعلم.

س91: ما عقيدة أهل السنة والجماعة في التعامل مع ولاة الأمر؟

ج91: عقيدتهم في ذلك تتضح بالأمور الآتية:

الأول: وجوب طاعتهم في غير معصية الله تعالى، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59]، فعطف طاعتهم على طاعة الله ورسوله من غير إعادة فعل ﴿ أَطِيعُوا ﴾ دليل على أنه ليس لهم الطاعة المطلقة، بل حقهم الطاعة المقيدة، فيطاعون في حدود الله ورسوله فإذا أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة.

وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنها- قال: ( دعانا النبي -صلى الله عليه وسلم- فبايعناه فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان ) متفق عليه، وعن أنس -رضي الله عنها- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ) رواه البخاري، وغير ذلك من الأدلة.

الثاني: تحريم الخروج عليهم بقولٍ أو فعلٍ، وإن ظلموا أو جاروا أو استأثروا ببعض المال، وإن ضربوا ظهرك وأخذوا حقك، وقد أطبق على ذلك أهل السنة والجماعة لكنهم قيدوا ذلك بأمرين: أن نرى كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، وأن تكون عندنا القدرة الكافية على إبعاده وتنحيته عن هذا المنصب وتولية الأصلح، وذلك مرده إلى العالمين بالمصالح والمفاسد لا إلى الأهواء والأحداث الذين لا يقدرون مصلحة ولا يراعون درء مفسدة، بل همُّ الواحد منهم أن يطفئ حقد قلبه وغل نفسه، فهذه الأمور الكبار مردها إلى أهل العلم الراسخين في علم الكتاب والسنة، فإذا دخلت فيها الأهواء والأفكار المضللة وشهوات النفوس فناهيك عن الفساد والخراب والدمار على الأنفس والأموال، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وفي الحديث الصحيح: أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: ( لا ما صلوا )، ويستدل على ذلك بالأدلة التي وردت في ذم الخوارج، وسيأتي طرف منها - إن شاء الله تعالى -.

الثالث: إقامة الجمع والجماعات وراءهم أبرارًا كانوا أو فجارًا، ويدخل في ذلك الجهاد تحت لوائهم والحج معهم، وقد وصف أهل السنة والجماعة - رحمهم الله تعالى - المتخلف عن إقامة ذلك بأنه من أهل البدعة، وقد صلى ابن عمر وأنس خلف الحجاج، وصلى ابن مسعود -رضي الله عنها- خلف الوليد بن عقبة، وصلى جملة من علماء السنة خلف الأمراء الظلمة من بني أمية وبني العباس، وذلك جمعًا للكلمة وحقنًا للدماء وتوحيدًا للصف ولدفع أعلى المفسدتين بتحمل أدناهما، وفي الحديث: ( أرأيت إذا كان عليك أمراء يميتون الصلاة عن وقتها )؟ قال - أي أبو ذر -: فما تأمرني يا رسول الله؟ فقال: ( صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل خلفهم فإنها لك نافلة ).

الرابع: أنهم يعقدون قلوبهم على مناصحتهم بالحكمة والطرق الشرعية التي لا توجب المفاسد العامة، بلا قدح ولا تشهير أمام العامة، بل سرًا إذا سنحت الفرصة، ولا ينزعون يد الطاعة عنه بمجرد فعلهم لشيء من الذنوب والمعاصي، ويدعون لهم بالصلاح والهداية والتوفيق لعلمهم أن بصلاحهم صلاح أمور كثيرة في المجتمع وبفسادهم فساد أمور كثيرة في المجتمع، ويحفظون فيهم قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئٍ مسلم )، وفي الحديث الآخر: ( إن الله يرضى لكم ثلاثًا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميـعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه أمركم )، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الدين النصيحة ) - ثلاثًا - ثم قال: ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) رواه مسلم، والله أعلم.

س92: عرف الرياء، وما حكمه؟ مع الدليل، وما الفرق بينه وبين التسميع؟

ج92: الرياء: هو تحسين العمل مما يبتغى به وجه الله تعالى ابتغاء مدح الثناء وثنائهم والمنزلة في صدروهم أو تحصيل حظٍ من دنياهم.

وهو حرام بكل صوره وأشكاله، وهو من قبيل الشرك الأصغر الخفي، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴿110﴾ ﴾ [الكهف: 110].

والمراءاة شرك أصغر، فهي داخلة في هذا العموم، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر )، فسئل عنه فقال: ( الرياء ).

وقال الله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿15﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿16﴾ ﴾ [هود: 15، 16].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنها- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) رواه مسلم.

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنها- مرفوعًا: ( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال )؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ( الشرك الخفي يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل ) رواه أحمد.

والرياء شرك السرائر لما روى ابن خزيمة في صحيحه عن محمود بن لبيد قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( أيها الناس إياكم وشرك السرائر... ) الحديث بلفظ الحديث السابق، وحديث: ( أول من تسعر بهم النار ثلاثة... ) الحديث المشهور، والخلل إنما حصل لأنهم ما أرادوا بهذه الأعمال العظيمة وجه الله تعالى، وحديث: ( من تعلم العلم مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا لعرض من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم-، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وأما قوله: وما الفرق بينه وبين التسميع المذكور في قوله: ( ومن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به )، فأقول: السمعة من الرياء إلا أنها تختص بما من شأنه أن يسمع من الأقوال والرياء بما يرى من الأفعال، فالرياء غالبًا يكون في الأفعال والسمعة تكون في الأقوال كقراءة القرآن وتعليم العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل مدح الناس وثنائهم فقط أو لنيل منصب دنيوي، والله أعلم.

س93: هل الرياء يبطل العمل؟

ج93: هذا فيه تفصيل ذكره ابن رجب وغيره من المحققين من أهل العلم وخلاصته أن يقال: إذا كان الرياء من أصل العمل أي هو الباعث على العمل فهذا العمل باطل من أساسه، وأما إذا كان الرياء ليس من أصل العمل ولكنه طرأ على العمل فهذا لا يخلو إما أن يجاهده ويبعده عن نفسه ولا يرضى به ولا يأنس أو يسترسل معه فهذا الطروء لا يؤثر على العمل، بل صاحبه يؤجر على هذه المدافعة كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿69﴾ ﴾ [العنكبوت: 69]، وإما أن يرضى به وتقبله نفسه ويعمل من أجله ويسترسل معه فهذا لا يخلو: إن كان العمل لا يصح أوله إلا بصحة آخره كالصلاة فإنه يبطلها كلها، أي في أي جزء وقع فيه الرياء الذي استرسل به ورضيته نفسه فإنه يكون مبطلاً لها جميعها، وإن كان لا يتعلق صحة آخره بصحة ما بعده فهذا لا يبطل الرياء منه إلا ما قابله فقط وذلك كرجل تصدق بصدقتين إحداهما لم يداخله الرياء فيها والثانية داخله الرياء فيها فلا يبطل إلا ما داخله الرياء، وكرجل صام يومًا تطوعًا بإخلاص، ولكنه داخله الرياء في اليوم الثاني، فلا يبطل إلا ما داخله الرياء، فهذا هو خلاصة الجواب، ومن باب التوضيح أرسمه لك رسمًا بيانيًا:

حالات دخول الرياء على العبادة

والله ربنا أعلى وأعلم.

س94: هل الرياء يدخل في حيز المغفرة إن مات صاحبه عليه؟ وما كفارة الوقوع في ذلك؟

ج94: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: فقيل: إنه يدخل في حيز المغفرة وصاحبه قد يغفر الله له ولا يؤاخذه على هذا الرياء، وهذا رواية في المذهب واختارها كثير من أهل العلم. وقيل: لا يدخل في حيز المغفرة، بل لابد أن يعذب صاحبه بقدره في النار يوم القيامة لكنه لا يخلد فيها أبدًا؛ لأن معه أصل التوحيد، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومجدد الدعوة الشيخ محمد - رحمه الله تعالى -، والله أعلم بالحال.

والمقصود وجوب الخوف من الرياء فإنه آفة عظيمة وبلية عواقبها وخيمة، وكفارة ذلك أن يقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم، كما ورد به الحديث، والله أعلم.

س95: كيف يخاف النبي -صلى الله عليه وسلم- علينا الشرك الخفي أشد من خوفه علينا من الدجال من عظم فتنته وكبير خطره؟

ج95: أقول: العلة في ذلك والله أعلم هي ما يلي:

الأول: أن فتنة الدجال فتنة ظاهرة تعرف بعلامات ظاهرة، وأما الشرك الخفي فإنه شيء خفي في القلوب لا يطلع عليه إلا علام الغيوب.

الثاني: أن فتنة الشرك الخفي خطرها على الأمة أجمع من لدن النبي -صلى الله عليه وسلم- أي من عهده إلى آخر الدنيا، فخطره عام على الأمة كلها، وأما الدجال فإن فتنته تكون في آخر الزمان، وقد فني أكثر الأمة ولم يبق منها إلا القليل، فالرياء فتنة تبتلى بها عامة الأمة، وأما الدجال ففتنته يبتلى بها بعض الأمة.

الثالث: أن الدجال عدو منفصل يمكن التحرز منه فإن المدينة ومكة حرام عليه، وقراءة أوائل سورة الكهف عصمة منه، أما الشرك الخفي فإن مصدره النفس التي بين جنبيك وهي عدو ملازم لا ينفك عنك إلا ما شاء الله تعالى، ولاشك أن خطر العدو الباطني الملازم الذي يعسر التحرز منه أعظم من خطر العدو المنفصل الذي لا يشق التحرز منه، والله أعلم.

س96: ما حكم إعطاء من سألنا بالله؟ مع الدليل والتعليل.

ج96: من سألنا بالله تعالى فلا يخلو:

إما أن يكون السؤال بالله من معين لمعين في أمر يسوغ بذله، كأن يسأل زيد عمرًا بالله أن يعطيه كذا وكذا، فهذا تجب إجابته ويحرم رده، لكن هذا الواجب مشروط بالقدرة والاستطاعة، وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( من سأل بالله فأعطوه ) الحديث، ولأنه لما سألك بالله فإنه يكون بذلك قد سألك بالعظيم الكبير الذي لا أعظم ولا أكبر منه، فإجابة سؤاله تعظيم لله تعالى وتعظيم ذلك من إكمال التوحيد ومن تحقيق التوحيد.

وأما إذا كان السؤال من معين لغير معين، كالذين يقفون في المساجد ويسألون المصلين بالله، فهؤلاء تستحب إجابتهم ويكره ردهم، هذا إذا لم يغلب على الظن كذبهم.

وأما إذا سألنا أحد بالله في أمرٍ محرم كإسقاط حدٍ بعد ثبوته عند ولاة الأمر أو سألنا بالله أن نؤويه بعد أن أحدث حدثاً في البلد يوجب عقوبته والأخذ على يديه ونحو ذلك، فهذا تحرم إجابته ويجب رده ولا كرامة، بل وتجب عقوبته لأنه مستخف بالله تعالى حيث جعل السؤال به وسيلة للتوصل لأمور محرمة، فهو مستخف بمقام الألوهية والربوبية ورده حينئذٍ من تعظيم الله جل وعلا، والله أعلم.

س97: ما معنى شهادة "أن محمدًا رسول الله"؟

ج97: معنى هذه الشهادة: طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر وتصديقه فيما أخبر وألا يعبد الله إلا بما شرع.

قال تعالى في آيات كثيرة: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [المائدة: 92، التغابن: 12]، وقال: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النـور: 54]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحـزاب: 21]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، وقال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿56﴾ ﴾ [النـور: 56].

وقال - عليه الصلاة والسلام -: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه، ولمسلم: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، والله أعلم.

س98: ما جملة حقوقه -صلى الله عليه وسلم- مع الدليل؟

ج98: جملة حقوقه -صلى الله عليه وسلم- ما يلي:

الأربعة الماضية في إجابة السؤال الماضي.

والخامس: تقديم قوله -صلى الله عليه وسلم- على قول كل قول، فلا يجوز أن يعارض قوله بقولٍ كائنًا من كان، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿1﴾ ﴾ [الحجرات: 1]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ الآية [الحجرات: 2].

والسادس: تقديم محبته -صلى الله عليه وسلم- على محبة الولد والوالد والخلق أجمعين، قال - عليه الصلاة والسلام -: ( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) متفق عليه، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) الحديث، متفق عليه.

وقد توعد الله بالعذاب من قدم محبة الأشياء الثمانية التي هي غالبًا محاب الناس على محبته ومحبة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) ﴾ [التوبة: 24].

والسابع: الصلاة والسلام عليه كلما ذكر اسمه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿56﴾ ﴾ [الأحـزاب: 56]، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ( من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا )، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ( البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي )، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ( أتاني جبريل - عليه السلام - فقال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل آمين فقلت آمين )، وتفاصيل هذا الحق قد استوفاها العلامة الإمام ابن القيم في كتابه "جلاء الأفهام"، فليراجعه من شاء الاستزادة، والله أعلم.

والثامن: سؤال الله تعالى أن يؤتيه الوسيلة، كما قال: ( ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة )، وفي الحديث: ( آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته ) الحديث.

والتاسع: الاعتقاد الجازم أنه خاتم النبيين وأن كل دعوى نبوة بعده فكذب وزيف وكفر، قال تعالى: ﴿ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ [الأحـزاب: 40]، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ( وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي )، وفي الحديث الآخر: ( وختم بي النبيون ).

والعاشر: موالاته المولاة التامة ونصرته النصرة التامة وإنزاله منزلته التي أنزله الله تعالى والذب عن حياض سنته ونشر شريعته والدعوة إلها وجهاد أعدائها بالمستطاع والمقدور عليه من أنواع الجهاد بالسيف واللسان والقلم والمال.

والحادي عشر: الاعتقاد الجازم أنه أفضل الرسل وأكملهم وأن شريعته أكمل الشرائع وأخفها وآخر الشرائع وأنه صاحب المقام المحمود والحوض المورود، والله أعلم.

الإيمـان بالله

الشيـخ / وليـد بن راشـد

س99: ما أركان الإيمان - إجمالاً - مع الأدلة ؟
ج99: أركان الإيمان ستة : الإيمان بالله تعالى ، وبملائكته ، وبكتبه ، وبرسله ، وباليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره .
قال تعالى : ﴿ آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ... ﴾ الآية[البقرة:285] ، وقال تعالى : ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ... ﴾ الآية[البقرة:177] ، وقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾[النساء :136] .
وفي حديث جبريل المشهور : ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ) . قال : صدقت . رواه مسلم ونحوه في المتفق عليه من حديث أبي هريرة ، وغير ذلك ، والله أعلم .
س100: كيف يتحقق الإيمان بالله تعالى ؟ مع تفصيل ذلك بالأدلة والإسهاب في ذلك .
ج100: لا يتحقق الإيمان بالله تعالى إلا إذا آمنا بأربعة أمور :
الأمر الأول :
أن نؤمن بوجوده ، وقد دل على جوده الفطرة والعقل والحس والنقل ، ولم أؤخر النقل إلا لأن المنكِر لوجوده جل وعلا لا يؤمن بالنقل فلابد من مخاطبته أولاً بالمتقرر فطرة وعقلاً وحسًا من باب التمهيد لدلالة النقل، فانتبه لهذا .
فأما الدليل الفطري : فإن الله تعالى قد فطر النفوس على الإقرار بوجوده وربوبيته ولا ينكر ذلك إلا من تلوثت فطرته بالمؤثرات الخارجية ، قال تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾[الأعراف:172] ، والإقرار بربوبيته جل وعلا متضمن للإقرار بوجوده ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) ولم يقل يسلمانه ؛ لأنه مسلم بالأصالة وفطرته على الإسلام متضمن لفطره على الإقرار بالوجود ، وفي الحديث القدسي قال الله تعالى : ( خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ) ، فلو تركت الفطرة وشأنها لنشأ صاحبها مقرًا كل الإقرار بوجود الله تعالى وربوبيته ، فكل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم .
وأما الدليل العقلي : فلأن هذا العالم علويه وسفليه كائن بعد أن لم يكن وحادث بعد عدم ، وقد تقرر في المعقولات أن كل حادث فلابد له من محدث ، وكل مفعولٍ فلابد له من فاعل ، وحينئذٍ فلا يخلو إما أن يكون هذا العالم قد أحدث نفسه بنفسه ، وإما أن يكون قد وجد هكذا صدفة ، وإما أن يكون له خالق قدير القدرة التامة ، ولا احتمال رابع ، فأما الأول فلا يمكن ولا يعقل لأنه من قبل أن يوجد نفسه كان عدمًا وهل المعدوم يوجد نفسه ؟ بالطبع لا ؛ لأنه لا شيء وما ليس بشيء فكيف يكون خالقًا لهذا العالم؟ وأما الثاني فلا يمكن أبدًا ولا يعقل أيضًا ؛ لأن هذا العالم خلق على نظام بديع ودقيق جدًا للغاية ولم يتبدل هذا النظام ولم يتغير ، وما وجد صدفة يمتنع في بدائه العقول أن يستمر على هذا النظام الرفيع والتناسق العجيب ، ونضرب لك مثلاً : لو قيل لك إن هناك أخشابًا على شط نهر قطعت نفسها بنفسها ورمت بنفسها في النهر وتراكب بعضها على بعض فصارت سفينة عظيمة تحمل المتاع من هذا الساحل وتنزله في هذا الساحل وتجوب الأمواج كل ذلك بلا ربان يقودها ولا أحد يسيرها ، فهل بالله عليك تقبل هذا ؟ بالطبع لا ، بل لا أظنك تتوقف عن اتهام عقل المخبر بذلك بآفةٍ من جنون أو تخريف ، فكيف بذلك العالم الكبير بأفلاكه ونجومه وكواكبه ومجراته العظيمة وسماواته وأرضه وجباله وسحابه ومطره وزرعه وعامريه من الإنس والجن والحيوانات يوجد هكذا صدفة أو يوجد نفسه بنفسه ، لا والله ليس الأمر كذلك ، فهذان الاحتمالان باطلان كل البطلان ، فإذا بطلا فلم يبق عندنا إلا الثالث وهو الحق الذي لا مرية فيه وهو أن الذي خلق هذا العالم هو الخالق القادر على كل شيء الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء الذي أمره بين الكاف والنون ، فإذا أراد شيئًا إنما يقول له كن فيكون ، جل وعلا وتقدس عن وصف أهل السوء ، وقد ذكر القرآن ذلك الدليل العقلي البديع في آية واحدة بأوضح ثم أوضح ثم أوضح من كلامي هذا ، وهي قوله تعالى : ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾[الطور:35] ، والله أعلم .
وأما الدليل الحسي : فمن وجهين :
أحدهما : إجابة الدعاء ، فيرفع العبد يديه سائلاً فتأتيه الإجابة ، فمن الذي سمع دعاءه وأناله رجاءه ؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو ، مجيب الدعوات وقاضي الحاجات ومفرج الكربات، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾[الصافات:75] ، وقال تعالى : ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ... ﴾ الآية[الأنبياء:83-84] ، وقال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾[الأنبياء:87] ، وقال تعالى : ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾[الأنبياء:89-90] ، فمن الذي سمع دعاء ذا النون وهو في هذه الظلمات فنجاه من هذه الكربات إلا رب الأرض والسموات ، ومن الذي سمع دعاء زكريا وهو مستخفٍ مُسِرٌ به في الخلوات فوهب له يحيى سيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين ، ومن الذي أجرى للمدينة السحابة العظيمة لتغيث العباد ببركة دعوته [صلى الله عليه وسلم] على المنبر ولم يكن في السماء قبل الدعاء سحاب ولا قزعة ؟ إنه الله تعالى ، ولا يزال ولن يزال ربنا جل وعلا هو كاشف السوء ومجيب المضطر إذا دعاه ، فهو ملاذ الراجين ومعاذ الخائفين ، فإجابة الدعاء من البراهين الحسية القاطعة الدالة على وجوده جل وعلا .
والثاني : معجزات الأنبياء ، التي بهرت العقول وأعلنت للعقول السليمة والفطرة المستقيمة صدق دعوى الأنبياء بأنهم رسل من عند الله تعالى ، فمن الذي أجراها على أيديهم ؟ إنه الله الحق القادر على كل شيء ، فبالله عليك من الذي فلق القمر وشقه نصفين ، ومن فلق البحر لموسى - عليه السلام - حتى صار كل فرق كالطود العظيم ، ومن الذي قلب له العصا حيـة تسعى فصـارت تلقف مـا يأفك السحرة ، ومن الذي أجرى على يد عيسى - عليه السلام - إبراء الأكمه والأبرص وإخراج الموتى من قبورهم ؟ أوليس هو الله ؟ بلى إنه الله جل في علاه ، ومن الذي أنزل هذا القرآن المعجز بلفظه ومعناه فلم يقدر أحد من أفصح فصحاء العرب على معارضته أو قول شيء من مثله آيات عظيمة تدل الدلالة القاطعة على وجوده جل وعلا ، فسبحان من طمس أعين الجاحدين عن رؤية شمس الحق وحجب قلوبهم عن التروي من برد اليقين والله أعلم .
وأما الدليل النقلي : فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه ، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به ، والله أعلم .
فهذا هو الأمر الأول من مقتضيات الإيمان بالله تعالى .

الأمر الثاني : الإيمان بربوبيته جل وعلا ، ومعناه الإيمان بأنه وحده المالك الخالق المتصرف وأن الأمر كله بيده ، قال تعالى : ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف:54]، وقال تعالى : ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾[الرعد:16] ، وقال تعالى : ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾[فاطر:3] ، وقال تعالى : ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾[الفرقان:2] ، وقال تعالى : ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾[فاطر:13] ، وقال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾[الملك:1] ، وقال تعالى : ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾[مريم:95:93] .
الأمر الثالث : الإيمان بألوهيته ، أي بأنه لا معبود بحق في هذا الكون إلا هو جل وعلا ، فالعبادة حقه لا شريك له فيها ، فلا يستحقها ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي صالح فضلاً عن القبور والأحجار والأشجار والنجوم والشمس والقمر والجن ، قال تعالى : ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾[آل عمران:2] ، وقال تعالى : ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ﴾[البقرة:163] ، وقال تعالى : ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾[آل عمران:18] ، وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾[الحج:62] ، وقال تعالى :﴿ أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴿ 21 ﴾ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾[الأنبياء:21-22] ، وقال تعالى : ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿ 91 ﴾ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾[المؤمنون:91] ، وقد سبقت أسئلة كثيرة عن هذا النوع من التوحيد ، والله أعلم .
الأمر الرابع : الإيمان بأسمائه وصفاته الواردة في الكتاب والسنة ، وسيأتي أسئلة خاصة بتفاصيل هذا النوع - إن شاء الله تعالى - .
فهذه جملة الأشياء التي يحصل بها تحقيق الإيمان بالله تعالى ، والله أعلم .
س101: ما ثمرات الإيمان بالله تعالى ؟
ج101: الثمرات كثيرة ونجملها لك فيما يلي :
منها : تحقيق توحيد الله تعالى ، بحيث لا ينصرف القلب ولا يتعلق بغيره رجاءً وحبًا وخوفًا وتوكلاً ولا يعبد غيره .
ومنها : كمال محبة الله تعالى وتعظيمه بمقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا .
ومنها : هدوء النفس وطمأنينة القلب وراحة البال وصفاء العيش وانشراح الصدر بمعرفته جل وعلا والإيمان به فإن السعادة مشروطة بذلك ، قال تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[النحل:97] .
ومنها : دوام شكره جل وعلا على نعمة الإيمان به والتوفيق لذلك بينما أكثر الخلق في ضلال وتيه عن هذه النعمة العظيمة التي لا توازيها نعمة .
ومنها : تحقيق عبادته جل وعلا بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه ، رضى وتسليمًا رجاء ثوابه وخوفًا من عقابه .
ومنها : دعوة الخلق إلى الإيمان به جل وعلا والتواصي بذلك والصبر على ما يحصل للداعي إلى ذلك من الأذى في سبيل الله جل وعلا واحتساب الأجر في ذلك ، والله أعلم .
س102: اذكر بعض الأوجه مقرونة بأدلتها على بطلان عبادة ما سوى الله تعالى لتكون سلاحًا نتسلح به عند مجادلة من يصرف شيئًا من العبادة لغير الله جل وعلا .
ج102: هذا سؤال عظيم النفع جليل القدر ، وجوابه أن يقال : الأوجه كثيرة ، ولكن أذكر لك أهمها :
فمنها : التصريح ببطلان عبادتها كقوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾[الحج:62] .
ومنها : النهي الصريح عن عبادة ما سواه جل وعلا ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾[يونس:106] ، وقال تعالى : ﴿ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾[الإسراء:39].
ومنها : سلب خصائص الإلهية عنها ووصفها بالأوصاف التي لا تصلح أن تكون معها آلهة وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى : ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴾[الفرقان:3] ، وكقوله تعالى : ﴿ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾[مريم:42] ، وكقوله تعالى : ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿ 191 ﴾ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾[الأعراف:191-192] ، ونحو هذه الآيات .
ومنها : الإخبار الصريح القاطع بأن هذه المعبودات لا تملك شيئًا وأنها لا تسمع داعيها ولا تستجيب له ، قال تعالى : ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴿ 13 ﴾ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر:13-14] ، وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴾[الأحقاف:5] ، وقال تعالى : ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾[سبأ:22] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾[الأعراف:194] .
ومنها : الإخبار بأن هذه المعبودات من الأشجار والأحجار مفتقرة في وجودها وحفظها إليهم ، قال تعالى : ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴿95﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾[الصافات:95-96] ، وقال تعالى : ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ﴿74﴾ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴾[يس:74-75]، أي أن عابدها اتخذها آلهة لتنصره وهي في حقيقتها لا تستطيع ذلك لعجزها العجز المطلق ، بل عابدها جندي لها يحفظها ممن أرادها بمكروه فكيف يرجو أن تنصره وهي أصلاً مفتقرة لحفظه ونصره فإن فاقد الشيء لا يعطيه .
ومنها : نفي هذه الآلهة بـ ( لا ) النافية للجنس ، والمراد نفي أحقية عبادتها وذلك في آيات كثيرة يقول الله فيها : ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ فإن قوله : ﴿ لَا إِلَهَ ﴾ نكرة في سياق النفي وهي مفيدة للعموم ، فكل ما عبد من دون الله جل وعلا فهو باطل وإنما المعبود بحق هو الله وحده جل وعلا .
ومنها : الإخبار بأن هذه المعبودات ستتبرأ من عبادها يوم القيامة وتكون له عدوًا وخصمًا ، وهذا يفيد بطلان زعمهم أنها تنفعهم في الآخرة ، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾[الأحقاف:6] ، وقال تعالى عن خليله إبراهيم - عليه السلام - أنه قال لقومه : ﴿ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾[العنكبوت:25] .
ومنها : الاستدلال عليهم بضرب الأمثال بما هو متقرر عندهم عقلاً وحسًا ، كما في قوله تعالى : ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾[الروم:28]، أي أيرضى أحدكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله فهو وعبده فيه سواء ينفق العبد من ماله كما ينفق ويتصرف فيه كما يتصرف فإن أحدكم يأنف من ذلك ولا يرضاه ، أي أنه لا يرضى أن يكون عبده شريكًا في حقه فكيف تجعلون لله أندادًا من عبيده وخلقه وتصرفون لهم ما هو من خالص حقه ؟ كيف ترضون لله ما لا ترضونه لأنفسكم ؟ فأنتم لا ترضون أن يشارككم عبيدكم في حقكم وما تملكونه وأنتم تجعلون لله شركاء في عبادته التي هي حقه الصرف ، فإن هذا أمر لا يرضاه الله أيضًا ، ويذكرني هذا بأمرين :
أحدهما : أن المشركين كانوا يقتلون بناتهم خوف العار ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿ 58 ﴾ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ ﴾[النحل:58-59] - أي ذلة وصغار - ﴿ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ﴾[النحل:59] ، وهم مع ذلك ينسبون البنات إلى الله سبحانه وتعالى فيقولون : الملائكة بنات الله ، فقال تعالى : ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾[النحل:58] .
الثاني : قرأت في مناظرة الباقلاني مع النصارى أنه لما دخل على أسقفهم وكبيرهم قال له - عمدًا - : كيف الأهل والأولاد ؟ فأنف الأسقف من ذلك وتمعر وجهه لأنه نسبه إلى النقص ، إذ الأسقف عندهم لا يصلح أن تكون له زوجة ولا ولد ، فقال الباقلاني : أيستحي أحدكم أن ينسب له الزوجة والولد وأنتم تقولون : إن الله اتخذ صاحبة وولدًا ، فكيف ترضون لله ما لا ترضونه على أنفسكم . قلت : فهذا مثل هذا ، والله أعلم .
ومنها : الإخبار بضعف هذه المعبودات ، كما قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾[الحج:73] فكيف تترك عبادة القوي القادر من كل وجه ويعبد الضعيف العاجز من كل وجه ؟
ومنها : الاستدلال على ذلك ، أي على أحقيته جل وعلا بالعبادة وتفرده بها بتوحيد الربوبية ، وهذا كثير جدًا في القرآن يصعب حصره .
ومنها : الإخبار بأن هذه المعبودات من الأشجار والأحجار والجن ومن رضي بعبادته من الطواغيت معهم في النار ، فقال تعالى : ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾[الأنبياء:98] .
ومنها : الإخبار في آيات كثيرة بأن هذه المعبودات لا تضر ولا تنفع كما قال تعالى : ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾[يونس:18] ، فكيف تترك عبادة من بيده النفع والضر ويعبد من لا يملك نفعًا ولا ضرًا ؟ وقال تعالى : ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾[هود:101] .
ومنها : مناظرة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه ، فإنها من البراهين الواضحة والحجج القاطعة على بطلان عبادة ما سوى الله تعالى ، فعليك بها قراءة وحفظًا وتدبرًا .
ومنها : الإخبار الصريح بأن هذه المعبودات ليست بشركاء لله تعالى في ملكه وإلهيته وتصرفه وإنما هو ظن من أصحابها وتخرص كما قال تعالى : ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾[يونس:66] ، وقال تعالى : ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾[يوسف:40] ، فعبادة هذه الأشياء إنما مبناه على الظن والكذب والهوى والتخرص .
ومنها : إبطال عبادتها بقياس الأولى ، فالله تعالى أبطل عبادة الملائكة ، فقال تعالى : ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿ 27 ﴾ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾[الأنبياء:27-28] ، وقال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿ 40 ﴾ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾[سبأ:40-41] ، وقال تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾[النجم:26] ، وفي الحديث : ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله ... ) الحديث ، فإذا كانت عبادة الملائكة على عظيم خلقهم وقوة أجسامهم باطلة فكيف بعادة الحجرة والشجر والصنم والقبر ونحوها ؟
والأوجه كما ذكرت كثيرة لكن هذا ما حضرني وقت تسطير هذه الأحرف اليسيرة التي أسأل الله جل وعلا باسمه الأعظم أن يبارك فيها وينفع بها مقيدها وعامة المسلمين ، والله أعلم .


الإيمـان بالمـلائـكـة

ناصر بن مسفر الزهراني

س103: مَنْ الملائكة ؟
ج103:
الملائكة : عالم غيبي مخلوقون من نور للقيام بأعمال مخصوصة .
فقوله : ( عالم غيبي ) قيد أخرج عالم الإنس ؛ لأنه عالم مشاهد ظاهر .
وقوله : ( مخلوقون من نور ) قيد أخرج عالم الجن والشياطين ؛ لأنهم مخلوقون من مارج من نار .
وقوله : ( للقيام بأعمال مخصوصة ) يدخل فيه جميع ما ورد من الأعمال التي يقوم بها الملائكة مما علمناه ومما لم نعلمه ، والله أعلم .
س104: كيف يتم تحقيق الإيمان بالملائكة ؟ مع التدليل والتفصيل .
ج104
: لا يتم الإيمان بالملائكة إلا إذا استوفيت الإيمان بعدة أمور :
الأول : أن تؤمن بوجودهم ، وقد دل على وجودهم النقل ، وذلك في آيات كثيرة سيأتي بعضها - إن شاء الله تعالى - ، ويتضمن الإيمان بوجودهم الإيمان بأنهم أجسام لا أنهم مجرد أعراض أو أنهم قوى الخير كما يقوله بعض طوائف الفلاسفة الحمقى .
الثاني : الإيمان بمن علمنا اسمه منهم ومن لم نعلم اسمه منهم ، فنؤمن بهم إجمالاً ، فمن علمنا اسمه جبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك ومنكر ونكير ورضوان ، وكل من صح الدليل باسمه فنؤمن به وباسمه .
الثالث : الإيمان بما علمنا من صفاتهم الواردة في الكتاب والسنة ، ودونك بعضها :
فمنها : أنهم أولوا أجنحة ، قال تعالى : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[فاطر:1] ، وفي حديث أبي هريرة في تفسير قوله تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾[سبأ:23]، قال : ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ) .
ومنها : وصف الله تعالى لعبده ورسوله جبريل - عليه السلام - كما قال جل وعلا : ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴿ 5 ﴾ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ﴾[النجم:5-6] ، وقال جل وعلا : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿ 19 ﴾ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿ 20 ﴾ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾[التكوير:21:19] ، وفي الحديث عند مسلم عن عائشة مرفوعًا : ( رأيته منهبطًا من السماء له ستمائة جناح سادًا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ) .
ومنها : وصف الله تعالى لملائكة العذاب ، في قوله : ﴿ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾[التحريم:6] .
ومنها : أنهم لا يفترون ولا يملون في القيام بما أوكل إليهم من الأعمال ولا في عبادة الله تعالى ، قال تعالى : ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾[الأنبياء:20] ، وقال تعالى : ﴿ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ﴾[فصلت:38] .
ومنها : أنهم منزهون عن مخالفة الأمر وفعل المعصية ، قال تعالى : ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾[التحريم:6] ، وقال تعالى : ﴿ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿ 26 ﴾ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾[الأنبياء:26-27] ، وقد ذكر الله تعالى في آيات كثيرة أنه لما قال لهم : ﴿ اسْجُدُوا لِآَدَمَ ﴾[البقرة:34] امتثلوا الأمر فبادروا بالسجود.
ومنها : أنهم لا يأكلون ولا يشربون ، ويستدل عليه بقصة أضياف إبراهيم ، قال تعالى: ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾[الذريات:21] .
ومنها : أنهم أعداد كثيرة لا يحصيهم الرقم ولا يحيط بهم العد ، قال تعالى : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾[المدثر:31] ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( أطت السماء وحق لها أن تئط ما من موضع أربع أصابع إلا ملك ساجد أو راكع ) ، وفي الحديث في صفة البيت المعمور: ( فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم )، وأضرب لك مثالاً واحدًا على كثرتهم وذلك في قوله [صلى الله عليه وسلم] : ( يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها )، فعدد هؤلاء فقط( 490000000000 ) أربعة مليار وتسعمائة مليون ملك ، فسبحان من أحصاهم وخلقهم وتعالى وتبارك وتقدس .
الرابع : الإيمان بما علمنا من أعمالهم الواردة في الكتاب والسنة ، فمن ذلك أن جبريل - عليه السلام - هو الموكل بالوحي ، وميكائيل هو الموكل بالقطر والزرع مما به حياة الأرض ، وإسرافيل هو الموكل بالنفخ في الصور ، ومنكر ونكير موكلان بسؤال أصحاب القبور ، وملك الموت هو الموكل بقبض أرواح العباد ، ومنهم ملائكة موكلون بالنطفة في الرحم من نفخ الروح فيها وكتابة ما سيكون عليه من ذكورة وأنوثة أو شقاوة وسعادة ، ومنهم الملائكة الموكلة بالجبال ، ومنهم الملائكة الحفظة الذين يحفظون العبد ، قال تعالى : ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾[الرعد:11] ، والملائكة الذين يحفظون أعمال العبادة بكتابتها ، قال تعالى : ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿ 10 ﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾[الانفطار:10-11] ، ومن ذلك الملائكة الذين يتعاقبون علينا بالليل والنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر كما في الحديث المعروف : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار ) ، ومنهم الملائكة السيارة الذين يسيحون في الأرض بحثًا عن حلق الذكر كما في حديث : ( إن لله ملائكة سيارة ... ) الحديث ، ومنهم الملائكة الموكلون بالنار ومقدمهم مالك - عليه السلام - ، وغير ذلك من الأعمال مما ثبت في الكتاب والسنة .
فإذا أتممت الإيمان بهذه الأمور الأربعة فإنك تكون قد حققت الإيمان بالركن الثاني من أركان الإيمان وهو الإيمان بالملائكة ، والله يعيننا وإياك على تحقيق ذلك التحقيق الكامل ، والله أعلم .
س105: هل هناك من اعتقد في الملائكة اعتقادًا فاسدًا ؟
ج105:
نعم هناك من اعتقد بعض الاعتقادات الفاسدة في الملائكة .
فمن ذلك : أن بعض الطوائف تعتقد أنهم يتصفون بشيء من صفات الألوهية فعبدوهم من دون الله تعالى ، قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿ 40 ﴾ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾[سبأ:40-41] ، وقال تعالى عنهم : ﴿ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿ 26 ﴾ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾[الأنبياء:26-27] ﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾[الأنبياء:29]، وبه يتقرر أن الملائكة لا تحمل شيئًا من صفات الألوهية ولا يجوز صرف شيء من العبادة لها؛ لأن العبادة حق الله الخالق لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي صالح.
ومن ذلك : أن المشركين كانوا يعتقدون أن الملائكة إناث ، وهذا اعتقاد فاسد باطل كل البطلان ، قال تعالى : ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾[الزخرف:19] ، وقال تعالى : ﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ﴿ 149 ﴾ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ﴿ 150 ﴾ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿ 151 ﴾ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾[الصافات:152:149] .

ويتضمن ذلك الاعتقاد اعتقاد آخر فاسد وهو اعتقاد أن بين الملائكة وبين الله نسبًا ، قال تعالى : ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾[الصافات:158] ، والجنة هنا يراد بهم الملائكة على قول كثير من المفسرين .

ومن ذلك : ما يعتقده الفلاسفة الحمقى المجانين السفهاء السقطاء الذين خالفوا المنقول وناقضوا المعقول من أنه لا حقيقة للملائكة وليسوا بأجسام ، ولكن المراد بهم قوى الخير كما أن المراد بالشياطين قوى الشر ، وهذا المذهب كفر مخالف للقرآن والسنة ، فإن ما ورد من صفاتهم في الكتاب والسنة تدل على أن لهم حقيقة وأنهم أجسام .
س106: ما القاعدة المتقررة عند أهل السنة والجماعة في عالم الملائكة؟
ج106:
القاعدة في ذلك : أن هذا العالم غيبي ومبنى أموره نفيًا وإثباتًا على الدليل الشرعي الصحيح ، أي أنه لا مدخل للعقل في إثبات شيء له أو نفيه عنه ، بل الواجب هو الوقوف على ما وقف عليه النص ولا نتعدى القرآن والحديث ، فمن أثبت لهذا العالم شيئًا فإن قبولنا لهذا الإثبات موقوف على الدليل ومن نفى عنه شيئًا فإن قبولنا لنفيه موقوف على الدليل ، فمن جعل العمدة في هذا الباب على عقله فقد ضل وأضل ولن يرجع إلا بالحيرة والتيه والشكوك والإشكالات التي لا مخرج منها إلا اعتماد هذه القاعدة المباركة ، فعظ عليها بالنواجذ واجعلها أساسًا لك في هذا الباب فما أثبته الدليل أثبتناه وما نفاه نفيناه وما لم يرد فيه إثبات ولا نفي فالواجب السكوت عنه ، والله أعلم .
س107: هل الملائكة تموت ؟
ج107:
نعم قد كتب عليها الموت ، كما قال تعالى : ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾[الزمر:68] ، ولعموم قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾[آل عمران:158] ، ولعموم قوله تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾[الرحمن:26] ، وآخر من يموت ملك الموت وينفرد الحي القيوم الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء ، ولعموم قوله تعالى : ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾[القصص:88] ، ولكن اعلم أن الدليل إنما أثبت موتهم يوم النفخ في الصور ، وأما قبل ذلك فلا علم لنا به ، وما لا علم لنا به فالواجب حتمًا فيه أن نقول : لا نعلم ، وكما مضى في إجابة السؤال السابق فليكن منك على ذكرٍ ، والله أعلم .
س108: هل الملائكة تتمثل في صور البشر ؟ مع ذكر الدليل .
ج108: نعم ، كما وردت بذلك الأدلة من الكتاب والسنة ، قال تعالى : ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴾[مريم:17] ، وقال تعالى : ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾[الذريات:24] ، فإنهم جاءوه على صورة البشر ، ولذلك ظنهم إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - من عابري السبيل فقرب الطعام إليهم .
وقال تعالى : ﴿ لَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾[هود:77] ، قال العلماء : ( إنهم جاءوه في صورة شباب حسان الوجوه ) .
وكذلك ثبت ذلك في حديث جبريل المشهور عند مسلم وفيه : ( إذ طلع رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ) ، وفيه : ( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ) ، وقد كان جبريل يأتي النبي [صلى الله عليه وسلم] كثيرًا في صورة دحية بن خلف الكلبي وهو من أجمل الصحابة صورة .
وكذلك ثبت في الصحيح في قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وفيه : ( فأرسل الله لهم ملكًا في صورة رجل ) .
ومنها أيضًا حديث الرجل الذي زار أخًا له في قرية فأرصد الله على مدرجته ملكًا في صورة بشر يسأله .
ومنها أيضًا ما ثبت في الصحيح في قصة الثلاثة من بنبي إسرائيل : الأعمى والأقرع والأبرص ، وأن الذي ابتلاهم ملك أرسله الله تعالى على صورة بشر .
فهذه الأدلة تفيد أن الملائكة يتمثلون في صورة البشر بل في أحسن صور البشر ، والله أعلم .
س109: هل الملائكة أفضل أم صالحي البشر ؟
ج109:
فيه خلاف قديم بين العلماء والأقرب في ذلك ما اختاره الشيخ تقي الدين وتابعه عليه ابن القيم - رحمهما الله تعالى - : أن الملائكة أفضل باعتبار البداية ؛ لأنهم الآن في الرفيق الأعلى منزهون عن ما يلابسه بنوا آدم مستغرقون في عبادته جل وعلا ، ولاريب أن هذه الأحوال أكمل من أحوال البشر ، وصالحي البشر أكمل باعتبار النهاية أي بعد دخول الجنة وينل الزلفى وتحية الرحمن والإكرام برؤيته في دار السلام وتخصيصهم بمزيد القرب وقيام الملائكة لخدمتهم بإذن ربهم يدخلون مسلمين عليهم من كل باب ، قال ابن القيم : ( وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم على حقه ) اهـ .
س110: هل الملائكة تلعن أحدًا ؟
ج110:
نعم ، والضابط في ذلك أنها تلعن من لعنه الله تعالى ، وقد ثبت بذلك الأدلة الكثيرة ، أذكر لك بعضها :
فمنها : لعنتهم للكافرين ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾[البقرة:161] ، وقال تعالى : ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ 86 ﴾ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾[آل عمران:86-87] .
ومنها : لعنهم للمرأة التي لا تستجيب لزوجها في فراشه ، ولا مانع شرعي يمنعها من حيض أو نفاس ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح ) ، وفي رواية : ( حتى ترجع ) .
ومنها : لعنهم للذي يشير إلى أخيه بحديدة ، كما رواه مسلم [رضي الله عنه] من حديث أبي هريرة [رضي الله عنه] قال : قال أبو القاسم [صلى الله عليه وسلم] : ( من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه ) .
ومنها : لعنهم من سب أصحاب النبي [صلى الله عليه وسلم] ، فقد روى الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : (من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).
ومنها : لعنهم من حال دون تنفيذ شرع الله تعالى ، ففي سنن النسائي وابن ماجه بسندٍ صحيح عن ابن عباس أيضًا أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : (من قتل عمدًا فقود يديه ،فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ، فالذي يحول دون تنفيذ القصاص في القاتل عمدًا عليه هذه اللعنة فكيف بالله عليك بالذي يحول بين تطبيق الشريعة من أساسها ويحكم القوانين الوضعية ويحمل عليها الناس بالحديد والنار ؟ اللهم غفرًا ، والله أعلم .
ومنها : لعنهم لمن آوى محدثاً ، ففي الحديث الصحيح : ( من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) ، والحدث في المدينة النبوية أشد جرمًا وأعظم جرمًا ، ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً ) .
فهذه بعض الأمثلة على إجابة هذا السؤال ، والله تعالى أعلى وأعلم .
س111: ما ثمرات الإيمان بالملائكة ؟
ج111:
ثمرات الإيمان بالملائكة كثيرة وألخصها فيما يلي :
الأولى : العلم بعظيم قدرة الله تعالى وعظمته وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق جل وعلا .
الثاني : الإيمان بقدرته التامة جل وعلا على إحياء الموتى وبعث الأجساد من القبور لفصل القضاء ، فإن الله الذي خلق هؤلاء الملائكة على هذه الصفات العظيمة وهم أكبر من خلق الناس بكثير قادر من باب أولى على إعادة هذا الخلق الصغير الذي مبدؤه نطفة ثم علقة .
الثالث : تحقيق محبة الملائكة ، فإنهم يحبون المؤمنين ويدعون لهم بالمغفرة والجنة هم وآباؤهم وأزواجهم وذرياتهم وعلى ما قاموا به من عبادة الله تعالى ، وغير ذلك من أسباب وجوب المحبة .
الرابع : ألا نؤذيهم بقول أو فعل ، ومن ذلك ألا نفعل ذنبًا أو معصية ، فإن الملائكة تتأذى من ذلك لعلمها أن ذلك هو طريق النار وهي تريد لنا الجنة ، وإذا أردنا أن نحضر للمساجد فلا نأكل ثومًا ولا بصلاً ولا شيئًا له رائحة كريهة ، ولا نؤذي عباد الله المؤمنين فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم .
الخامس : التشبه بهم فيما هو داخل تحت قدرتنا من صفاتهم ، كالدأب والاستمرار على عبادة الله تعالى ، وأن لا نعصي الله ما أمرنا ونفعل ما نؤمر به ، ومن ذلك تحسين صفوف الصلاة ، من تقاربها وتراصها وسد الفرج وإتمام الصفوف الأول فالأول ، ومن ذلك تعظيم كلام الله المنزل أي القرآن ، وتعظيم السنة ، والبحث عن حلق تعليم العلم النافع ، والتواضع لأهل العلم فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب ، ومن ذلك الاستغفار للمؤمنين ومحبتهم وإرادة إيصال الخير والنفع لهم والدعاء لهم بالجنة ، ومن ذلك الاتصاف بالأمانة قولاً وفعلاً والقيام بها وأدائها إلى أهلها ونحو ذلك ، والله أعلم .
السادس : شكر الله تعالى على عنايته ببني آدم ، حيث وكل من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم وكتابة أعمالهم وإعانتهم على القيام بمصالحهم وغير ذلك ، والله أعلم .
س112:كيف الرد على الزائغين الذين ينكرون حقيقة الملائكة ويقولون إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات؟
ج112:
الرد عليهم أن نقول : هذا تكذيب لكتاب الله وسنة رسوله [صلى الله عليه وسلم] وخرق لإجماع المسلمين :
قال تعالى : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[فاطر:1]، وقال تعالى : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾[الأنفال:50] ، وقال تعالى : ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾[الزخرف:19] ، وقال تعالى : ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴿ 23 ﴾ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾[الرعد:23-24] وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( وخلقت الملائكة من نور ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( رأيته منهبطًا من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض ) ، وقال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿ 13 ﴾ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾[النجم:13-14] ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ) رواه البخاري من حديث أبي هريرة [رضي الله عنه] ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول ، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر ) رواه البخاري ، وفي حديث عمر المشهور : ( إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ) .
وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة الدلالة القاطعة أن الملائكة لهم حقيقة خارجية ، وأنهم أجسام تصعد ، وتهبط ، وتقبض ، وتكتب ، وتضرب الكفار عند الوفاة ، وأنهم يُرون إذا تشكلوا على صورة البشر ، وأنهم يصيبهم الخوف والفزع والرعدة والصعق إذا سمعوا كلام الله بالوحي ، وأنهم يركعون ويسجدون ويسبحون ، ويستغفرون للذين آمنوا .كل ذلك وغيره مما ثبت به الدليل رد على هذه الطائفة الزائغة وهم الفلاسفة ومن نهج سبيلهم من هذه الأمة ، وهذا الاعتقاد الذي يعتقده هؤلاء في ملائكة الرحمن جل وعلا كفر وردة ، والعياذ بالله تعالى ، والله أعلم .


الإيمـان بالكـتـب والــرســل

الشيـخ / وليـد بن راشـد

س113: كيف يتم تحقيق الإيمان بكتب الله جل وعلا ؟
ج113:
لا يتم تحقيق الإيمان بالكتب إلا إذا آمنا بخمسة أمور :
الأول :
الإيمان بأنها نزلت من عند الله حقًا وأنها كلام الله تعالى منزلة غير مخلوقة .
الثاني : الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه كالقرآن الذي نزل على نبينا محمد [صلى الله عليه وسلم] ، والتوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى - عليه الصلاة والسلام - ، والإنجيل الذي أنزله الله تعالى على عيسى - عليه الصلاة والسلام - ، والزبور الذي أنزله الله تعالى على داود - عليه الصلاة والسلام - ، وصحف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ، وما لم نعلم اسمه منها فنؤمن به إيمانًا مجملاً .
الثالث : تصديق ما صح من أخبارها كأخبار القرآن وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة .
الرابع : العمل بأحكام ما لم ينسخ منها والرضا والتسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها ، وجميع الكتب السابقة نسخت شرائعها بالقرآن الكريم ، وبناءً عليه فلا يجوز العمل بأي حكمٍ من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها وأقره القرآن الكريم .
الخامس : الإيمان بأن القرآن الكريم أفضلها وأجمعها وآخرها وهو المهيمن عليها وأنه المحفوظ من الزيادة والنقصان ، قال تعالى : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾[الحجر:9] ، والله أعلم .
س114: ما ثمرات الإيمان بالكتب ؟
ج114:
ثمرات الإيمان بالكتب كثيرة نذكر منها ما يلي :
الأولى :
العلم بكبير عناية الله تعالى ورحمته بعباده حيث لم يتركهم همجًا رعاعًا في جهل وعماية ، بل أنزل لهم كتبًا وجعلها نورًا وهدى للناس لتعرفهم كيف يعبدون الله تعالى وتهديهم إلى الصراط المستقيم والمنهج القويم .
الثانية : السعي الحثيث في طلب الهداية من القرآن قراءة وحفظًا وتعلمًا وتدبرًا وعملاً وتحكيمًا ومردًا عند التنازع واستشفاءً به وغير ذلك من سبل الاهتداء به .
الثالثة : وجوب الذب عن هذا الكتاب العزيز الذي هو مصدر عز هذه الأمة ، وذلك بنشر الاعتقاد الصحيح فيه وكشف الدعاوى المغرضة التي تريد الحط من قدره وزعزعة الثقة فيه وأنه لا يصلح للقرن العشرين وغيرها من الدعاوى التي يراد منها إبعاد الأمة عن القرآن والإقبال على غيره .
الرابعة : العلم بحكمة الله تعالى في شرعه حيث جعل لكل قوم ما يناسبهم من التشريع ، قال تعالى : ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾[المائدة:48] .
الخامسة : تحقيق كمال الإيمان بالقرآن بإكمال تعظيمه فلا يمسه إلا على طهارة تامة من الحدث والخبث وأن يستاك عند قراءته وأن لا يقرأه في أماكن اللغو والرفث والفسوق وألا يمتهنه بقولٍ أو فعلٍ أو يجعله تميمة أو يعلق آياته على الجدران ، وألا يكتب عليه شيئًا كما يفعله كثير من طلبة المدارس - هداهم الله تعالى - ، والله تعالى أعلى وأعلم .
س115: كيف نحقق الإيمان بالرسل ؟
ج115: نحقق الإيمان بالرسل إذا استوفينا الإيمان بعدة أمور :
الأول :
الإيمان بأن الله قد بعث في كل أمةٍ من الأمم رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾[النحل:36] ، وهذا يتضمن أن دينهم واحد وشرائعهم مختلفة ، قال تعالى : ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾[المائدة:48] ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد وشرائعنا مختلفة ) .
الثاني : الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع ، كما قال تعالى : ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ﴾[الشعراء:150] ، فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل مع أنه لم يكن رسول غير نوح حين كذبوه ، وقال تعالى : ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾[البقرة:285] ، أي في الإيمان بأن رسالتهم حق من عند ربهم جل وعلا ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ 150 ﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿ 151 ﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾[النساء:152:150] ، وبناءً عليه فالنصارى الذين كفروا برسالة محمد [صلى الله عليه وسلم] هم في الحقيقة كفار بكل الرسالات من رسالة عيسى وموسى وإبراهيم ونوح - عليه الصلاة والسلام - .
الثالث : الإيمان بمن علمنا اسمه باسمه وقد سمى الله في القرآن عددًا من الأنبياء والرسل ، كآدم وإبراهيم وإسماعيل ومحمد وموسى وعيسى ونوح وهود وصالح وشعيب وداود وسلميان وأيوب ويونس وهو ذو النون وذا الكفل واليسع ولوط وهارون وإسحاق ويعقوب وزكريا ويحيى وإدريس وإلياس والأسباط وهم أنباء بني إسرائيل وكذلك الخضر على الصحيح من أقوال أهل العلم ، قال تعالى : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿ 83 ﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾[الأنعام:83-84] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴿ 163 ﴾ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾[النساء:163-164] ، ومن لم نعلم اسمه منهم فإننا نؤمن بهم إيمانًا مجملاً كما قال تعالى : ﴿ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ .
الرابع : تصديق ما صح من أخبارهم مع أممهم ، وهذا داخل في الإيمان بأخبار القرآن ، فأخبارهم صدق وحق لا يتطرق إليها الكذب بوجهٍ من الوجوه .
الخامس : العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم وأفضلهم محمد رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، قال تعالى : ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[النساء:65] .
السادس : الإيمان الجازم بأن رسالته [صلى الله عليه وسلم] رسالة عامة للثقلين الإنس والجن ، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾[سبأ:28] ، وقال تعالى عن من آمن منهم بعد سماع القرآن أنهم قالوا لقومهم : ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ 31 ﴾ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ... ﴾ الآية[الأحقاف:31-32] ، وقال [صلى الله عليه وسلم] : ( وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ) ، والله أعلم .
س116: هل النبوة مكتسبة أم مبناها على الاصطفاء والاختيار ؟ وضح ذلك بالدليل .
ج116:
أقول : قول المسلمين هو أن النبوة مبناها على الاصطفاء والاختيار وهو عائد إلى الله تعالى
، قال تعالى : ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾[الأنعام:124] ، وقال تعالى : ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ﴾[الحج:75] ، وهي داخلة في عموم قوله تعالى : ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾[القصص:68] .
وأما القول بأنها مكتسبة فإنه كفر وخروج عن الملة ؛ لأنه مكذب للنص الصريح القاطع ، ولأنه يفضي إلى ادعاء النبوة بعده [صلى الله عليه وسلم] ، وقد قال تعالى : ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾[الأحزاب:40] ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( وختم بي النبيون ) ، وقال : ( سيكون بعدي ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي ) ، فالقول بأنها مكتسبة من هذيان الفلاسفة وتخريفاتهم وأباطيلهم ، وما هي بأول كفرياتهم ، والله المستعان وهو أعلى وأعلم .
س117: ما الفرق بين النبي والرسول ؟ مع تفصيل الإجابة بالدليل والتعليل .
ج117:
الفرق المشهور هو أن النبي من بعث بشرع ولم يؤمر بإبلاغه ، والرسول من أوحي إليه شرع وأمر بإبلاغه ، ولكن هذا الفرق فيه نظر من عدة وجوه
:
أحدها : قال تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ... ﴾ الآية[الحج:52] ، فأثبت هنا أن النبي داخل ضمن من أرسل ومن لوازم ذلك أن يرسل إلى قوم ويبلغهم ما أرسل به ، فكيف يقال : ولم يؤمر بإبلاغه ؟
الثاني : ثبت في الصحيح أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : ( عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد ) ، وهذا دليل على أنهم مبعوثون للبلاغ وأن من أطاعهم وصدقهم فهو معهم ومن عصاهم وكذبهم فقد خاب وخسر فكيف يقال : ولم يؤم بإبلاغه ؟
الثالث : أن المقصود الأعظم من الوحي هداية الناس وإرشادهم ودلالتهم إلى الصراط المستقيم ، وما الفائدة من وحي لم يؤمر بإبلاغه من أوحي إليه ، مع أن الناس في زمنه محتاجون لما معه أشد من حاجتهم للطعام والشراب ، فيكف لا يلزم بإبلاغه مع شدة الحاجة وكثرة المخالفة .
الرابع : أن الواجب على أهل العلم إبلاغ الشريعة وتعليم الجاهل وإرشاد الضال وإفتاء السائل ، وقد توعدوا بالوعيد العظيم على كتم شيء من ذلك ، فإذا كان هذا هو الواجب في حق أهل العلم فكيف لا يكون واجبًا في حق الأنبياء وهم أفضل وأكمل من أهل العلم ، بل هم سادات أهل العلم ، وأهل العلم إنما يصدرون عن قولهم ويبلغون شريعتهم ، وهذا من باب الاستدلال بقياس الأولى وهو حجة بالاتفاق ، قال تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾[آل عمران:187] .
فأنت ترى أن هذا القول ترد عليه هذه الواردات التي هي في ذاتها صحيحة ، ومجرد شهرته ليست بدليل على صحته .
وبناءً عليه فالفرق الصحيح بين النبي والرسول : أن الرسول من جاء بشرع جديد ، والنبي من جاء مجددًا لشريعة من قبله ، والله أعلم .
س118: كيف نجمع بين قوله تعالى : ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة:285] وبين قوله تعالى : ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253] ؟
ج118:
لا اختلاف في ذلك ألبته وبيانه أن يقال :

لا نفرق بين الرسل في أصل الإيمان برسالتهم وأنها حق وصدق من عند الله تعالى ، فهم بهذا الاعتبار لا نفرق بين أحد منهم ، فلا نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، كما ورد ذلك مفسرًا في قوله تعالى : ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾[النساء:150] ، فهذا هو التفريق المنهي عنه .
وأما باعتبار الشرائع التي بعثوا بها والمعجزات والبراهين التي أيدوا بها والفضائل التي ثبتت لآحادهم فإن بعضهم أفضل من بعض بهذا الاعتبار ويفسر ذلك قوله تعالى : ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ ، وعلى هذا فلا إشكال بين الآيتين ، والله أعلم .
س119: أيهما أفضل الأنبياء أم الرسل ؟ ومن أفضل الرسل ؟ مع ذكر الدليل .
ج119:
المتقرر عند أهل السنة
رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى وغفر لأمواتهم وثبت أحياءهم أن الرسل أفضل من الأنبياء ، وأفضل الرسل أولوا العزم المذكورون في قوله تعالى : ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾[الأحقاف:35] ، وهم : محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح ، وعلى جميع أنبياء الله ورسله أفضل الصلاة وأتم التسليم ، قال تعالى : ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾[الأحزاب:7] ، وقال تعالى : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾[الشورى:13] .
س120: ما وظيفة الرسل - عليهم السلام - ؟ مع بيان ذلك بالأدلة .
ج120:
للرسل عدة وظائف :
فمن ذلك : البلاغ المبين ، قال تعالى : ﴿ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾[النحل:35].
ومن ذلك : الدعوة إلى الله تعالى ، قال تعالى : ﴿ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾[يوسف:108] .
ومن ذلك : التبشير والإنذار ، قال تعالى: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾[النساء:165] ، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾[الإسراء:105] .
ومن ذلك : إصلاح النفوس وتزكيتها ، قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾[الجمعة:2] ، وقال تعالى : ﴿ الله اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾[البقرة:256] أي بإرسال الرسل وإنزال الكتب .
ومن ذلك : تقويم الأفكار المنحرفة والعقائد الزائغة ، ويدل عليها كل آية فيها الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك ومتابعة الآباء على الباطل وتفنيد عبادة الأصنام وهي كثيرة جدًا .
ومن ذلك : إقامة الحجة ، قال تعالى : ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾[النساء:165] .
ومن ذلك : سياسة الأمم وفصل الحكومات بين أفرادها بالحق والعدل ، قال تعالى :﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾[ص:26] ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي بعث نبي ) .
س121: ما الأحكام التي اختص بها الأنبياء ؟ مع تأييد ذلك بالدليل .
ج121:
الأحكام التي اختص بها الأنبياء مجملة فيما يلي :
الأول :
الوحي الذي يحصل به النبوة والرسالة ، قال تعالى : ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾[الأنعام:19] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾[النساء:163] .
الثاني : العصمة ، فإن العلماء اتفقوا على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه من وحي الله جل وعلا ، ومعصومون من الكبائر ، وهذا بالاتفاق ولم يخالف فيه إلا أهل البدع ، وأما الصغائر فإن الواحد منهم إذا وقع فيه بادر بالتوبة منها ولا يمكن أبدًا أن يقر عليها .
ومنها : أنه تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فقد صح عنه [صلى الله عليه وسلم] أنه قال : ( إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ) ، وفي الصحيح أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : ( يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ) .
ومنها : أنهم يخيرون عند الموت ، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة ) متفق عليه ، وفي الصحيح أيضًا أنه سمع منه [صلى الله عليه وسلم] أنه قال قبل قبضه : ( في الرفيق الأعلى ) ثلاثاً ، ثم قضى .
ومنها : أن الأنبياء يقبرون حيث يموتون ، قال - عليه الصلاة والسلام - : ( لم يقبر نبي إلا حيث يموت ) رواه أحمد بسند صحيح ، ولذلك دفن النبي [صلى الله عليه وسلم] في حجرة عائشة - رضي الله عنها - ؛ لأنه قبض فيها .
ومنها : أن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، قال - عليه الصلاة والسلام - : ( إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ) صححه ابن خزيمة .
ومنها : أنهم أحياء في قبورهم يصلون ، فقد صح عنه [صلى الله عليه وسلم] أنه قال : ( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ) ، وروى مسلم في صحيحه عنه أنه قال : ( مررت على أخي موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره ) ، والله تعالى أعلى وأعلم .
س122: ما ثمرات الإيمان بالرسل ؟
ج122:
هي كما يلي :
الأولى :
العلم بكبير رحمة الله تعالى بعباده وعنايته بهم ، حيث أرسل لهم الرسل ليهديهم إلى الصراط المستقيم، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله تعالى ؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك .
الثانية : شكره جل وعلا على هذه النعمة العظيمة .
الثالثة : محبة الرسل وتعظيمهم والثناء عليهم بما يليق بهم ؛ لأنهم رسل الله ولأنهم قاموا بما أوجب الله عليهم من إبلاغ الشريعة على أتم الوجوه ، والله أعلم .


الإيمـان باليـوم الآخـر

الشيـخ / وليـد بن راشـد

س123: ما أقسام الإيمان باليوم الآخر ؟
ج123:
أقسام الإيمان باليوم الآخر قسمان : إيمان مجمل ، وإيمان مفصل .
فالإيمان المجمل :
هو الإيمان بكل ما سيكون بعد الموت مما أخبرت به الأدلة الصحيحة الصريحة على وجه الإجمال .
وأما المفصل : فهو أن ينصب الإيمان على كل قضية من قضايا اليوم الآخر على حدة بمعنى أن تؤمن بسؤال القبر على حدة ، وبعذابه ونعيمه على حدة ، وبالبعث والمعاد على حدة وهكذا إلى آخر ما أخبرت به الأدلة ، والله أعلم .
س124: ما القضية الأولى التي يقتضيها الإيمان باليوم الآخر ؟
ج124: هي أشراط الساعة الكبرى ، وسيأتي لها - إن شاء الله تعالى - أسئلة خاصة ، فنؤخر الكلام عليها إلى حينه ، والله أعلم .
س125: ما القضية الثانية ؟ مع تأييد ذلك بالأدلة .
ج125:
القضية الثانية الإيمان بأن كل أحدٍ سيموت
، فالموت حتم على كل أحدٍ ، قال تعالى : ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ﴾ ، فالله جل وعلا حكم وقضى على كل أحدٍ بالموت من الملائكة والبشر والجن والشياطين وسائر الحيوانات ، فالموت حتم لازم لا مفر منه ولا محيد لأحدٍ عنه بحال من الأحوال ولا يمنعه مانع ، قال تعالى : ﴿ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ ، فأينما كان المخلوق فإنه سيذوق الموت سواءً كان في أرضٍ فلاة أو قصر مشيد واحتجب بالحجاب والحرس أو في المراكب الفضائية أو على كوكبٍ آخر أو نزل في أعماق البحار ، فالموت لا يسلم منه أحد ، فإذا كان ذلك كذلك فلابد من الاستعداد له واستفراغ الأوقات في التعبد ، ولنحذر من نسيانه فإن ذلك يوجب الغفلة والاشتغال عن الاستعداد له ، نسأل الله تعالى أن يعيننا جميعًا على الاستعداد له وأن يتغمدنا بواسع رحمته وفضله ، والله أعلم .
س126: ما القضية الثالثة ؟ مع بيانها بالأدلة .
ج126:
القضية الثالثة من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر :
الإيمان بسؤال القبر ونعيمه وعذابه ، كما ثبتت بذلك الأدلة وصحت به الأخبار التي صارت في الأمة أوضح من شمس النهار ولا ينكرها أو يعارضها بعقله إلا مفتر فجار .
فمنها : قوله تعالى في آل فرعون : ﴿ النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب الحريق ﴾ ، فقد قال ابن مسعود وأبو مالك وابن جريج والحسن البصري وسعيد وقتادة وابن إسحاق : أن المراد بذلك عذاب الدنيا وعذاب القبر ، والعذاب العظيم هو عذاب جهنم - نعوذ بالله من عذاب القبر وعذاب النار - . وقال تعالى : ﴿ يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث البراء عنه [صلى الله عليه وسلم] : أنها نزلت في عذاب القبر .
وأما السنة فهي طافحة بإثبات ذلك ، ففي الصحيحين من حديث أنس [رضي الله عنه] قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيجلسانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل - لمحمد [صلى الله عليه وسلم] - فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقولان : انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله مقعدًا من الجنة ، فيراهما جميعًا ، وأما المنافق أو الكافر فيقولان له : ما تقول في هذا الرجل ، فيقول : لا أدري كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال له : لا دريت ولا تليت ، ويُضرب بمطارق من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ) .
وفيهما أيضًا عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، يقال له : هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل ) .
وروى البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت : تعوذي بالله من عذاب القبر ، فسألت عائشة النبي [صلى الله عليه وسلم] عن عذاب القبر فقال : ( نعم عذاب القبر حق ) . قالت عائشة : فما صلى النبي [صلى الله عليه وسلم] صلاة بعد قط إلا تعوذ بالله من عذاب القبر .
وفي صحيح مسلم أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان في حائط لبني النجار على بغلة له والصحابة معه ، إذ حادت به وكادت تلقيه فإذا أقبرٌ ستة أو خمسة ، فقال : ( من يعرف هذه الأقبر ) ؟ فقال رجل : أنا . قال : ( فمتى ماتوا ) ؟ قال : في الشرك . فقال : ( قد أوحي إلي أن هذه الأمة تفتن في قبورها ولولا أن لا تدافعوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع ) ثم قال : ( تعوذوا بالله من عذاب القبر ) . فقالوا : نعوذ بالله من عذاب القبر . قال : ( تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ... ) الحديث .
وفي الصحيحن عن ابن عباس قال : مر النبي [صلى الله عليه وسلم] بقبرين فقال : ( أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله ، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة ) ، فدعا بجريدة رطبة فشقها باثنتين فغرز على كل قبر واحدة ، فقالوا : لم فعلت ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا ) .
وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا : ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول : أعوذ بالله من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال ) .
ومن ذلك الحديث الطويل حديث البراء بن عازب : ( إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة كأن على وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مَدَّ البصر ثم يجيء ملك الموت - عليه السلام - حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ) ، قال : ( فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ، ويخرج منها كأطيب نفحة مسكٍ وجدت على وجه الأرض ) ، قال : ( فيصعدون بها فلا يمرون - يعني بها على ملأٍ من الملائكة - إلا قالوا : ما هذه الروح الطيبة ؟ فيقولون : فلان بن فلان ، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء ، فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماءٍ مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ) ، قال : ( فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله . فيقولان : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله ؟ فيقولان له : وما عملك ؟ فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت ، فينادي منادٍ من السماء : أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة ) ، قال: ( فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مُدَّ بصره ) ، قال : ( ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح ، فيقول له : من أنت ؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير ، فيقول : أبشر بالذي يسرك أنا عملك الصالح ، فيقول : رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي ) ، قال : ( وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مَدَّ البصر ثم يجيء ملك الموت - عليه السلام - حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب ) ، قال : ( فتتفرق روحه في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون بها - يعني على ملأٍ من الملائكة - إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث ؟ فيقولون : فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا ، فيستفتح له فلا يفتح له ) ، - ثم قرأ رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ - ، ( فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحًا ) ، - ثم قرأ : ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به في مكان سحيق ﴾ - ، ( فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري . فيقولان : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري ، فينادي منادٍ من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار ، وافتحوا له بابًا إلى النار ، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول : أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول : ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر ؟ فيقول : أنا عملك الخبيث ، فيقول : رب لا تقم الساعة ) حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود وغيرهم .      وقد ذهب إلى موجب هذه الأحاديث جميع أهل السنة والحديث ، فهذه بعض الأدلة على إثبات هذه القضية العظيمة ، والله أعلم .
س127: هل الروح تموت أو لا ؟ مع الدليل .
ج127:
التحقيق في ذلك أنه إذا كان المقصود بموتها مفارقتها للجسد فإنها تموت بهذا الاعتبار ، وإن كان المقصود بموتها فناؤها وعدمها كأن لم تكن فهي لا تموت بهذا الاعتبار ؛ لأن الدليل السابق دل على أنها تبقى بعد مفارقة الجسد منعمة إن كان صاحبها من أهل النعيم ، ومعذبة إن كان صاحبها من أهل العذاب ، فمن قال من أهل العلم أنها تموت فإنما يريد مفارقتها للجسد ، ومن قال منهم إنها لا تموت فإنما يريد أنها لا تفنى ؛ لأنها خلقت للبقاء ، والله أعلم .
س128: هل عذاب القبر دائم على صاحبه أو منقطع ؟
ج128:
التحقيق في ذلك
أنه يختلف باختلاف الميت ، فإن كان من أهل الكفر والشرك والنفاق الاعتقادي فإن عذابه في القبر دائم لا ينقطع ، وأما إن كان من الذين معهم أصل الإسلام والإيمان فإن عذابه منقطع ، وهو بمثابة المكفر عنه ذنوبه وخطاياه ، نعوذ بالله من عذاب القبر وعذاب النار مطلقًا ، والله ربنا أعلى وأعلم .
س129: هل عذاب القبر يقع على الروح أو الجسد ؟
ج129:
مذهب أهل السنة والجماعة أن عذاب القبر على الروح والجسد
إلا أنه على الروح أصلاً ويدخل معها الجسد تبعًا ، والله أعلم .
س130: هل سؤال القبر خاص لهذه الأمة أو عام لسائر الأمم ؟
ج130:
فيه خلاف ،
ومقتضى الأدلة أنه عام لكل الأمم وما ورد في بعض الأحاديث من قوله : ( إن هذه الأمة تفتن في قبورها ) و( أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم ) فلا يعد الاختصاص ؛ لأن هذا ذكر للعام ببعض أفراده وقد تقرر في الأصول أن ذكر العام ببعض أفراده ليس بتخصيص ، والله أعلم .
س131: هل سؤال القبر وعذابه ونعيمه يخص بمن قبر فقط أم ماذا ؟
ج131: لا ، بل هو عام لكل من مات سواءً دفن أو لم يدفن ، وسواء احترق وتفرقت أجزاؤه ، أو أكلته السباع ، أو سفته الريح ، أو غرق في البحر وأكلته الأسماك ، أو صلب وبقي على الجذع حتى تحللت أعضاؤه أو غير ذلك ، كل هؤلاء يسألون وينعمون إن كانوا من أهل النعيم ، ويعذبون إن كانوا من أهل العذاب ؛ لأن الأمر غيب وقد أثبته الدليل والله قادر على كل شيء وأمور البرزخ من أمور الآخرة فلا يجوز إعمال العقل فيها ، بل الواجب التسليم للنصوص والوقوف حيث وقفت ، وفي الصحيح : في الرجل الذي أسرف على نفسه بالمعاصي فأوصى أبناءه إذا أنا مت فاحرقوني ثم ذروني في يوم ريح حتى لا يقدر علي ربي فيعذبني ، فأمر الله به فاجتمع ... الحديث ، فالله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، آمنا بما صح به النقل ، فلا ندخل في هذا الباب متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ، والله أعلم س132: هل سؤال القبر يكون لمن مات صغيرًا من أهل الإسلام أو مجنونًا ؟
ج132:
فيه قولان لأهل السنة ،
والأقرب والله أعلم أنهم لا يسألون ؛ لأنهم ليسوا من أهل التكليف ، لفقدهم أهلية التكليف ، ولأن القلم مرفوع عنهم ، ولأنهم ليسوا من أهل الابتلاء والاختبار ، وإذا سلمنا أنهم لا يسألون في قبورهم فإنهم يوفقون للإجابة ؛ لأن الله تعالى لا يعذب من ليس من أهل العذاب سبحانه وتعالى ، وبه تعلم أن الخلاف يشبه أن يكون لا ثمرة له ، والله أعلم .
س133: كيف نجيب على من ينكر عذاب القبر ونعيمه لأنه لا يحس فلو فتح قبر المؤمن لم نر نعيمًا ولو فتح قبر الكافر لم نر عذابًا ، فكيف نجيب عنه ؟
ج133:
أقول :
هنا مفترق الطرق بين الموفقين الذين يؤمنون بالغيب وبين الخاسرين المخذولين الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوسات ، والجواب عن هذا من جوه :
الأول : أن عذاب القبر ونعيمه من الأمور الغيبية التي يجب فيها التسليم فقط ، ولا تعرض على العقول العفنة والأفهام النتنة ؛ لأنها ستنكرها إذ هي خارجة عن مدركات هذه العقول ، وقد قال تعالى : ﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ... ﴾ الآية .
الثاني : أن طرق الإثبات كثيرة وليست مقصورة على الحس والمشاهدة فقط ، فهب أن دليل الحس انعدم ، فهل انعدامه دليل على العدم ؟ بالطبع لا ، فقد ثبت ذلك من طريق آخر وهو الخبر الصادق الذي لا يتطرق إليه الشك بوجه من الوجوه ، وهو خبر الله ورسوله [صلى الله عليه وسلم] ، فإن الأدلة في إثبات نعيم القبر وعذابه قد بلغت مبلغ التواتر وطريق النقل طريق ثابت بنفسه سواءً أيده دليل الحس والمشاهدة أو لا ، فيجب إثبات ما أثبته النص ، ومن جعل طريق إثبات الاعتقادات الحس والمشاهدة فقط فإنه سينكر معتقدات كثيرة أولها وجود الله تعالى ، وكثير من أمور الغيب ، وهذا نهايته التعطيل والإلحاد والزندقة والكفر البواح وجهنم وبئس القرار .
الثالث : أن عذاب القبر ونعيمه ليس من جنس عذاب الدنيا ونعيمها وإن كان الله تعالى يحمي على الكافر التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى تكون أعظم حرًا من جمر الدنيا ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها ، بل وأعجب من هذا أن الرجلين يدفنان أحدهما إلى جنب صاحبه وهذا في حفرة من النار وهذا في روضة من رياض الجنة لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه ، وقدرة الله تعالى أعظم وأوسع من ذلك وأعجب ، فالأمر مختلف عن المعهود في الدنيا فلا ينظر إليه بعين ضيقة ، لكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علمًا .
الرابع : أن الله تعالى أخفى عنا عذاب القبر حتى لا يتنكد عيشنا ، ولذلك فإنه قد ورد أن الثقلين لو سمعوا صراخ من يعذب في قبره لصعقوا عن آخرهم ، فرحمة منه وإحسانًا بنا أخفاه عنا ، فكيف بجعل ما هو رحمة وإحسانًا سببًا لتكذيب الشارع في خبره ؟ هذا والله عين قلة الأدب .
الخامس : أن الله تعالى تعبدنا بأشياء كثيرة ومما تعبدنا به الإيمان بالغيب ، فلو أن الله أطلع العباد على نعيم القبر وعذابه لزالت حكمة هذا التكليف أعنى الإيمان بالغيب .
السادس : أن الله تعالى لو أطلع العباد على عذاب القبر لما تدافن الناس ولبقي الأموات جثثًا هامدة على وجه الأرض لا يجدون من يدفنهم خوفًا من سماع عذاب من أراد الله تعذيبه في قبره ولانتشرت الأمراض وعم الفساد في البلاد والعباد ، ولذلك قال : ( ولولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع ) ، ولذلك لما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعت ذلك وأدركته ، فالحمد لله على هذه النعمة العظيمة .
السابع : أن عذاب القبر قد يكشف لمن شاء الله تعالى من عباده كما كان النبي [صلى الله عليه وسلم] يسمع أحيانًا عذاب بعض أصحاب القبور ، كما في حديث صاحبي القبرين ، وكما في الحديث السابق : ( لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع ) ، وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه ( الروح ) قصصًا عجيبة في ذلك ، فراجعه إن شئت الاستزادة من ذلك ، والله أعلم .
الثامن : أننا مأمورون ومتعبدون بمتابعة النص من إثبات ما أثبته ونفي ما نفاه وتصديق ما أخبر به ، هذه هي الحكمة من خلقنا ، فالنص هو المقدم في كل شيء ، فالنص مقدم على العقل والعقل تابع له ، والنص مقدم على الهوى والهوى تابع له ، والنص مقدم على الحس والحس تابع له ، والنص مقدم على قول كل أحدٍ وقول كل أحدٍ تابع له ، هذا طريق من أراد السلامة في دينه ، وأما من عكس الأمر فلن يجني إلا الضلال والتردد واضطراب النفس والتكذيب وكثرة الشك والحيرة - عافانا الله وإياك -      وهذه القضية من هذه القضايا التي يجب فيها تقديم النص على الحس ، فحيث أثبت النص عذاب القبر ونعيمه وجب متابعته في الإثبات من غير مراجعة الحس هل وافقه أم لا ؟ والله أعلم .
س134: ما القضية الرابعة من قضايا اليوم الآخر ؟ مع بيان وجه دلالة النقل على إثباتها .
ج134:
القضية الرابعة من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر :
الإيمان الجازم الذي لا يعتريه شك بالبعث ومعاد الأجساد وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين حفاةً عراة غرلاً، وهي من الأمور الكبار التي اشتد إنكار الكفار لها ، ولذلك فإن القرآن نوع الاستدلال لهذه القضية بما لا يدع مجالاً للشك في إثباتها ودونك هذه الأوجه مقرونة بأدلة ، فأقول وبالله التوفيق :
الأول : التصريح به بلفظه والإقسام على ذلك ، كما في قوله تعالى : ﴿ زعم الذين كفروا ألَّنْ يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئن بما عملتم وذلك على الله يسير ﴾ ، وذلك في آيات كثيرة .
الثاني : الاستدلال على المعاد بالمبدأ ، قال تعالى : ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ كما بدأنا أول خلقٍ نعيده ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴾ .
الثالث : الاستدلال على المعاد وبعث الأجساد بالقدرة على خلق الأشياء الكبيرة ، وهذا قياس أولوي وهو حجة بالاتفاق إلا من شذ ، كما قال تعالى : ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادرٍ على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها . رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات .
الرابع : الاستدلال على ذلك بالوقوع ، كما في قصة الغلام الذي قال الله فيه : ﴿ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ﴾ ، وكما في قصة عزير وحماره المذكورة في قوله تعالى : ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ﴾ الآية بتمامها، وكما في قوله تعالى بعدها: ﴿ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم ادعهن يأتينك سعيًا واعلم أن الله عزيز حكيم ﴾ ، وكما في معجزة نبي الله عيسى - عليه الصلاة والسلام - فإنه كان يحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم بإذن الله تعالى ، قال تعالى : ﴿ وإذ تخرج الموتى بإذني ﴾ ، ومنه قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ... ﴾ الآية الخامس : الاستدلال على ذلك بالإخبار بتمام القدرة الكاملة ، كما قال تعالى : ﴿ وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا ﴾ ، وقال تعالى في آيات كثيرة : ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ إنما قولنا إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ .
فهذه بعض الأوجه التي تعرض من خلالها قضية البعث والإعادة ، والله أعلم .
س135: هل المعاد الجسماني عبارة عن إعادة أم إنشاء جديد ؟
ج135: أقول : مذهب أهل السنة والجماعة أن المعاد إنما يكون لهذه الأجساد التي معنا في الدنيا ، فالمعاد حقيقته أنه إعادة للأجساد التي تحللت وأكلها الدود والأرض ، وهذا هو الذي يفيده قوله تعالى في آيات كثيرة : ﴿ ثم يعيده ﴾ ، وهو حقيقة القدرة الكاملة من كل وجه ، والمشركون لم يكونوا ينكرون إلا هذا ولو كان المعاد إنشاءً جديدًا لما أوجب لهم ذلك الإنكار لإيمانهم أن الله هو الخالق القادر ، لكن عقولهم لم تقبل المعاد بمعنى إعادة الأجساد التي بليت والعظام التي تفتتت وتفرقت في أجزاء الأرض ، فالحق أن المعاد إعادة لا إنشاء لخلق جديد ، والله أعلم .
س136: ما قولك فيمن يدعي علم قيام الساعة ويستدل على ذلك بأرقامٍ وعدد حروف بعض الآيات ونحو ذلك ؟
ج136:
قولي في هذا المدعى أنه أحمق فاجر شقي مخرف متكلف ما لا علم له به ، داسٌ أنفه فيما هو من خصائص علم الله تعالى ، قائل على الله بلا رهان ، متكهن متنطع متفيهق يلوك لسانه كالبقرة، مناقض لقوله تعالى: ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ ، ولقوله تعالى : ﴿ يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا ﴾ . ولما سأل أحبُ الملائكة إلى الله تعالى أحبَ البشر فقال : متى الساعة ؟ قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل .
وكل ما يأتي به هؤلاء من الاستدلالات والبراهين على وقت قيامها فهو دجل وتخرص وظن ؛ لأن علم قيامها مما اختص الله تعالى به لا يعلمه أحد ، ولو اشتغل هؤلاء بالاستعداد لها لكان خيرًا لهم ، والله أعلم .
س137: ما القضية الخامسة من قضايا اليوم الآخر ؟ مع بيان الأدلة الدالة عليها .
ج137:
القضية الخامسة من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر : الإيمان بحوضه [صلى الله عليه وسلم] ، وقد تواترت أدلة السنة على إثباته :
فمن ذلك : ما رواه البخاري وغيره من حديث أنس [رضي الله عنه] أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال : ( إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق بعدد نجوم السماء ) .
ومن ذلك : حديث أنس أيضًا في الصحيح عن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : ( ليردن علي ناس من أصحابي الحوض إذا عرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول أصحابي . فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك ) .
ومن ذلك : حديث ابن عمر في الصحيح أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : ( أمامكم حوض كما بين جرباء وأذرح ) ، وفي لفظٍ لمسلم : ( فيه أباريق كنجوم السماء من ورده فشرب منه لا يظمأ بعدها أبدًا ) .
ومن ذلك : حديث جندب في الصحيح أيضًا أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : ( وأنا فرطكم على الحوض ) .
ومن ذلك : حديث عقبة [رضي الله عنه] في الصحيح أيضًا أن النبي [صلى الله عليه وسلم] خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال : ( إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم ، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن ... ) الحديث .
ومن ذلك : حديث أبي هريرة [رضي الله عنه] قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( لأذودن عن حوضي رجالاً كما تذاد الغريبة من الإبل ) رواه مسلم .
ومن ذلك : حديث أبي هريرة [رضي الله عنه] أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال : ( إن حوضي أبعد من أيلة من عدن لهو أشد بياضًا من الثلج وأحلى من العسل واللبن ولآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وإني لأصد الناس كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه ) . قالوا : يا رسول الله أتعرفنا يومئـذٍ ؟ قال : ( نعم لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون علي غرًا محجلين من أثر الوضوء ) .
ولعل هذه الأدلة كافية في إثبات هذه القضية الهامة من قضايا اليوم الآخر ، نسأله جل وعلا أن يكرمنا بالشرب من هذا الحوض المبارك ، والله أعلم .
س138: اذكر لنا شيئًا من صفاته ؟
ج138:
لقد مر في الأدلة شيء منها :
فمن صفاته : أنه طويل وعريض، عرضه كطوله ، فطوله مسيرة شهر وعرضه كذلك ، وما ورد في الأحاديث من اختلاف تحديد طوله بالأمكنة فإنما لاختلاف حال المخاطبين وما يعرفون مسافته من الأمكنة المعلومة لديهم ، فخوطب كل قوم بما عرفوه من الأمكنة . ومن صفاته : أن من شرب منه شربة فإنه لا يظمأ بعدها أبدًا - نسأل الله الكريم من فضله العظيم - . ومن صفاته : أن ماءه أشد بياضًا من الثلج واللبن . ومن صفاته : أن عليه آنية وأباريق كثيرة جدًا لا يحصيها العد فهي في كثرتها كعد نجوم السماء وأن هذه الأباريق والآنية من الذهب والفضة كما ثبت ذلك في صحيح مسلم . ومن صفاته : أن الشرب منه وقف على من لم يغير ولم يبدل ولم يحدث في الدين شيئًا ، ولذلك فإن هناك رجالاً يذادون عنه كما يذاد البعير الضال ويقال : ( إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم ) رواه مسلم . ومن صفاته : أن رائحته أطيب من ريح المسك كما في صحيح مسلم . ومن صفاته أيضًا : أنه يصب فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من فضة ، كما في صحيح مسلم أيضًا من حديث ثوبان [رضي الله عنه] ، والله تعالى أعلى وأعلم .
س139: هل الحوض هو الكوثر أم غيره ؟ مع بيان ذلك بالدليل .
ج139:
فيه خلاف بين أهل العلم ، والصحيح أن الحوض ليس هو الكوثر
، بل هما متغايران ، والدليل على ذلك أن الأدلة السابقة المثبتة للحوض تدل على أنه في عرصات يوم القيامة ، والكوثر نهر في الجنة ولا يذاد عنه أحد ، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أنس مرفوعًا : ( بينما أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف قلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاك ربك ) ، ومثله أيضًا حديث ابن عمر قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت ) وصححه الترمذي ، وأيضًا فالمتقرر عند العرب في لسانها ومعلومها أن الحوض هو مجتمع الماء وغالب الأحيان لا يكون جاريًا ، وأما النهر فإن ماءه جار ، فاختلفا ، وأيضًا فإن الكوثر في الجنة كما ثبت به النص ، فهو من جملة نعيمها ونعيمها لا يمنع منه أحد ، والحوض قد ثبت الدليل أن رجالاً يطردون عنه ولا يمكنون من الشرب منه ، والله أعلم .
س140: هل هو حوض واحد أم أن لكل نبي حوضًا ؟
ج140:
فيه خلاف ، والأمر سهل ،
أما حوض نبينا محمد [صلى الله عليه وسلم] فأدلته متواترة ، ومن كذب به فهو كافر لتكذيبه للنصوص المتواترة ، وأما حوض غيره فقد ورد فيه بعض الأحاديث وبعض الموقوفات ويحتاج للنظر في صحتها ، فنظرنا فإذا هي صحيحة بشواهدها ، فنقول : نعم إن لكل نبي حوضًا ترده أمته إلا أن أكبر هذه الأحواض وأكثرها واردًا هو حوض نبينا [صلى الله عليه وسلم] ، ففي جامع الترمذي من حديث الحسن عن سمرة قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( إن لكل نبي حوضًا وإنهم يتباهون أيهم أكثر وارده وإني أرجو أن أكون أكثرهم وراده ) ، وهذا الحديث صحيح بشواهده ، وكذلك صح ذلك عن علي [رضي الله عنه] ، والله أعلى وأعلم .
س141: ما القضية السادسة من قضايا اليوم الآخر ؟ مع بيانها بالأدلة .
ج141:
القضية السادسة من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر :
الإيمان بتطاير صحف الأعمال ، فآخذ صحيفته باليمين وآخذ لها بالشمال أو من وراء ظهره ، قال تعالى : ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاقٍ حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا في هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني مالية هلك عني سلطانية ﴾ ، وقال تعالى في سورة الانشقاق : ﴿ وأما من أتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا ويصلى سعيرًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ يوم ندعو كل أناسٍ بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلاً ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا ﴾ ، وفي هذا اليوم كل سيقرأ صحيفة عمله القارئ وغير القارئ ، قال قتادة وجمع من السلف : ( سيقرأ يومئذٍ من لم يكـن قارئًا ) ، وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى .
س142: ما القضية السابعة من قضايا اليوم الآخر مع ذكر الدليل ؟
ج142: القضية السابعة من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر : الإيمان بالميزان ، ومذهب أهل السنة أنه ميزان حقيقي يرى ويوزن فيه ، له كفتان لا أنه مجرد العدل كما يقوله بعض المبتدعة ، قال تعالى : ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثال حبةٍ من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ والوزن يومئذٍ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية ﴾ .
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) متفق عليه . وروى الإمام أحمد عن عبد الله ابن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( إن الله عز وجل يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجلٍ مد البصر ثم يقول : أتنكر من هذا شيئًا ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ قال : لا يا رب . ثم يقول : أفلك عذر أو حسنة ؟ قال : فبهت الرجل فيقول : لا يا رب . فيقول : بلى إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم ، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله ، فيقول أحضروه ، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات . فيقول : إنك لا تظلم ، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة ، قال : فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ، قال : ولا يثقل شيء مع بسم الله الرحمن الرحيم ) ورواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث حسن صحيح ، فهذا فيه إثبات لميزان الآخرة . ولأحمد أيضًا من حديث علي [رضي الله عنه] أن ابن مسعود [رضي الله عنه] صعد شجرة فهبت ريح فانكشف ساقه فجعل الناس يعجبون من دقة ساقيه فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( أتعجبون من دقة ساقيه فو الذي نفسي بيده هما في الميزان أثقل من أحد ) وسنده حسن . وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة [رضي الله عنه] عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال : ( إنه ليأتي الرجل لعظيم السمن يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ، وقال : اقرءوا إن شئتم : ﴿ فلا نقيم له يوم القيامة وزنًا ) ، وقد أجمع أهل السنة - رحمهم الله تعالى - على إثبات الميزان الذي سينصب يوم القيامة ، والله أعلى وأعلم .
س143: هل هو ميزان واحد أم موازين كثيرة ؟
ج143:
الأرجح - إن شاء الله تعالى
- أنه ميزان واحد وليس بمتعدد ، وأما جمعه في بعض الآيات فالظاهر والله أعلم أنه باعتبار ما يوزن به ، فالموزونات التي ستوزن فيه كثيرة ، فجمع باعتبار تعدد ما سيوزن فيه ، وأما هو في ذاته فهو واحد لا يتعدد ، والله أعلم .
س144: ما الذي سيوزن في هذا الميزان ؟
ج144:
لقد دلت الأدلة السابقة أن الموزونات التي ستوزن في الميزان ثلاثة أشياء :
العمل نفسه ، والعامل ذاته ، وصحيفة العمل .
فأما العمل : فلحديث : ( كلمتان خفيفتان على اللسان ... ) الحديث .
وأما العامل : فلحديث علي [رضي الله عنه] في قوله : ( والذي نفسي بيده هما في الميزان أثقل من جبل أحد ) ، وحديث الرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة .
وأما صحيفة العمل : فلحديث السجلات والبطاقة وقد تقدمت .
وقد تقرر في الأصول أن الجمع بين الأدلة الشرعية هو الواجب ما أمكن ، فالأدلة الواردة في ذلك لا اختلاف فيها ولله الحمد ؛ لأن الواحد منها يثبت ما لا ينفيه الآخر ، فمنها ما أثبت الوزن للعمل ، ومنها ما أثبت الوزن للعامل ، ومنها ما أثبت الوزن للصحيفة ، والله أعلم .
س145: كيف يوزن العمل وهو ليس بجسم يخف ويثقل ؟
ج145:
الجواب من وجهين :
الأول :
أن هذا مما أخبرت به الأدلة وصحت به الآثار ، فالواجب الإيمان والتسليم به والوقوف حيث وقف النص لا نتعدى القرآن والحديث وهو من أمور الآخرة وأمور الآخرة تختلف عن المعهود عندنا في الدنيا وهو داخل في الإيمان بالغيب .
الثاني : أن الله تعالى قادر على كل شيء ولا يعجزه شيء فهو قادر أن يجعل العرض جسمًا ، ألا ترى أن الدليل الصحيح أثبت أن الله تعالى يجعل الموت على صورة كبش ويذبح بين الجنة والنار مع أن الموت ليس بجسم ، بل هو معنى ، وليس المراد بذلك ملك الموت ، ولكن المراد نفس الموت ، حيث يجعله الله تعالى جسمًا يشاهده أهل الجنة وأهل النار ، فكذلك الأعمال يجعلها الله تعالى أجسامًا فتوزن في هذا الميزان الحسي .
س146: ما القضية الثامنة من قضايا اليوم الآخر ؟ مع بيانها بالأدلة ؟
ج146:
القضية الثامنة من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر
الإيمان بالحساب والعرض وأنه حق وصدق واقع لا دافع له ولا مانع منه ، قال تعالى : ﴿ إنا إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ﴾ ، وقال تعالى في المكذبين للرسل : ﴿ أولئك الذين لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية . يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وعرضوا على ربك صفًا لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فمن يعلم مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات .
س147: كم أنواع الحساب بالأدلة ؟
ج147:
الحساب نوعان : حساب عرض ، وحساب نقاش .

في الصحيح عن عائشة أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : ( من حوسب عذب ) . قالت عائشة : كيف ذلك والله تعالى يقول : ﴿ فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا ﴾ . فقال : ( إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك ) .
فبين النبي [صلى الله عليه وسلم] بذلك أن المراد بقوله تعالى : ﴿ فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا ﴾ أنه حساب عرض العمل فقط لا نقاش فيه ، ففي الصحيح عن صفوان ابن محرز قال : بينما ابن عمر يطوف إذ عرض رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن، أو قال : يا ابن عمر ، هل سمعت النبي [صلى الله عليه وسلم] في النجوى ؟ فقال : سمعت النبي [صلى الله عليه وسلم] يقول : ( يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا ؟ فيقول : أعرف . فيقول : أنا سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم تطوى صحيفة حسناته ، وأما الآخرون أو الكفار فينادى على رؤوس الخلائق : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ) .
فحساب العرض ليس فيه مطالبة بنتائج النعم ، ولذلك فصاحبه يسلم في آخر الأمر ، وأما حساب النقاش فإن فيه مطالبة بنتائج النعم ، ولذلك فصاحبه هالك لا محالة ، قال تعالى : ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ﴾ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة [رضي الله عنه] مرفوعًا في الحديث الطويل ، وفيه قال : ( فيلقى العبد - يعني الكافر - فيقول : يا فل ، أي يا فلان ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع . فيقول العبد : بلى . فيقول : أظننت أنك ملاقيَّ ؟ فيقول : لا . فيقول : فإني أنساك كما نسيتني . ثم يلقى الثاني فيسأله فيجيب كما أجاب الأول ، فيقول الله : فإني أنساك كما نسيتني . ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك . فيقول : يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول : ههنا إذن ، قال : ثم يقال له : الآن نبعث شاهدنا عليك ، ويفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي ؟ فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي ، فتنطق بعمله ، وذلك ليعذر من نفسه ) ، أو كما في الحديث عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، فهذا من حساب النقاش .
نسأله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من الآمنين يوم القيامة وممن يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب ، والله أعلم .
س148: ما أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة ؟ وما أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة ؟ مع الدليل ؟
ج148:
أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة : الصلاة ، وأول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة : الدماء .
فعن أبي هريرة [رضي الله عنه] عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه قال : ( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ، يقول الله تعالى لملائكته : انظروا صلاة عبدي أتمها أم نقصها ؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة ، وإن كان نقص منها شيئًا قال : انظروا هل لعبدي من تطوع ، قال : فإن كان له تطوع قال : أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم يؤخذ الأعمال على ذلك ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وصححه الحاكم .
وروى النسائي عن ابن مسعود [رضي الله عنه] أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : ( أول ما يحاسب عليه صلاته وأول ما يقضى بين الناس في الدماء ) .
ويعجبني ما قاله بعض أهل العلم أن الحقوق قسمان : حقوق لله تعالى وحقوق لعباده ، فأول شيء يحاسب عليه العبد من حقوق الله تعالى الصلاة ، وأول شيء يحاسب عليه العبد من حقوق الآدميين الدماء ، وقال بعضهم : إن الحساب هو عرض العمل ويبدأ فيه بالصلاة ، وأما القضاء فهو البدء بتنفيذ ما تقررت المحاسبة عليه ويبدأ فيه بالدماء وكل ذلك صحيح لا إشكال فيه ، والله أعلم .
س149: كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ ، وقوله : ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ ؟ فكيف مرة يثبت السؤال ومرة ينفيه؟
ج149:
لا إشكال في ذلك ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة وبيان ذلك من وجوه :
الأول :
إنه من المعلوم المتقرر بالدليل أن يوم القيامة يوم طويل جدًا مقدراه خمسون ألف سنة فلطوله تختلف فيه الأحوال ، فيسأل الكفار في بعضه ويكف عن سؤالهم في بعضه ، فالآيات المثبتة للسؤال يقصد بها السؤال في بعض أوقات هذا اليوم ، والآيات التي فيها ترك السؤال إنما تخص بعض أوقات هذا اليوم ، فليس وقت السؤال هو بعينه وقت عدم السؤال حتى يلزم من ذلك الاختلاف ، فلا يلزم من الإخبار بترك سؤالهم في بعض أجزاء ذلك اليوم تركه في كل أجزائه ، وهذا الوجه مرده إلى التفريق في الأحوال ، والله أعلم .
الثاني : أن يقال : إن المتروك سؤالهم هم المجرمون الذين بلغوا في الإجرام حده كإبليس ومردة الشياطين ، وكفرعون وهامان وقارون وأبي جهل ونحو هؤلاء الذين بلغوا الغاية في الإجرام ، ولذلك قال تعالى في سياق قصة قارون : ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ ، وهذا فيه بيان أن الذين لا يسألون هم عتاة الكفرة من الإنس والجن ، والآيات التي أخبرت بالسؤال تكون في بقية الكفار وعصاة الموحدين ، فالإخبار بترك سؤال البعض لا يلزم منه ترك سؤال الجميع ، وهذا الوجه مرده إلى التفريق بين أصناف الكفرة ، فمن عظم كفره واشتد جرمه لا يُسأل ، ومن كان دون ذلك فإنه يُسأل ، والله أعلم .
الثالث : أن يقال : إن السؤال المنفي في الآيات إنما هو سؤال الاستخبار والاستعلام والاستعتاب والسؤال المثبت إنما هو سؤال التقريع والتوبيخ ، فالكفار لا يسألون سؤال استعتاب كما قال تعالى : ﴿ وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون ﴾ ، ولكنهم يسألون سؤال تقريع وتوبيخ زيادة في التنكيل بهم كما قال تعالى : ﴿ وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات .
فإذًا السؤال المنفي هو سؤال الاستعتاب الذي يعقبه العفو والسؤال المثبت هو سؤال التقريع والتوبيخ الذي هو زيادة في عذابهم والنكال بهم ، فبالتفريق بين الأحوال والأشخاص ونوعية السؤال لا يبقى بين النصوص أي إشكال كعادتهم المطردة أعلى الله منارها وجعلنا من أتباعها ، والله أعلم .
س150: ما القضية التاسعة من قضايا اليوم الآخر ؟
ج150:
القضية التاسعة من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر هي الإيمان بالشفاعات
التي ستكون يوم القيامة ، وسيأتي الكلام عليها مفصلاً بالأدلة - إن شاء الله تعالى - في آخر الكتاب بحول الله وقوته ، والله أعلم .
س151: ما القضية العاشرة من قضايا اليوم الآخر ؟ مع بيانها بالدليل ؟
ج151:
القضية العاشرة من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر هي الإيمان بالصراط
، وهو الجسر الذي سينصب على متن جهنم ، قال تعالى : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ ، فقد فسره طائفة كبيرة من السلف بأنه الورود على الصراط ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة [رضي الله عنه] مرفوعًا في حديث الشفاعة الطويل وفيه : ( ويضرب الصراط بين ظهري جنهم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسول ودعوى الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وفي جنهم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان ) ؟ قالوا: نعم . قال: ( فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى ، تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموبق بعمله ، والموثق بعمله ، ومنهم المخردل أو المجازى أو نحوه ... ) الحديث .
وفيهما من حديث أبي سعيد الخدري [رضي الله عنه] من حديثه الطويل في ذلك مرفوعًا وفيه : ( ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم ) . قلنا : يا رسول الله ، وما الجسر ؟ قال : ( مدحضة مزلة ، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان يمر المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب فناجٍ مسلم وناجٍ مخدوش ومكدوسٍ في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا ) .
ولمسلم من حديث أنس وابن مسعود - رضي الله عنهما - أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال : ( آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشى مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة ، فإذا جاوزها التفت إليها فقال : تبارك الذي نجاني منك لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين ) .
ولمسلم أيضًا عن أبي هريرة وحذيفة - رضي الله عنهما - في حديث استفتاح الجنة عن النبي [صلى الله عليه وسلم] مطولاً وفيه : ( وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبي الصراط يمينًا وشمالاً فيمر أولكم كالبرق ) . قال : قلت : بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق ؟ قال : ( ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ، ثم كمر الطير وكأشد الرجال ، تجري بهم أعمالهم ) ، قال : ( ونبيكم قائم على الصراط يقول : رب سلم سلم ... ) الحديث . وفيه أيضًا من حديث أبي سعيد أنه قال : ( بلغني أن الجسر أدق من السيف وأدق من الشعرة ) .
والأحاديث في إثبات الصراط كثيرة ، وقد أجمع أهل السنة على أنه جسر حقيقي محسوس يمشي الناس عليه لا كما يقوله أهل البدع ، والله أعلم .
س152: ما السبب في تفاوت الناس في المسير عليه ؟
ج152:
السبب في ذلك تفاوتهم في أعمالهم كما ورد في الحديث السابق : ( تجري بهم أعمالهم ) .
وأقول أيضًا :
إن المشي على الصراط الحسي يوم القيامة إنما هو نتيجة للمشي على الصراط المعنوي في الدنيا ، ونعني بالصراط الحسي أي الجسر المنصوب على متن جهنم ، ونعني بالصراط المعنوي أي متابعة النبي [صلى الله عليه وسلم] ، فكلما كان الإنسان أتبع وأسرع متابعة له في الدنيا كلما كان أسرع على ذلكم الصراط الحسي ، فمن ثبتت قدمه هنا ثبتت قدمه هناك ، ومن زلت به القدم هنا زلت به القدم هناك ، ومن أبطأ هنا أبطأ هناك ، ومن أسرع هنا أسرع هناك ، فما أيسر هذا الأمر تنظيرًا وشرحًا ، ولكن ما أعسره تطبيقًا وامتثالاً إلا أنه يسير على من يسره الله عليه ، والله أعلم .
س153: اذكر لنا شيئًا من صفة هذا الصراط ؟ مع الدليل ؟
ج153:
لقد ورد في الأدلة بعض صفاته وهي كما يلي :
فمنها : أنه مظلم حالك الظلمة والمار عليه يحتاج إلى نور ليرى طريقه ، قال تعالى : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم . يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا ... ﴾ الآية .
وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر في الحديث الطويل وفيه : ( ويعطى كل إنسان منافق أو مؤمن نورًا ثم يتبعونه وعلى جسر جنهم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله تعالى ثم يطفأ نور المنافقين ثم ينجو المؤمنون ... ) الحديث .
وروى الحاكم وصححه وابن جرير عن ابن مسعود [رضي الله عنه] في قوله تعالى : ﴿ يسعى نورهم بين أيديهم ﴾ ، قال : ( على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم ، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة ) ، وما احتاجوا إلى هذا النور للمرور عليه إلا لأنه مظلم .
ومنها : أنه دحض مزلة لا تثبت عليه القدم إلا إذا ثبتها الله تعالى ، ودليلها ما تقدم من حديث أبي سعيد وفيه : قالوا : وما الجسر ؟ قال : ( مدحضة مزلة ) ، والله المستعان .
ومنها : أنه أحَدُّ من السيف وأدق من الشعرة ، ودليلها الحديث السابق عن أبي سعيد قال : ( بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف ) .
ومنها : أن عليه خطاطيف وكلاليب مثل شوك السعدان ، وهو الشوك الملتف بعضه على بعض كما في الأحاديث السابقة وفيها : ( عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجدٍ يقال لها السعدان ) .
ومنها: أن الأنبياء قائمين عليه يقولون: ( اللهم سلم سلم ) ، وفي الحديث: ( ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ) ، نسأل الله جل وعلا أن يثبتنا على هذا الصراط ، والله أعلم .
س154: أيهما يكون قبل الآخر : الصراط أم الميزان أم الحوض ؟
ج154:
هذا فيه خلاف بين أهل العلم لكن الأرجح - والله تعالى أعلم
- أن الحوض أولاً ثم الميزان ثم الصراط ، هكذا وردت الأدلة ، وقد رتبها بعض أهل العلم تسهيلاً لحفظها بكلمة ( حمص ) فالحاء يراد بها الحوض ، والميم يراد بها الميزان ، والصاد يراد بها الصراط ، والله أعلم .
س155: وماذا يكون بعد الصراط مع الدليل ؟
ج155:
أقول : إذا مر الناس على الصراط فإنهم يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار
فيقتص لبعضهم من بعض ، فإذا هذبوا ونُقَّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة ، ودليلها حديث أبي سعيد الخدري [رضي الله عنه] في صحيح البخاري بنفس اللفظ السابق في الجواب ، فلا داعي إلى إعادته ، والله أعلم .
س156: ما القضية الحادية عشرة من قضايا اليوم الآخر ؟
ج156:
القضية الحادية عشرة من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر
الإيمان بالجنة والنار ، الله أعلم .
س157: كيف يتم تحقيق الإيمان بهما ؟ مع بيان ذلك بالأدلة .
ج157:
يتم تحقيق الإيمان بهما إذا آمنت بعدة أمور :

الأول : أن تؤمن إيمانًا جازمًا يقينيًا أنهما موجودتان الآن ، أي أنهما قد خلقتا وفرغ من أصل خلقهما ، وقد تواترت الأدلة على ذلك :
فمن ذلك : قوله تعالى في آيات كثيرة بعد ذكر نعيم الجنة : ﴿ أعدت للمتقين ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله ﴾ ، فهذا إخبار عن أمرٍ وقع في الماضي كما هو مقتضى اللغة التي نزل القرآن بها ، وقال تعالى : ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون ﴾ ، وهذا أيضًا إخبار عن أمرٍ مضى مما يدل على أنه أعد ولكنه أخفي عنا ، وقوله تعالى في شأن النار في آيات كثيرة : ﴿ أعدت للكافرين ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿ وأعتدنا للكافرين سعيرًا ﴾ ، ونحو هذه الآيات .
ومن ذلك : قوله تعالى : ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ﴾ ، وهذا صريح في أنها موجودة الآن وقبل الآن ، وخبر الشارح لا خلاف فيه .
ومن ذلك : ما في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا : ( إن أحدكم عرض مقعده بالغداة والعشي فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم القيامة ) وهذا العرض على الجنة والنار دليل على أنهما موجودتان الآن .
ومن ذلك : قوله تعالى : ﴿ النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ ، وكيف يعرضون على أمرٍ لا حقيقة له، بل هو في حيز العدم ؟
ومن ذلك : ما في الصحيحين من حديث عمران قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( اطلعت في الجنة فإذا أكثر أهلها الفقراء ، واطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء ) ، والاطلاع فيهما دليل صريح على وجودهما وأنهما مخلوقتان الآن .
ومن ذلك : ما في الصحيحين أيضًا من حديث أنس في سؤال الميت في قبره وفيه : ( فيقال : هذا مقعدك في النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة فيراهما جميعًا ) ، ورؤيته لهما رؤية حقيقية لا أنها خيال وضرب أمثال كما يقوله من يقوله من أهل الأهواء والبدع ، ومثله في الدلالة حديث البراء بن عازب المتقدم مطولاً وفيه : ( فينادي منادٍ من السماء : أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة ) ، وفيه أيضًا : أنه يقال للكافر : ( فينادي منادٍ من السماء : أن كذب فأفرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار ) ، وهذا دليل على أنهما موجودتان .
ومن ذلك : ما في الصحيحين في حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت : لمن هذا القصر ؟ فقالوا : لعمر بن الخطـاب ، فذكرت غيرتك فوليـت مدبرًا ، فبكى عمر وقال : على مثلك أغار يا رسول الله ) ورؤيا الأنبياء حق وصدق .
ومن ذلك : ما في الصحيحين أيضًا مـن حديث أبي هريرة [رضي الله عنه] قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) ، وهو صريح في الدلالة على المطلوب .
ومن ذلك : ما في الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة [رضي الله عنه] قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ( إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ) ، وكيف يجد الناس فيحها وهي لا زالت معدومة ؟ لكن سبحان من أعمى بعض القلوب ونعوذ بالله من الخذلان .
ومن ذلك : ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا : ( اشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب أكل بعضي بعضًا فإذن لها بنفسين ، نفسٍ في الشتاء ونفس في الصيف ، فأشد ما تجدون من الحر من فيح جهنم ، وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جنهم ) .
ومن ذلك : ما رواه البخاري أيضًا من حديث أبي هريرة [رضي الله عنه] أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال : ( إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار الآخرة ) . قيل : يا رسول الله إن كانت لكافية . قال : ( فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا ) .
ومن ذلك : ما في الصحيح قال النبي [صلى الله عليه وسلم] : ( اختصمت الجنة والنار عند ربهما ، فقالت الجنة : يا رب ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس ومساكينهم ، وقالت النار : يا رب ما لي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون ، فقضى الله بينهما : أنت الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء ، وأنت النار عذابي أعذب بك من أشاء ولكليكما ملؤها ) .
ومن ذلك: ما في الصحيحين أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: ( دخلت النار امرأة في هرة حبستها لاهي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ).
ومن ذلك : ما في الصحيح من حديث صلاته [صلى الله عليه وسلم] صلاة الكسوف وأنه عرضت عليه الجنة والنار ، وأنه قال : ( ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار ) ، وأنه تقدم ليناول من الجنة عنقود عنب وقال : ( لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ) ، وأنه رأى النار يحطم بعضها بعضًا وقال : ( فلم أر اليوم منظرًا قط أفظع ) وكل ذلك دليل على وجودهما .
ومن ذلك : ما رواه مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة مطولاً وفيه : ( لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل فقال : اذهب فانظر إليهما ... ) الحديث بطوله .
والأحاديث في إثبات ذلك كثيرة جدًا ولعل فيما مضى كفاية ، والخلاصة من ذلك أن نؤمن إيمانًا قطعيًا على أن الجنة والنار موجودتان الآن ، والله أعلم .
الأمر الثاني : الإيمان الجازم بأنهما باقيتان أبدًا لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان ، وهذا قول أهل السنة ، ومن نسب القول بفنائهما إلى شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم فقد أخطأ عليهما وقوَّلهما ما لم يقولا ، بل كتب شيخ الإسلام رسالة بعنوان : ( الرد على من قال بفناء الدار ) ، وفي الحقيقة أن هذا القول مستمد من أقوال أهل البدع ، والدليل على ذلك أي على أنهما باقيتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان قوله تعالى في نعيم الجنة : ﴿ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿ وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ ، وقوله تعالى في آيات كثيرة عن أهل الجنة : ﴿ خالدين فيها أبدًا ﴾ ، وقال تعالى عنهم أيضًا : ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ ، وهذا نفي للموت عنهم وكما أفاده أيضًا حديث ذبح الموت بين الجنة والنار ، وقوله : ( يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت ) وهو في الصحيح .
وقال تعالى : ﴿ لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ﴾ ، وقال تعالى في أبدية النار ودوامها : ﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ﴾ ، وقال تعالى في ثلاث آيات من القرآن : ﴿ خالدين فيها أبدًا ﴾ ، فقال في سورة النساء : ﴿ إلا طريق جنهم خالدين فيها أبدًا ﴾ ، وقال تعالى في سورة الأحزاب : ﴿ إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا خالدين فيها أبدًا ﴾ ، وقال تعالى في سورة الجن : ﴿ ومن يعصِ الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ولهم فيها عذاب مقيم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ إنها ساءت مستقرًا ومقامًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ إن المجرمين في عذاب جنهم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وسيجنبها الأتقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ .
وقال - عليه الصلاة والسلام - : ( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ) .
فهذه النصوص الكثيرة دليل قاطع على أن الجنة والنار باقيتان دائمتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان ، والله الموفق والهادي .
الأمر الثالث : أن تؤمن بما صح به الخبر من نعيم الجنة وعذاب النار مع الإيمان الجازم أن المعلوم منه إنما هو الاسم فقط وأما الكيفيات فإنه لا يعلمها على ما هي عليه إلا الله تعالى ، قال تعالى : ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ ، وقال في الحديث القدسي : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) . وقال ابن عباس : ( ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ) .
ومن القواعد المتقررة عند أهل السنة رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى أن الاتفاق في الاسم لا يستلزم الاتفاق في المسمى ، والله أعلم .
الأمر الرابع : أن تؤمن أن الله تعالى خلق لهما أهلاً ، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً ، ومن شاء منهم فإلى النار عدلاً وأنه يبقى فيهما فضل بعد دخول أهلهما فيهما ، فأما الجنة فينشئ الله لها خلقًا جديدًا ويدخلهم الجنة ؛ لأنه يتفضل وينعم ابتداءً لكمال فضله وواسع كرمه ، وأما النار فيضع رب العزة عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول : قط قط ، أي حسبي حسبي ، كما في الحديث الصحيح ؛ وذلك لأنه لا يعذب أحدًا بلا سابق جرم لكمال عدله جل وعلا فإذا آمنت بهذه الأمور الأربعة تكون بذلك قد حققت الإيمان بالجنة والنار .
جعلنا الله وإياك من أهل الجنة وأعاذنا من عذاب القبر وعذاب النار ، والله أعلم .
س158: ما ثمرات الإيمان باليوم الآخر ؟
ج158:
الثمرات كثيرة ونلخصها فيما يلي :
الأولى :
الرغبة في فعل الطاعة والحرص عليها رجاء الثواب في ذلك اليوم .
الثانية: الرهبة عند فعل المعصية والرضى بها خوفًا من عقاب ذلك اليوم.
الثالثة: تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها، والله أعلم .


الإيمـان بالقــدر

الشيـخ / وليـد بن راشـد

س159: عرف القضاء والقدر ؟ موضحًا العلاقة بينهما ؟
ج159:
القدر بفتحتين بمعنى التقدير .
واصطلاحًا :
تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته .
والقضاء لغة له معان ، ومنها : الحكم ، وهما مصطلحان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا ، أي إذا ذكر القدر وحده دخل معه القضاء وإذا ذكر القضاء وحده دخل معه القدر ، وإذا ذكرا جميعًا في سياق واحد تغايرا ، فيكون القدر بمعنى العلم السابق والكتابة والمشيئة ، والقضاء بمعنى وقوع ذلك المقدور وخلقه فهما في ذلك كالإسلام والإيمان ، والله أعلم .
س160: ما معنى الإيمان بالقدر مع بيانه بالدليل ؟
ج160:
معنى الإيمان بالقدر أن تؤمن الإيمان الجازم بعلم الله تعالى الشامل لكل شيء
، فالله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون ، وأن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وأن الله كتب الأشياء قبل خلقها وشاءها ، فلا يخرج شيء عن كونه مقدورًا له جل وعلا ، قال تعالى : ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وكان أمر الله قدرًا مقدورًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديرًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ والذي قدر فهدى ﴾ ، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن أبيه في حديث جبريل الطويل وفيه : ﴿ أدركت ناسًا من أصحاب النبي [صلى الله عليه وسلم] يقولون : كل شيء بقدر الله حتى العجز والكيس ﴾ ، وقال [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ﴾ رواه مسلم أيضًا ، وقد أجمع أهل العلم على الإيمان بالقدر وأنه الركن السادس من أركان الإيمان ، والله أعلم .
س161: ما مراتب الإيمان بالقدر ؟ مع بيانها بالأدلة ؟
ج161:
مراتب الإيمان بالقدر أربع مراتب :

المرتبة الأولى : مرتبة العلم ، معناها : الإيمان بعلم الله تعالى المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات ، لا يخفى عنه شيء في الأرض ولا في السماء ، فقد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو من أهل الجنة ومن هو من أهل النار من قبل أن يخلقهم ، وأنه يعلم كبير الأشياء ودقيقها على السواء ، قال تعالى : ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبةٍ في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾ .
وقال - عليه الصلاة والسلام - لما سئل عن أولاد المشركين : ﴿ الله أعلم بما كانوا عاملين ﴾ متفق عليه ، والله أعلم .
المرتبة الثانية : مرتبة الكتابة ، ومعناها : الإيمان الجازم بأن الله تعالى قد كتب في اللوح المحفوظ كل ما هو كائن إلى يوم القيامة وقد أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل السنة على أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب ، قال تعالى : ﴿ ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتابٍ إن ذلك على الله يسير ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتابٍ إن ذلك على الله يسير ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ .
وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال : سمعت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول : ﴿ كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ﴾ ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : ﴿ ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة ﴾ ، والله أعلم .
المرتبة الثالثة : المشيئة ، ومعناها : الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يكون من حركةٍ ولا سكون ولا هداية ولا إضلال إلا بمشيئته وهذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم وجميع الكتب المنزلة من عند الله تعالى والفطرة التي فطر الله الناس عليها ، قال تعالى : ﴿ وربك يخلق ما يشاء ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾. وقال -عليه الصلاة والسلام- : ﴿ إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد يصرفه حيث يشاء ﴾ .
المرتبة الرابعة : الخلق ، وهذه المرتبة تقتضي الإيمان بالله تعالى وهو خالق كل شيء ، فهو وحده جل وعلا خالف الكائنات بذواتها وصفاتها وحركاتها ، فهو الخالق وما سواه مخلوق ، قال تعالى : ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديرًا ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساءً ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ . وروى الإمام البخاري في خلق أفعال العباد عن حذيفة
t قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ إن الله يصنع كل صانع وصنعته ﴾ .
فهذه المراتب الأربع هي مراتب القدر ولا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بها ، والله أعلم.
س162: ما مذهب أهل السنة في أفعال العباد ؟ مع الدليل ؟
ج162:
مذهب أهل السنة في ذلك هو أنها داخلة في عموم قوله تعالى : ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ ، وأفعال العباد من جملة الأشياء ، فهي داخلة في هذا العموم ، ومن أخرجها منه فعليه الدليل ؛ لأن الأصل هو البقاء على العموم حتى يرد الناقل ، فأفعال العباد كلها من الطاعات والمعاصي داخلة في خلق الله تعالى وقضائه وقدره ، فقد علم الله تعالى ما سيخلقه في عباده وعلم ما هم فاعلون وكتب ذلك في اللوح المحفوظ وخلقهم الله كما شاء ، ومضى فيهم قدره ، فهم يعملون على وفق ما سبق به العلم والقدر والكتابة ، فأفعال العباد خلقًا وإيجادًا وتقديرًا من الله تعالى ، وهي من العباد كسبًا وفعلاً ، فالله تعالى هو الخالق لأفعالهم وهم الفاعلون لها حقيقة ، وعلى ذلك اتفق أهل السنة والجماعة ، وكل ما مضى من الأدلة في المرتبة الرابعة - أعني مرتبة الخلق - دليل على هذا الأمر ، وخصوصًا قوله تعالى : ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ سواءً قلنا إن ( م ) بمعنى المصدر أي ( والله خلقكم وعملكم ) أو كانت بمعنى ( الذي ) ، فيكون المعنى ( والله خلقكم والذي تعملون ) ، والله أعلم .
س163: من الذي خالف في ذلك ؟ وما الجواب عليهم ؟
ج163:
خالف في ذلك القدرية الذين يخرجون أفعال العباد عن أن تكون مخلوقة لله تعالى
، ويقولون إن العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه ، ويجاب عنهم بعدة وجوه :
الأول : أنه مخالف لما أجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل السنة وما خالف إجماع السلف فهو باطل ؛ لأن إجماعهم من سبيلهم وقد قال تعالى : ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا ﴾ .
الثاني : أنه مخالف لدلالة الكتاب والسنة ؛ لأن نصوص الوحيين قضت قضاءً جازمًا أن الله تعالى هو خالق الأشياء كلها وأنه لا خالق إلا هو ، وهم يقولون : العبد هو الذي يخلق فعله ، وهذا معارضة ومناقضة للكتاب والسنة ، ومفضٍ إلى تعطيل عموم نصوص خلق الله تعالى لكل شيء وما أفضى إلى تعطيل عموم نصوص خلق الله تعالى لكل شيء وما أفضى إلى ذلك فهو باطل ، فدل ذلك على أنه مذهب باطل كل البطلان .
الثالث : إن فيه نوع إشراك في الربوبية ؛ لأن من مقتضيات الإيمان بتوحيد الربوبية الإيمان بعموم خلق الله تعالى لكل شيء ، لا يخرج عن ذلك أي شيء من المخلوقات ، فإذا قالوا : إن العبد هو الذي يخلق فعله فقد أثبتوا مع الله تعالى خالقًا آخر ، وهذا شرك في الربوبية ، وهو تشبه بقول المجوس الذين يقولون : إن للعالم صانعين النور والظلمة ، فالنور خلق الخير ، والظلمة خلقت الشر ، ولذلك فقد ورد في بعض الأحاديث والآثار أن هؤلاء القدرية مجوس هذه الأمة لأنهم يضيفون خلق فعل العبد إليه ويزعمون أنه هو الذي خلقه ، ومذهب يفضي إلى هذه النتيجة الباطلة بالاتفاق فإنه باطل بالاتفاق .
الرابع : أن القدرية متناقضون ، فإنهم يزعمون أن القرآن مخلوق استدلالاً بقوله تعالى : ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ ، ويقررون أن هذا العموم لا يمكن أن يخرج عنه شيء ثم هم يخرجون مع عقولهم العفنة ، وأفهامهم المنكوسة ، فأدخلوا في النص ما لم يدخل فيه بإجماع أهل السنة ، وهذا دليل على أن مبنى قولهم هذا إنما هو التخرص والظنون الكاذبة والشهوات والهوى ، ومذهب بني على هذا فإن حقه الاطراح وعدم الالتفات إليه ، والله أعلم .
س164: ما أنواع التقدير ؟ مع بيان دليل كل نوع .
ج164:
أقول : ذكر أهل العلم أن كتابة المقادير لها عدة أنواع وهي كما يلي :

الأول : التقدير العام الشامل لكل شيء ، وهو تقدير الرب لجميع الكائنات بمعنى علمه بها وكتابته لها ومشيئة وخلقه لها ، ودليل ذلك قوله تعالى : ﴿ ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتابٍ إن ذلك على الله يسير ﴾ ، وهذا النوع يسميه بعض أهل العلم بالتقدير الأزلي ، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى : ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : ﴿ كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ﴾ ، قال : ﴿ وعرشه على الماء ﴾ . وحديث محاجة موسى لآدم - عليهما الصلاة والسلام - وفيه أن آدم - عليه السلام - قال : فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن يخلقني . قال موسى : بأربعين عامًا . قال آدم : أتلومني على أن عملت عملاً كتب الله أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين عامًا ، قال : ﴿ فحج آدم موسى ﴾ . وكذلك يدل عليه حديث : ﴿ إن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب . قال : وما أكتب ؟ قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة﴾.وحديث أبي هريرة عند البخاري مرفوعًا:﴿جف القلم بما أنت لاقٍ فاختص على ذلك أو ذر﴾.
الثاني : التقدير العمري ، وهو تقدير كل ما يجري على العبد في حياته إلى نهاية أجله من كتابة رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ، ويدل عليها حديث ابن مسعود
t قال : حدثنا الصادق المصدوق [صلى الله عليه وسلم] قال : ﴿ إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وشقي أو سعيد ﴾ متفق عليه ، وعن أنس [رضي الله عنه] قال : قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ وَكَّلَ الله تعالى بالرحم ملكًا فيقول : أي رب نطفة ، أي رب علقة ، أي رب مضغة ، فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خلقها قال : أي ربي أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب في بطن أمه ﴾ متفق عليه .
الثالث : التقدير الحولي ، ومعناه كتابة ما سيكون في هذه السنة من الإيجاد والإعدام والإعزاز والإذلال والرفع والخفض والرزق والعمل ونحو ذلك ، وهذا التقدير يكون في ليلة القدر من العشر الأواخر من رمضان ، قال تعالى : ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين . فيها يفرق كل أمر حكيم ﴾ ، وقال تعالى فيها : ﴿ تنـزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمرٍ سلام هي حتى مطلع الفجر ﴾ .
وقد روي عن ابن عمر وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير أنهم قالوا : ﴿ يكتب فيها أي في هذه الليلة ما يحدث في السنة من موت وحياة وعز وذل ورزق ومطر حتى الحجاج يقال : يحج فلان ويحج فلان ﴾ .
الرابع : التقدير اليومي ، وهو تقدير ما سيحصل في كل يوم بيومه ، ويدل عليه قوله تعالى : ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ ، فقد قيل في تفسيرها : شأنه أن يعز ويذل ، ويخفض ويرفع ، ويعطي ويمنع ، ويغني ويفقر ، ويضحك ويبكي ، ويميت ويحيي ، إلى غير ذلك ، فهذه هي أنواع التقديرات والله تعالى أعلى وأعلم .
س165: وضح وسطية أهل السنة - رحمهم الله تعالى - في هذا الباب ذاكرًا من خالفهم فيه ؟
ج165:
وسطية أهل السنة في هذا الباب المهم تعرف إذا عرف تطرق من خالف في هذا الباب من الفرق
، فأقول :
لقد خالف في باب القدر فرقتان ضالتان كل الضلال ، قد تاهتا فيه أعظم التيه ، إحداهما غلت في إثباته ، والثانية فرطت فالفرقة الأولى : يقال لها الجبرية ، وهم الجهمية نفاة الصفات ، لكن في باب القدر نطلق عليهم الجبرية ، وهؤلاء يقولون إن كل شيء لا يقع إلا بقضاء الله وقدره ، وهذا قول صحيح لا غبار عليه ، ولكن يا ليتهم وقفوا عند هذا ، بل غلوا في إثبات القدر حتى قالوا : وليس للعبد قدرة ولا اختيار على فعله ، بل هو كالريشة في مهب الريح ، وكالميت بين يدي غاسله ولا يملك مطلق القدرة ولا مطلق الاختيار ، فأنت ترى أن قولهم في باب القدر فيه حق وباطل ، فالحق هو إثباتهم للقدر السابق ، والباطل سلبهم العبد قدرته واختياره .
والفرقة الثانية : القدرية وهم المعتزلة ، وهؤلاء يقولون : إن العبد له مشيئة وقدرة واختيار على فعله فليس هو مجبور عليه ، بل يفعل فعله ، بقدرته واختياره ، وهذا القدر من قولهم حق لا غبار عليه ، ولكن يا ليتهم وقفوا عند ذلك ، بل زادوا عليه قولهم ، والعبد هو الذي يخلق فعله ولا رابطة بين مشيئته ومشيئة الله جل وعلا ، فجعلوه هو الذي يختار ويشاء فعله الاختيار المطلق والمشيئة المطلقة ، فعندهم : قد يشاء العبد ما لا يشاؤه الله جل وعلا ، فليس هناك مطلق الرابطة بين مشيئة العبد ومشيئة الله عز وجل ، وقد انقسموا فرقتين :
القدرية الغلاة ، وهم الذين ينكرون سبق العلم والكتابة ، ويقولون :
إن الأمر أنف لا يعمله الله تعالى إلا بعد وقوعه من العبد ، وهي الفرقة التي كفرها من عاصرها من الصحابة كابن عمر وغيره .
والفرقة الثانية : القدرية المتأخرون ، وهؤلاء هم أكثر القدرية في هذه الأزمنة ، ويقولون :
قد علم الله ما سيفعله العبد لكن العبد هو الذي يوجد فعله استقلالاً ، فلا ينسب الفعل إلى الله خلقًا ولا إيجادًا ، هذه هي خلاصة
أقـوال الفـرق فـي هـذه المسـألـة .
فجاء أهل السنة والجماعة رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى وأعلى منارهم في الدنيا والآخرة وثبت أحياءهم ورحم أمواتهم وجمعنا بهم في الجنة وحشرنا في زمرتهم فأخذوا الحق الذي مع كلا الفرقتين وتركوا الباطل ؛ لأنهم أحق بالحق وهذه الفرق أحق بالباطل ، فقال أهل السنة : كل شيء بقضاء الله وقدره فالله تعالى قدر المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكتب كل ذلك في اللوح المحفوظ وشاءه بمشيئته النافذة وقدرته الشاملة وخلق كل شيء فقدره تقديرًا ، وجعل للعبادة قدرة على أفعالهم ومشيئة ، وهو الخالق لقدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم ، فلا يشاءون إلا ما يشاء الله ، وأن العباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم وأن العبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والمزكي والصائم .
وبالجملة فأفعال العباد تنسب إلى الله تعالى خلقًا وإيجادًا ، وتنسب إلى العبد فعلاً واكتسابًا ، فأهل السنة - رحمهم الله تعالى - بهذا القول حققوا مذهب الوسطية كعادتهم وأخذوا بالأدلة كلها ولم يدعوا منها شيئًا ولم يخالفوا بهذا القول نصًا صحيحًا صريحًا ، بل جاء قولهم متوافقًا مع الأدلة في هذا الباب كل الموافقة ، وهذا من هداية الله تعالى لهم وتوفيقه وحسن امتنانه ، فلا هم غلوا في إثبات القدر حتى سلبوا العبد قدرته واختياره كما تقوله الجبرية ، ولا هم غلوا في إثبات قدرة العبد واختياره حتى جعلوه هو الخالق لفعله استقلالاً كما يقوله القدرية .
فهذا هو التوسط بين هاتين الفرقتين ، فالجبرية أخذوا بنصوص إثبات المقادير السابقة فقط ، ولم ينظروا في النصوص المثبتة لمشيئة العبد وتركوا الأدلة التي فيها إثبات عموم القدر والخلق ، أهل السنة أخذوا بكل الأدلة ، فصار قولهم هو القول الوسط ، قال تعالى : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطًا ﴾ ، والله أعلم .
س166: هل العبد مسير أم مخير ؟
ج166:
أقول : اعلم - يا رعاك الله تعالى -
أن الإجابة على هذا السؤال تختلف باختلاف الأقوال في باب القدر ، فالجبرية الذين يسلبون العبد قدرته واختياره يقولون : إن العبد مسير مطلقًا ، لا حيلة له في فعله ولا ينسب فعله إليه إلا مجازًا ، وهذا القول خطأ ؛ لأنه بني أصلاً على خطأ ، وما بني على الضلال فهو ضلال .
وأما القدرية الذين يثبتون للعبد القدرة الكاملة والمشيئة المستقلة فإنهم يقولون : العبد مخير مطلقًا ، وهذا القول خطأ أيضًا ؛ لأنه مبني على خطأ ، وأما أهل السنة - رحمهم الله تعالى - فلأنهم يقولون بإثبات القدر السابق وبإثبات قدرة العبد ومشيئته فقد قالوا هنا : إن العبد مسير ومخير ، لكن باعتبارين ، فهو مسير باعتبار ما كتب وقدر له وسبق به العلم في الأزل ، ومسير باعتبار دخول الفعل تحت قدرته واختياره ، أي أننا إذا نظرنا إلى ما سبق وقدر وفرغ من كتابته قلنا : هو مسير ، وإذا نظرنا إلى دخول الفعل تحت قدرته واختياره قلنا : هو مخير ، فاجتمع فيه التسيير والتخيير .
ونضرب لك مثلاً : لو أن إنسانًا سلك طريقًا من الطرق ثم جاءه مساران إما يمين وإما شمال فهو مخير باعتبار أنه إن أرد أن يذهب يمينًا فله ذلك ، وإن أراد أن يذهب شمالاً فله ذلك ، فهذا الفعل داخل تحت اختياره ، فهو بهذا الاعتبار مخير ، لكن اعلم أنه لن يذهب إلا إلى الجهة التي قدرها الله له وسبق بها علمه وكتابته فهو بهذا الاعتبار مسير .
ومثال آخر : لو أن إنسانًا خير بين سيارتين لشراء واحدة منهما ، فهو مخير إن شاء اشترى هذه السيارة وإن شاء اشترى الأخرى ، فهذا الفعل أي شراء إحدى السيارتين فعل داخل تحت قدرته واختياره ، فهو بهذا الاعتبار مخير ، ولكن اعلم أنه لن يشتري إلا السيارة التي كتبت له وقدرت له ، وسبق بها علم الله تعالى وشاءها له ، وهو بهذا الاعتبار مسير .
وعلى ذلك فقس ، فأيضًا أهل السنة - رحمهم الله تعالى - بهذا القول قد سلكوا مسلك الوسطية كعادتهم رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى ، والله أعلم وأعلى .
س167: هل الإيمان بالقدر يتنافى مع فعل الأسباب والحرص عليها ؟ فصل في ذلك مع ذكر الدليل .
ج167:
مذهب أهل السنة والجماعة
أن الإيمان بالقدر لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب ، بل يقولون : إن الأخذ بالأسباب من الإيمان بالقدر ، فمباشرة الأسباب من تمام الإيمان بالقدر ، ولهذا فيجب على العبد مع الإيمان بالقدر الاجتهاد في العمل والأخذ بأسباب النجاة والالتجاء إلى الله تعالى بأن ييسر له أسباب السعادة ، وأن يعينه عليها ، ونصوص الكتاب والسنة حافلة بالأمر باتخاذ الأسباب المشروعة في مختلف شؤون الحياة ، فقد أمرت بالعمل وطلب الرزق واتخاذ العدة لمواجهة العدو والتزود للأسفار وغير ذلك ، كما قال تعالى : ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴾ .
وقال - عليه الصلاة والسلام - لما قيل له : أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل , فقال : ﴿ اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، فأهل السعادة يسيرون لعمل السعادة وأهل الشقاوة يسيرون لعمل الشقاوة ﴾ ثم قرأ : ﴿ ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ﴾ ﴾ والحديث في الصحيح. وقال - عليه الصلاة والسلام -: ﴿ احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ﴾ ، بل إن ترك تعاطي الأسباب اتكالاً على الكتابة السابقة في حقيقته أنه للقدر أصلاً؛ لأن الله تعالى ربط هذا الكون بعضه ببعض ونظم بعضه ببعض وربط الأشياء بأسبابها ، ودلنا على السبب إن كنا نريد حصول أثره ، فعلمنا دفع قدر الجوع بالأكل ، وقدر الظمأ بالشرب ، وقدر منازلة العدو ، وبحسن الإعداد الباطني والظاهري ، وقدر إحكام الشهوة بالزوج للقادر وبالصوم لمن لم يجد ، وقدر الفقر بالسعي في طلب الرزق الحلال ، وقدر دخول النار بالاجتهاد في العمل الصالح مع ترك الذنوب والمعاصي ، وهكذا .
فهل بالله عليك يقول أحد مع ذلك أنا أبقى مع القدر ولا أدافعه أو أحصله بالأسباب المشروعة ، فهذا القول في الحقيقة إنكار للقدر وتكذيب به وإلا فمن مقتضيات الإيمان بالقدر تعاطي الأسباب المشروعة في دفع المكروه وجلب المحبوب  وأضرب لك مثالين على أهمية تحصيل الأسباب وعدم الاتكال على ما كتب وقدر وهما :
الأولى : قوله تعالى عن مريم: ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا ﴾، فانظروا - رحمكم الله تعالى - ، امرأة نفاس خائفة مما سيواجهها تؤمر بهز جذع نخلة حتى يتساقط الرطب ، وإنه لو اجتمع عدد من الرجال الأقوياء فإنهم قد يعجزون عن هزها ، أَوَلا يقدر الله تعالى على إسقاط الرطب بلا هذا الهز ؟ بلى هو قادر على كل شيء لكن من باب ربط الأشياء بأسبابها والأخذ بزمام الجد والمبادرة وترك التواكل والعجز والكسل ، فهل يأتي بعد ذلك أحد يقول : سأدع العمل الصالح وأتكل على ما كتب لي ؟ هذا والله عين الغباء والخبل .
الثانية : قوله تعالى عن موسى : ﴿ وأوحينا إليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ﴾ فهذه الضربة بالعصى أمر بالأخذ بالأسباب وإلا فالله قادر القدرة التامة على فلق البحر بلا ضرب ، ولكن أمر موسى أن يضرب في هذا الوقت العصيب مع أن هذا الضرب سيؤخرهم قليلاً والعدو قد اقترب منهم ، ومع ذلك يؤمر بالضرب بالعصى ، والله إنها لتربية على تعاطي الأسباب والأخذ بالأسباب المشروعة ، والله تعالى أعلى وأعلم .
س168: ما حكم الاحتجاج بالقدر ؟ مع بيان الدليل ؟
ج168:
أقول : مذهب أهل السنة والجماعة - رحمهم الله تعالى -
هو أن الاحتجاج بالقدر منه ما هو سائغ مشروع ومنه ما هو زائغ ممنوع ، فأما السائغ المشروع فأمران :
الأول : الاحتجاج بالقدر عند نزول المصائب ، فإذا نزلت المصائب فعلى العبد أن يتسلى بنسبتها للقدر فيقول : قدر الله تعالى ذلك ولا دافع لقضائه ولا معقب لحكمه ، قال تعالى : ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ما أصاب من مصيبةٍ إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ ، قال علقمة : ﴿ هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من الله فيرضى ويسلم ﴾ .
وقال - عليه الصلاة والسلام - : ﴿ وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ﴾ .
الثانية : الاحتجاج بالقدر على المعصية التي قد تاب منها التوبة النصوح الصادقة ، فهذا أيضًا جائز لا بأس به ؛ لأنه لا يريد بهذا الاحتجاج أن يسوغ لنفسه الاستمرار عليها ؛ لأنه قد تاب منها، فإذا وقع الإنسان في شيء من المحرمات ثم تاب التوبة النصوح فعوتب في ذلك فله أن يقول : هذا أمر قدره الله علي ، ويستدل على ذلك بحديث أبي هريرة
t في الصحيحين في محاجة موسى وآدم - عليهما الصلاة والسلام - وفيه: ﴿ فقال آدم : يا موسى أتلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين عامًا ﴾ ، فآدم - عليه الصلاة والسلام - احتج على أكله من الشجرة بأنه أمر مكتوب ومقدر عليه ، لكن هذا الاحتجاج إنما وقع بعد التوبة النصوح المقبولة ، قال تعالى : ﴿ ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ﴾ ، فهذا الحديث فيه دلالة على جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية التي تاب منها التوبة النصوح ، والله أعلم .
الثالثة : الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية التي لا يزال يقارفها مسوغًا لنفسه بهذا الاحتجاج الدوام عليها والاستمرار في تعاطيها ، وهذه هي الحالة الزائغة الممنوعة وتفصيل الجواب عنها سيأتي في السؤال الآتي - إن شاء الله تعالى - ، والله أعلم .
س169: ما حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الواجبات ؟ مع بيان ذلك بالأدلة وضرب الأمثلة .
ج169:
أقول :
قبل الإجابة على هذا السؤال المهم أحب أن أنبهك على أمرين مهمين غاية الأهمية ، وهما :
الأول : اعلم أن القاعدة عند أهل السنة تقول : يجوز الاحتجاج بالقدر في المصائب لا المعائب ، ونعني بالمعائب أي المعاصي التي لا يزال يقارفها ، وقد شرحنا هذه القاعدة في القواعد المذاعة .
الثاني : اعلم أن أهل السنة - رحمهم الله تعالى - يقولون : إن الاحتجاج بالقدر حجة إبليسية التأصيل والتخطيط وآدمية التنفيذ ، فأساسها من كيد الشيطان الرجيم ، والمنفذ لها تطبيقًا عمليًا هم كثير من بني آدم ، والله أعلم .
ثم نقول : الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية وترك الواجب حجة داحضة باطلة كل البطلان نقلاً ، وعقلاً ، وحسًا ، وفطرة ، وبيان ذلك من وجوه عشرة :
الأول : أن القرآن أبطل هذه الحجة غاية الإبطال ولم يعتبرها شيئًا وسماها جهلاً وتخرصًا وظنًا كاذبًا ونفى أن تكون من العلم في شيء ، ووصفها بالزور والبهتان ، قال تعالى : ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ﴾ ، وقال تعالى عن الذين عبدوا الملائكة أنهم قالوا : ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ ، وأي إبطال بعد هذا الإبطال وما كان باطلاً فإنه لا يسوغ للعاقل أن يتمسك به .
الثاني : اتفاق السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة على عدم اعتبار ذلك حجة مقبولة ، فإنهم - رضي الله عنهم - لم يؤثر عن أحد منهم شيء من ذلك ، بل كانوا ينكرون على المخالف ويعاقبون من وقع فيما يقتضي العقاب من فعل محظور أو ترك مأمور بلا نظر في أن ذلك مقدرًا عليه ، ولاشك أن الإجماع ثابت ثبوتًا قطعيًا في هذه المسألة ، فعلى من نصح لنفسه وأرد لها النجاة باتباع هذا الإجماع فإنه من سبيل المؤمنين التي من اتبع غيرها ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا .
الثالث : أن الأدلة من الكتاب والسنة قد دلت الدلالة القاطعة الصريحة على أن حجة الله على عباده قد قامت بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، قال تعالى : ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون على الله حجة بعد الرسل ﴾ ، فلا حجة للعباد في ترك المأمور أو فعل المحظور ، فإن الله تعالى قد بين لنا طريق الخير من الشر فالحجة قد قامت والمحجة قد بانت فلم يبق لأحدٍ بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب حجة لمحتج .
الرابع : أن الاحتجاج بالقدر لو كان حجة مقبولة لأدى ذلك إلى إبطال الشرائع ؛ وذلك لأنه يسوغ لكل أحد ترك امتثال الأمر المشروع وارتكاب الشيء الممنوع أن يقول : الله قدره علي ، وكل الأشياء بقدر الله ، فلا داعي إذًا إلى الشرائع ولا إرسال الرسل ولا إلى خلق النار ولا إلى حساب وعذاب ، إذ كل أحدٍ سيحتج بالقدر ، فبان بذلك أنه حجة داحضة باطلة لأنها موصلة إلى هذه النتيجة الباطلة ، وما أدى إلى الباطل فهو باطل .
الخامس : أن الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي مع مخالفته للمنقول فهو أيضًا مناقض للمعقول ، وبيان ذلك أن الإنسان قبل فعل هذه المعصية هل كان يعلم أن الله قدرها عليه ؟ بالطبع لا ، فيكون هو الذي أقدم على فعلها اختيارًا منه لا اضطرارًا ، ولماذا لا يتركها ويقول : لم يقدرها الله علي ، بل لماذا لا يقبل على فعل الطاعة ويقول : الله قدر علي في هذا الوقت أن أفعل هذه الطاعة ، فإن هذا قليل فاعله ، أما أن يتقحم في المعاصي ويخالف أمر ربه ويتنكب عن الصراط المستقيم ويرتكب المحرمات وموبقات الآثام ، ويقول : الله قدرها علي ، فهذا خائب خاسر تائه ضائع لا حظ له في الآخرة ولا ينفعه ذلك يوم القيامة ؛ لأنه لم يكن يعلم ما قدر له حتى يقول : الله قدرها علي ، والله أعلم .
السادس : أن الاحتجاج بالقدر فيه تعطيل للأسباب التي جاءت الشريعة بإثباتها والأمر بها ، فإن الشريعة قد ربطت الآثار بأسبابها فمن أراد هذا الشيء فعليه بتحصيل سببه أما أن يريد آثار الأسباب من غير تحصيل للأسباب فإن هذا قدح في الشرع وعجز وكسل وخور فإن من أراد الولد فلا بد أن يحصل الزواج؛ لأنه طريق الولد ، لكن من ترك الزواج وقال : إن كان الله قدر لي الولد فسيأتيني ولو لم أتزوج ، فهذا هو الحمق بعينه والجنون بعروقه .
ولو قال قائل : أنا لن أذهب للعمل وإذا كان الله قد قدر لي حصول الراتب آخر كل شهر فسيأتي الراتب ولو لم أسع لتحصيله ، فبالله عليك هل هذا الكلام يمكن أن يصدر من عاقل يعرف ما يقول ؟
ولو قال قائل : أنا لن أذاكر ولن أجتهد في حفظ الدرس وفهمه ولو قدر الله لي النجاح فسأنجح ولو لم أبذل سببًا ، فقل لي بالله عليك ما رأيك بهذا الكلام فإني أدع الجواب لعقلك وقلبك ، وهذا يبين أن الأشياء قد ربطت بأسبابها والتفريق بين الآثار وأسبابها قدح في الشرع وخبل في العقل فنقول : وكذلك أيضًا الهداية ودخول الجنة فإنها قد ربطت بأسبابها ، ففي الحديث : ﴿ فاستهدوني أهدكم ﴾ ، وفي الحديث الآخر : ﴿ اعقلها وتوكل ﴾ ، فمن أراد الهداية فعليه بسلوك سبب تحصيلها ومن أراد الجنة فعليه بسلوك سبب تحصيلها من فعل المأمورات وترك المحظورات مع الإخلاص والمتابعة ، ويوضح ذلك أكثر أن نقول : اعلم يا من تحتج بالقدر أنك لا تحتج به إلا في ترك أمور الطاعة وفعل الحرام فقط ، أما في أمور الدنيا فلا نراك تحتج بالقدر على ترك أسبابها ، بل تفني نفسك ووقتك في تحصيل أسبابها ، ونقول : لابد من الأخذ بالأسباب ، وأما أمور الطاعة والأخذ بأسباب دخول الجنة من تحصيل الهداية والاستقامة فإنك تقول : إذا شاء الله أن يهديني فستحصل الهداية ، وإذا أراد الله أن يدخلني الجنة فسيحصل ذلك ، وهذا عين التناقض ، فبالله عليك كيف تأخذ بتحصيل أسباب الرزق وقد تكفل الله به وتترك تحصيل أسباب الجنة التي ما خلقت أصلاً إلا للعمل لتحصيلها ، فهذا والله لا يسوغ عند العقلاء ، وهذا دليل من الحس ، والله أعلم .
السابع : أن العبد مأمور بالإيمان بالقدر واتباع الشريعة بفعل المأمور واجتناب المحظور ، فلا تناقض بين القدر والشرع ، فالمحتج بالقدر على ترك المأمور أو فعل المحظور هو في حقيقته مؤمن بوجود التناقض بين قدر الله وشرعه وهذا فيه قدر كبير في علم الله وحكمته ، بل يجب عليك أن تعلم أن من لم يؤمن بالشرع فإنه مكذب بالقدر؛ لأن شرع الله من جملة قدره ، ومن لم يؤمن بالقدر فإنه مكذب للشرع ، ولذلك قال ابن عباس : القدر نظام التوحيد ، فمن اعتقد أن هناك تعارضًا بين القدر والشرع فهو زنديق ، ولا يصل العبد إلى ذلك إلا بالاحتجاج بالقدر على ترك الشرع ، فاحذر من ذلك يا رعاك الله .
الثامن : أن العباد مطالبون بالنظر فيما أمروا به فيفعلونه وفيما نهوا عنه فيتركونه ، هذا هو الذي تعبدنا الله تعالى به وهو الذي سنسأل عنه يوم القيامة ولسنا مأمورين بالنظر فيما قدر لنا ؛ لأن هذا أصلاً في علم الغيب ولا يستطاع العلم به ، بل قد نهينا عن الخوض في القدر بلا علم أو برهان ، فنحن مطالبون بالاجتهاد في العمل لا في مطالعة الأقدار ، فالمحتج بالقدر ترك ما هو مأمور به من العمل ونظر فيما لم يؤمر به من مطالعة القدر ، فأشغل نفسه في مطالعة ما لا يعود عليه بالنفع لا العاجل ولا الآجل ، بل أشغل نفسه فيما يعود عليه بالضرر؛ لأن الهدى والصلاح والبر والتقوى إنما هي في متابعة الرسول [صلى الله عليه وسلم] لا في مجرد النظر فيما قدر لنا ، والله المستعان .
التاسع : أن العبد مأمور بالتوبة إذا وقع منه الزلل أمر إيجاب ، قال تعالى : ﴿ وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم ترحمون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا ﴾ ، والاحتجاج بالقدر على فعل المعصية قاتل لانبعاث التوبة في القلب ، وبيان ذلك أنه قد سوغ لنفسه الاستمرار على هذه المعصية بأن الله قدرها عليه فلا يفكر أن يتوب منها لأنه وإن رآها خطأ إلا أنه يرى أنه معذور في فعلها لأنها مما قدر وكتب عليه ، فتراه مستمرًا عليها لا ينزجر عن فعلها ولا يرعوي عن مقارفتها ، والتوبة أمر مقصود شرعًا والاحتجاج بالقدر يدفع هذا المقصود الشرعي ، وما دافع المقصود الشرعي فإنه باطل .
العاشر : أن الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية لو كان حجة مقبولة لبادر بها إبليس لـمَّا تخلف عن السجود ولقال يا رب أنت قدرتها علي ، لكن علم في قرارة نفسه أنها لا تنفعه لأنها في الحقيقة ليست عذرًا مقبولاً ، فإبليس بهذا مثله كمثل من يروج المخدرات وهو لا يستعملها فهو يروج لهذه البضاعة - أعني الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية - وهو عالم كل العلم أنها ليست مما ينفع ، ولذلك عدل عنها .
فهذه بعض الأوجه في كشف زيف هذه الحجة ولعلها تكون كافية إن شاء الله تعالى ، والله أعلى وأعلم .
س170: ما المشروع عند نزول المصائب ؟ مع بيان الدليل .
ج170:
المشروع عند نزول المصائب من الموت والأمراض والعاهات والحوادث والكوارث ، ونحو ذلك عدة أمور :

الأول : أن يعلم أنها مما سبق به القلم وطويت عليه الصحف ، قال تعالى : ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ﴾ ، وأنه لا دافع لقضائه ولا معقب لحكمه جل وعلا .
الثاني : أن يؤمن إيمانًا جازمًا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه .
الثالث : وجوب الصبر وعدم فعل أو قول شيء فيه جزع وتسخط على ما نزل من القدر ، قال - عليه الصلاة والسلام - : ﴿ ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ﴾ . وقال أبو موسى : ﴿ إن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بريء من الصالقة والحالقة والشاقة ﴾ . الصالقة : هي ترفع صوتها عند المصيبة ، والحالقة : التي تحلق شعرها أو تنتفه عند المصيبة ، والشاقة : هي التي تشق جيبها عند المصائب . وقال - عليه الصلاة والسلام - : ﴿ النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ﴾ ، وكل هذه الأحاديث في الصحيح .
ومن ذلك قول ( لو ) كما قال - عليه الصلاة والسلام - : ﴿ وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ﴾ ، فالصبر عند المصائب معناه حبس اللسان والجوارح عن قول وفعل ما لا يليق مما فيه منافاة لما يجب منه ، نسأل الله تعالى أن يعيننا وإياك على الصبر عند حلول المصائب .
الرابع : أن يعلم العبد أن هذه الحوادث والكوارث إنما سببها ما كسبت يداه من الذنوب والآثام ، قال تعالى : ﴿ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ ، لأن العبد إذا استشعر ذلك أحدث له توبة واعترافًا وانكسارًا وخضوعًا لربه جل وعلا واستغفارًا على سابق هذا الذنب وهذا أمر مقصود شرعًا ، وقد يكون طريق تحصيله في بعض الأحيان نزول هذه المصائب .
الخامس : الرضى والتسليم لقضاء الله وقدره ، قال تعالى : ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ ، قال علقمة : ﴿ هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من الله فيرضى ويسلم ﴾ .
وقد اختلف العلماء في حكم الرضى على قولين ، والأرجح أنه مستحب ، وهو اختيار الشيخ تقي الدين وتلميذه ، وكثير من المحققين .
السادس : شكر الله وحمده على ما قضاه وقدره ، وأن يحدث العبد عند ذلك عبودية الشكر والحمد وهذا مقام العارفين وهو سنة لكنه حالة كاملة عالية فاضلة صعبة المنال إلا على من يسرها الله عليه ، فإن العبد قد يشكر ويحمد بلسانه فقط وفي قلبه ما فيه ، أما أن يكون الشكر والحمد مصدره القلب واللسان معبرٌ عنه فهذا لا يستطيعه إلا أهل العبادات وصفاء النفوس ، جعلنا الله وإياك منهم .
السابع : التسلي بقول الأوراد الشرعية الثابتة في ذلك ، كقول : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) ، قال تعالى : ﴿ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ﴾ .
وكقول : ( قدر الله وما شاء فعل ) ، كما ورد معنا في الحديث قبل قليل .
وكقول : ( اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها ) ، كما في حديث أم سلمة لما مات أبو سلمة أمرها النبي [صلى الله عليه وسلم] أن تقول ذلك ، فأبدلها الله برسول الله [صلى الله عليه وسلم] .
وكقول الإنسان لأخيه عند نزول مصيبة الموت بأحد أهله : ( اصبر واحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى ) ، كما في الحديث الصحيح : ﴿ مرها فلتصبر ولتحتسب ... ﴾ إلخ . وكقول الإنسان عند زيارة المريض : ﴿ لا بأس عليك كفارة وطهور إن شاء الله تعالى ﴾ كما في الحديث ، ونحو ذلك ، والله أعلم .
س171: ما سبب ضلال الجبرية والقدرية في باب القدر ؟
ج171:
هذا سؤال مهم جدً
ا ؛ لأننا إذا عرفنا سبب الضلال حذرناه وابتعدنا عنه فأقول : اعلم أن القدرية والجبرية كانوا أخوين يمشيان في طريق واحد ، وعندهم قاعدة قد أصلوها واعتمدوها ، وهي أن كل شيء يشاؤه الله فهو يحبه ، فالمشيئة عندهم مرادفة للمحبة ، إلى هنا وهم متفقون ، لكن لما نظروا إلى الأشياء الموجودة في الكون وجدوا فيها الكفر والشرك والبدعة والزنا وشرب الخمور وعقوق الوالدين والسرقة ونحو ذلك من الآثام .
فقالت الجبرية : بما أن هذه الأشياء قد شاءها الله وأوجدها فهو يحبها ونحن مجبورون على فعلها ، فترى الواحد منهم يقارف الذنب ويرى أنه يفعل عين ما يحبه الله تعالى ؛ لأن الله شاءه وكل شيء يشاؤه فهو يحبه .
وأما القدرية فإنهم لما نظروا إلى نتيجة هذه القاعدة وقفوا متحيرين وتعاظموا أن يقولوا إن الله يحب الكفر والزنا واللواط والخمر ونحو ذلك ؛ لأن وجودها في الكون دليل المشيئة لها والمشيئة عندهم مرادفة للمحبة فقالوا : لا حل عندنا إلا أن نقول إن العبد هو الذي يخلق هذه الأفعال وأن الله تعالى لم يشأها منه ولا أرادها أن تقع في الكون ، لكن العبد هو الذي أوجدها بنفسه استقلالاً ، وهم بذلك قد وقعوا في شر مما فروا منه ، فأنت ترى أن سبب ضلال هاتين الفرقتين هو أنهم جعلوا مشيئة الله وإرادته شيئًا واحدًا لا ينقسم وأنها مرادفة للمحبة ولهذا لزم عليهم هذه اللوازم الباطلة .
فالجبرية والقدرية اتفقوا في الأصل والقاعدة ، واختلفوا لما ظهرت نتائجها ، فالجبرية رضيت بها ، وأما القدرية فرفضت هذه النتيجة لكن القدرية لم يتجرءوا على تغيير هذه القاعدة واستطاعوا تحريف كلام الله وكلام رسوله [صلى الله عليه وسلم] ليتوافق مع أهوائهم ومذاهبهم ، فنعوذ بالله من أسباب الضلال ونسأله جل وعلا أن يهدينا رشدنا ، والله أعلم .
س172: ما مذهب أهل السنة في إرادة الله جل وعلا ؟ مع بيان ذلك بالتقسيم والتدليل وبيان وجه الفرق .
ج172:
هذا السؤال متمم لما قبله وهو يبين لك كيف هداية الله تعالى لأهل السنة في هذا الباب ، كما هداهم في سائر أمور الاعتقاد ، وبيان ذلك أن يقال :
مذهب أهل السنة والجماعة رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى هو أن إرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين :

الأول : الإرادة الكونية القدرية ، وهي مرادفة للمشيئة وهذه الإرادة لا يخرج عن مرادها شيء ، فالكافر والمسلم تحت هذه الإرادة الكونية سواءً ، فالطاعات والمعاصي كلها داخلة تحت هذه الإرادة ، قال تعالى : ﴿ وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مرد له ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ﴾ ، وغير ذلك .
الثاني : الإرادة الشرعية الأمرية الدينية ، وهي مرادفة للمحبة ، وتتضمن ما يحبه الله ويرضاه ، قال تعالى : ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ﴾ ، وغير ذلك .
فهذا من ناحية التقسيم والتدليل ، وأما من ناحية التفريق بين الإرادتين فاعلم أن أهل العلم قد فرقوا بينهما بثلاثة فروق :
الفرق الأول : أن الإرادة الكونية لا تستلزم المحبة ، وأما الإرادة الشرعية فإنها تستلزم المحبة ، أي أنها ليس كل شيء يخلقه الله كونًا يلزم أن يكون محبوبًا له ، وهذا فيه رد لقاعدة الجبرية والقدرية ، وهي قولهم : كل شيء يشاؤه فهو يحبه ، وهذا الكلام ليس له مطلق الصحة ، وأما الإرادة الشرعية فإن كل شيء أمر الله به شرعًا فإنه يحبه ويرضاه ، فالكونية لا تستلزم المحبة ، والشرعية تستلزم المحبة .
الفرق الثاني : الإرادة الكونية لابد أن تقع ، أي أن كل شيء أراده الله كونًا فإنه لابد أن يقع لا يدفعه شيء أبدًا فالإرادة الكونية لازمة الوقوع ، وأما الإرادة الشرعية فإنها قد تقع وقد لا تقع ، أي قد يريد الله أشياء شرعًا لكنها لا تقع كونًا ، فالله يريد شرعًا من الناس الإسلام والهداية ، لكن هذا لم يقع لأن أكثر الناس في كفرٍ وضلال .
الفرق الثالث : أن الإرادة الكونية مرادة لغيرها لا لذاتها ، وأما الإرادة الشرعية فإنها مرادة لذاتها ، فالكفر الواقع مراد لغيره لا لذاته ، والمعاصي الواقعة مرادة لغيرها لا لذاتها ، وأما الإيمان فإنه مراد لذاته وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الطاعات ، فإنها مرادة لذاتها .
فمن فهم هذه الفروق فإنه قد هدي في هذا الباب فيما قد ضل به كثير من الناس ، والله أعلم .

س173: متى تجتمع الإرادتان ومتى تنفرد إحداهما عن الأخرى ؟ مع بيان ذلك بالأمثلة .
ج173:
تجتمع الإرادتان في إيمان أبي بكر وعمر وعثمان وعلي
، وهكذا أي في إيمان من قد آمن من الثقلين ، فهو كوني لأنه وقع في الكون ، وشرعي لأن الله يحبه ويرضاه ، وإذا صليت فإن صلاتك هذه قد اجتمعت فيها الإرادتان فيه إرادة كونية لأنها وقعت في الكون وشرعية لأن الله يحبها ويرضاها ، وبالجملة فكل شيء وقع في الكون وهو مما يحبه الله ويرضاه فإنه مما اجتمع فيه الإرادتان .
وتنفرد الإرادة الكونية في الأشياء التي وقعت في الكون وهي ما لا يحبه الله ويرضاه ، ككفر أبي جهل وأبي لهب ، بل وكفر من كفر من الثقلين ويدخل في ذلك سائر الذنوب والمعاصي التي وقعت في الكون ، فإنها من قبيل الإرادة الكونية فقط ؛ لأنها مما لا يحبه الله ويرضاه .
وتنفرد الإرادة الشرعية في الأشياء التي يحبها الله ويرضاها لكنها لم تقع في الكون ، فهي شرعية فقط ، لكن ليست بكونية لأنها ما وقعت ، والإرادة الكونية لازمة الوقوع وذلك كإيمان أبي لهب ، وسجود إبليس لأبينا آدم ونحو ذلك ، فكل ذلك مما يحبه الله فهو إرادة شرعية لكنه لم يقع فأبو لهب لم يؤمن وأبوه إبليس لم يسجد فتحققت الإرادة الشرعية وانفردت عن الإرادة الكونية ، والله تعالى أعلم وأعلى .
س174: هل ينسب الشر إلى الله تعالى ؟ وهل يقع في أفعاله شر ؟
ج174:
أقول : لقد فصل النبي [صلى الله عليه وسلم] هذه المسألة بالبيان الواضح والشافي ، وذلك فيما رواه مسلم في صحيحه في دعاء الاستفتاح أنه [صلى الله عليه وسلم] كان يقول : ﴿ لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت ﴾ ، وهذا القول من الصادق المصدوق [صلى الله عليه وسلم] يثبت أن الشر لا ينسب إلى الله تعالى ، فالله تعالى لا يفعل إلا الخير والقدر من حيث نسبته إلى الله تعالى لا شر فيه بوجهٍ من الوجوه ، فإنه علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه وذلك خير محض وكمال من كل وجه ، فالشر ليس للرب بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته ولا في أفعاله ، وإنما الشر يدخل في المقضي لا في القضاء وفي المقدور لا في القدر ، ونعني بالمقضي والمقدور الفعل الصادر من المخلوق ، فالمخلوق هو الذي يفعل الشر ، فالقدر فعل الله تعالى وكله خير لا ينقسم إلى خير وإلى شر ، وأما المقدور فهو فعل العبد وهو ينقسم إلى خير وإلى شر ، فالكفر شر باعتبار نسبته إلى العبد ، والظلم شر باعتبار نسبته إلى العبد ، فلابد من التفريق بين الفعل والمفعول ، والخلق والمخلوق ، ففعل الله وخلقه كله خير لا شر فيه ، وإنما الشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله ، فإن أسماءه الحسنى وصفاته العليا تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه ، وذلك لأن الشر إن أريد به وضع الشيء في غير موضعه فهو الظلم ، ومقابله العدل والله منزه عن الظلم جل وعلا ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ ، وقال : ﴿ يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ﴾ رواه مسلم من حديث أبي ذر ، فالله تعالى منزه عن الظلم لكمال عدله ، وإن أريد بالشر ما يلحق العبد من الأذى بسبب ذنب ارتكبه العبد فإن هذا لا يعد شرًا له ، بل هو عدل منه جل وعلا .
وبالجملة فإن أفعال الله تعالى خير كلها ومصلحة كلها ، وحكمة كلها لا شر فيها بوجه من الوجوه ، وهو سبحانه منزه عن نسبة الشر إليه مطلقًا لا إلى ذاته ولا إلى أسمائه وصفاته ولا إلى أفعاله ، فالشر لا يضاف إلى الرب جل وعلا ، لا وصفًا ولا فعلاً ، سبحانه وتعالى وتقدس ، والله أعلم وأعلى .
س175: كيف يريد الله تعالى أمرًا وهو لا يحبه ؟
ج175: هذا سؤال مشهور تردده ألسنة الذين لا يعقلون عن الله حكمة ومصلحة ويجعلونه وسيلة للقدح في أفعال الله تعالى وسلب الحكم والمصالح عنها ، وهو مزلق خطير إذا لم يؤخذ جوابه من أهل السنة ، فلكم حصل في جوابه من التخبط لما أخذ عن غيرهم وضل به أقوام كثر ، فنسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يهدي ضال المسلمين ويثبت مطيعهم ويأخذ بنواصينا للبر والتقوى ، فأقول في جوابه وبالله التوفيق :
إنه لابد أولاً أن نفرق بين المرادات ، فإن المرادات قسمان : مرادات لذاتها ، ومرادات لغيرها .
فالمراد لذاته مطلوب محبوب لذاته ، وأما المراد لغيره فإنه قد لا يكون محبوبًا ومطلوبًا لذاته ، بل لما يترتب على وجوده من الحكم والمصالح .
فالمراد لغيره بالنظر إلى ذاته لا يكون محبوبًا ولا مطلوبًا ، وبالنظر إلى ما يترتب عليه يكون مرادًا ، فهو مراد لشيء آخر لا أنه مراد لنفسه ، وأضرب لك مثالين على المراد لغيره ليتضح لك الأمر :
الأول : قطع العضو المتآكل الذي يكون في بقائه تلف بقية الأعضاء ، فإن الإنسان يذهب بنفسه إلى الطبيب ويمد هذا العضو إليه وهو يعرف أن الطبيب سيقطع هذا العضو من جسده ، وهو يريد ذلك القطع لكن بالله عليك هل هذا المريض يريد هذا القطع لذات القطع أي لأنه يحب ذلك لنفسه ؟ بالطبع لا ، ولكنه أراده لعلمه بآثاره الطيبة ومصالحه المترتبة عليه ، فهو أراد القطع لا لذات القطع وإنما أراده لغيره أي أراده لما يترتب عليه من سلامة بقية الأعضاء ، فاجتمع في هذا القطع البغض والحب ، فبالنظر إلى ذاته مبغوض مكروه ، وبالنظر إلى آثاره محبوب مراد ، فهو - أي القطع - مراد لغيره لا مراد لذاته ، ومن ذلك أيضًا تناول الدواء الكريه .
الثاني : قطع المسافات والصحارى والقفار وتحمل الأخطار ومفارقة الأهل والبلد ، للوصول إلى محبوبه الذي ملك عليه قلبه واستحكم حبه في نفسه ، فإن أحدًا لا يريد تعذيب نفسه بذلك لكنه علم أنه لا سبيل للوصال إلا بهذا الشقاء ، فأراد الدخول فيه لا لأنه يريده لذاته وإنما لأنه يعلم بآثاره المترتبة عليه ، فقطع المسافات وتحمل المشاق ليس مرادًا لذاته ، وإنما المراد لغيره ، فهو محبوب من وجه ومبغوض من وجه .
ومن هنا يتبين لنا أن الشيء يجتمع فيه الأمران ، بغض من وجه وحب من وجهٍ آخر ، ومن هنا يعرف الجواب على هذا السؤال الذي طال حوله الجدل وهو أن يقال : إن الأشياء التي أراد الله تعالى وقوعها كونًا وهو لا يحبها ولا يرضاها هي من قبيل المراد لغيره ، لا من قبيل المراد لذاته حتى يرد الإشكال ، فإن الذي يرد هذا الإشكال في ذهنه إنما هو الذي يجعل الأشياء الواقعة كلها من قبيل المراد لذاته وهم الجبرية والقدرية كما ذكرت لك سابقًا أن القاعدة عندهم أن كل شيء يشاؤه فإنه يحبه وهذا مخالف للنقل والعقل والحس والفطرة ، وأما على قول أهل السنة فإن لا إشكال أبدًا ، فكل شيء وقع في الكون فإنه لم يقع إلا بإرادته جل وعلا إذ لا يكون في كونه إلا ما يريد ، وهذه الإرادة لا تخلو إما أن تكون لذاتها وإما لغيرها ، فالأشياء التي وقعت وهو لا يحبها هي من قبيل الإرادة الكونية أي من قبيل ما يراد لغيره لا ما يراد لذاته فإذا فهمت ذلك وفرقت بين المرادين فقد أوتيت خيرًا كثيرًا وكفيت شرًا كثيرًا ، وهو من هداية الله لك صراطه المستقيم فاحمد الله على ذلك وأكثر من شكره ليزيدك توفيقًا وهداية ، قال تعالى : ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتكم لأزيدنكم ﴾ ، والله أعلم .
س176: هل ضربت لنا أمثلة على ذلك الأمر ليزداد الأمر وضوحًا ورسوخًا في القلوب ؟
ج176:
أقول : نعم وبكل سرور وتشرف فإنما أنا خويدم لك في إيصال ما أقدر على إيصاله لك من علم الشريعة وليس لي في ذلك فضل ولا منة وإنما الفضل كله والخير كله والمنة كلها لله جل وعلا ، فهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل ، فأقول وبالله التوفيق :
المثال الأول : خلق إبليس والحكمة من ذلك ، فإن إبليس مادة كل فسادٍ في هذه الدنيا في الأديان والاعتقادات والأعمال والشهوات والشبهات ، وهو سبب لشقاوة العبد ، فخلقه ليس مرادًا لذاته ، بل مراد لغيره وقد تلمس العلماء الحكم والمصالح من خلقه فذكروا منها ما يلي :
فمنها : أن يظهر للعباد قدرة الرب تبارك وتعالى على خلق المتضادات والمتقابلات ، فالذي خلق هذه الذات الفاسدة من كل وجه والتي هي أخبث الذوات والتي هي سبب كل شر ، هو الذي خلق ذات جبريل التي من أشرف الذوات وأزكاها والتي هي مادة كل خير ، فتبارك من خلق هذا وهذا ، وذلك كما ظهرت حكمته في خلق الليل والنهار ، والحر والبرد ، والماء والنار ، والداء والدواء ، والموت والحياة ، والجنة والنار ، وهذا دليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه ، فإنه خلق هذه المتضادات وقابل بعضها ببعض وسلط بعضها على بعضٍ وجعلها محل تصرفه وتدبيره وحكمته ، فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته ، وهذا يظهر ظهورًا جليًا لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
ومنها : أن يكمل الله تعالى لأوليائه مراتب العبودية ، وذلك بمجاهدة إبليس وحزبه وإغاظته بالطاعة لله جل وعلا والاستعاذة بالله منه واللجوء إلى الله أن يعيذهم من شره وكيده فيترتب لهم على ذلك من المصالح الدنيوية والدينية والأخروية ما لا يحصل بدونه ، ثم إن المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضا ونحوها أحب أنواع العبودية لله جل وعلا ، وهذه إنما تتحقق بالجهاد وبذل النفس وتقديم محبته جل وعلا على كل ما سواه ، فكان خلق إبليس سببًا لوجود هذه الأمور .
ومنها : حصول الابتلاء ، ذلك أن إبليس خلق ليكون محكًا يمتحن به الخلق ليميز الله الخبيث من الطيب .
ومنها : ظهور آثار أسمائه تعالى ومقتضياتها ومتعلقاتها فمن أسمائه : الرافع ، والخافض ، والمعز ، والمذل ، والحكم ، والثواب ، وهذه الأسماء تستدعي متعلقات يظهر فيها أحكامها فكان خلق إبليس سببًا لظهور آثار هذه الأسماء ، فلو كان الخلق كلهم مطيعين ومؤمنين لم تظهر آثار هذه الأسماء .
ومنها : خروج ما في طبائع البشر من الخير والشر ، فالطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر والطيب والخبث ، وذلك كامنٌ فيها كموت النار في الزناد ، فخلق الشيطان مستخرجًا لما في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفعل وأرسلت الرسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفعل ، فاستخرج أحكم الحاكمين ما في هؤلاء من الخير الكامن فيهم ليترتب عليه آثاره وما في أولئك من الشر ليترتب عليه آثاره وتظهر حكمته في الفريقين وينفذ حكمه فيهما ويظهر ما كان معلومًا له مطابقًا لعلمه السابق .
ومنها : ظهور كثير من آياته جل وعلا وعجائب صنعه ، فلقد حصل بسبب وقوع الكفر والشر من النفوس الكافرة الظالمة ظهور كثير من الآيات العجائب ، كآية الطوفان ، وآية الريح ، وآية إهلاك ثمود وقوم لوط ، وآية انقلاب النار على إبراهيم - عليه السلام - بردًا وسلامًا ، والآيات التي أجراها الله تعالى على يد موسى وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - ، وغير ذلك من الآيات ، فلولا تقدير كفر الكافرين وجحد الجاحدين لما ظهرت هذه الآيات الباهرة ، والله أعلم ، فهذه بعض من الحكم والمصالح من خلق إبليس ، نعوذ بالله تعالى منه .
المثال الثاني : خلق المصائب والآلام والحكمة من ذلك ، فإن هذه الأشياء أيضًا ليست مرادة لذواتها وإنما مرادة لغيرها ، فلما يترتب عليها من المصالح والحكم والغايات المحمودة أرادها الله تعالى .
فمن ذلك : تذكير العباد الذين تنكبوا عن الصراط بقدرته جل وعلا ويملهم عسى أن يحدث ذلك في قلوبهم رجوعًا وتوبة ، وكم حصل من الخير بسبب هذه الحوادث والآلام من توبة المذنبين وتيقظ الغافلين ، وإقبال المعرضين ورجوع الكثير إلى الله تعالى ، قال تعالى :﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾.
ومنها : استخراج عبودية الضراء وهي الصبر ، قال تعالى : ﴿ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ إن الله يحب الصابرين ﴾ ، وهذا لا يتم إلا بأن يقلب الله الأحوال على العبد حتى يتبين صدق عبوديته لله جل وعلا .
ومنها : تكفير السيئات ، فإن العباد كسّابون للذنوب كثيرًا وهم خطاءون ، ولربما يغفل العبد عن التوبة عن كثير منها فيجري الله تعالى هذه المصائب والآلام على العبد فيصبر فيكون ذلك سببًا لتكفير السيئات عنه ، وفي الحديث : ﴿ لا بأس عليك كفارة وطهور إن شاء الله ﴾ ، وفي الحديث أيضًا : ﴿ ما يصيب العبد من هم ولا غم ولا وجع ولا نصب إلا كفر الله عنه من خطاياه حتى الشوكة يشاكها ﴾ ، والأحاديث في ذلك كثيرة .
ومنها : حث النفوس وحفز أشواقها إلى الجنة ، فإن العبد مع مرور هذه الآلام والمصائب التي تكدر عيشه وتنغص عليه حياته يعلم علم اليقين أن هذه الدار دار تعب ومكابدة ونصب ، وأما الجنة فإنها دار الراحة المطلقة فلا تعب فيها ولا نصب ، فيشمر العبد بالاجتهاد في العمل الصالح لنيل هذه الدار الكريمة الغالية ، ولو أن الدنيا لم يكن فيها ذلك لما كان هناك كبير فرق ولنسي العبد الجنة ، فانظر إلى الحكمة العظيمة والغاية النبيلة .
ومنها : تقوية الرابطة بين العبد وربه جل وعلا وعلمه بضعفه ، فإن هذه المصائب والآلام يعلم العبد أنه لا خلاص له منها ولا مخرج له عنها إلا بصدق الالتجاء إلى ربه جل وعلا ، فيكون العبد دائم الذكر ودائم الدعاء والتضرع إلى الله ، وهذا أمر يحبه الله من العبد ، بل هو حقيقة العبادة ، فالعبد مفتقر إلى الله تعالى الافتقار الذاتي ، كما أنه جل وعلا هو الغني الغنى الذاتي ، فلا يمكن في حال من الأحوال أن يزول وصف الافتقار إلى الله تعالى من العبد ، كما أنه لا يمكن ولا يتصور ويستحيل الاستحالة المطلقة أن يزول وصف الغنى عن الله جل وعلا .
ومنها : الدخول في زمرة المحبوبين لله جل وعلا ، فالمبتلون يدخلون في زمرة المحبوبين المشرفين بمحبة الله جل وعلا ، فإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم ، وقد جاء ذلك في السنة كما في قوله [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ﴾ حديث حسن رواه الترمذي وابن ماجة . وغير ذلك من الحكم والمصالح التي لا يحيط بها على التفصيل إلا الله جل وعلا ، فهذان المثلان يوضحان لك إن شاء الله تعالى شيئًا من الحكم والمصالح في المرادات لغيرها ، والله أعلم .
س177: ما الواجب على العبد اعتقاده في أفعال الله تعالى ؟
ج177:
الواجب على العبد تجاه ذلك أن يعتقد الاعتقاد الجازم أن الله جل وعلا في جميع أفعاله حكمًا جليلة وغايات ومصالح عظيمة سواءً علمناها أو لم نعلمها ، فيجب على العبد أن يعلم ويعتقد أن أفعال الله جل وعلا وأوامره لا تخلو من الحكم الباهرة العظيمة التي تحير العقول وأنه متنزه عن فعل ما لا حكمة فيه ولا مصلحة ، فإن هذا عبث وقد نزه نفسه الكريمة عنه كما في قوله : ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ﴾ فأفعاله كلها حكم ومصالح ، وإذا لم تدخل في حدود معلومنا فذلك لا يدل على انتفائها في نفس الأمر ؛ لأن عدم العلم ليس علمًا بالعدم وعقولنا أحقر من أن تحيط بذلك على وجه التفصيل ، وهذا الإيمان الجملي فرض عين على كل أحدٍ ، بل هو من مقتضيات وصف الله جل وعلا بالكمال المطلق ، فإن القدح في ذلك قدح في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وهو منافٍ لكمال التوحيد الواجب ، بل قد يكون في بعض صوره منافٍ لأصل التوحيد والعياذ بالله ، فعلى العبد أن يؤمن بلا ريب أن الله تعالى هو الكامل الكمال المطلق في علمه وحكمته وسائر أفعاله جل وعلا ، ومقتضى هذا الإيمان أن يؤمن بأن أفعاله جل وعلا كلها بلا استثناء لها الحكم العظيمة والغايات والمصالح المحمودة ، والله أعلى وأعلم .

س178: ما معنى قوله تعالى : ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ ؟
ج178:
أقول : هذه الآية واضحة الدلالة ليس فيها شيء يوجب الإشكال ، وبيان ذلك أن يقال : اعلم - رحمك الله تعالى - أن القدر نوعان :
الأول : القدر المثبت أو المطلق أو المبرم ، ويراد به ما قد كتب في أم الكتاب أي اللوح المحفوظ فإن هذا التقدير ثابت لا يتبدل ولا يتغير ولا يزاد فيه ولا ينقص ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ ، وبناءً عليه فالآجال والأرزاق والأعمال وغيرهما التي كتبت في أم الكتاب ثابتة لا يعتريها شيء من التغيير والتبديل .
الثاني : القدر المعلق أو المقيد ، وهو ما في صحف الملائكة ، فهذا هو الذي يقع فيه المحو والإثبات ، فإن الله تعالى قد أمر الملك أن يكتب له أجلاً ، وقال : إن وصل رحمه زدته كذا وكذا ، والملك لا يعلم أيزداد أم لا ؟ لكن الله تعالى يعلم ما يستقر عليه الأمر ، فإذا جاء الأجل لا يتقدم ولا يتأخر ، وكذلك يقال في الأرزاق والمصائب ونحوها ، فإنه قد يثبت منها أشياء في الكتب التي بأيدي الملائكة ، وقد يمحى منها أشياء ، وذلك كله داخل تحت قوله تعالى : ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ ، فهذا المحو والإثبات إنما يكون في الصحف التي بأيدي الملائكة ، وكل ذلك قد كتب في أم الكتاب ، أعني الأقدار وأسبابها ، فلا تبديل ولا محو ولا إثبات فيما كتب في اللوح المحفوظ ، والله أعلم .
س179: اذكر لنا بعض الأخطاء التي وقع فيها بعض الناس في هذا الباب المهم لنحذرها ونحذر منها .
ج179: أقول : لقد ذكر جمع من أهل العلم - رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى - عددًا من الأخطاء في هذا الباب وقد ذكرنا بعضها في ثنايا الأسئلة السابقة ، ولكن أعيدها مختصرة وأزيد عليها ما لم يذكر ، فأقول :
منها : وهو أعظمها الخوض في هذا الباب بلا علم ولا برهان والنزاع فيه ، فإن هذا زلل عظيم ومزلق وخيم ، وهاوية كبيرة قل من يسلم منها إذا وقع فيها ، ولذلك وردت الأدلة والآثار محذرة من ذلك كل التحذير ، فقد روى أحمد وابن ماجة بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن رسول الله خرج على الصحابة وهم يتنازعون في القدر ، هذا ينزع آية وهذا ينزع آية ، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان ، فقال : ﴿ بهذا أمرتم - أو بهذا وكلتم - أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض انظروا إلى ما أمرتم به فاتبعوه وما نهيتهم عنه فاجتنبوه ﴾ . وروى الطبراني وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود
t مرفوعًا : ﴿ وإذا ذكر القدر فأمسكوا ﴾ وحسن إسناده الإمام العراقي وابن حجر والسيوطي والمباركفوري ، وقد قال الله تعالى : ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ وإن الخوض في القدر بلا علم ولا برهان قد أورث كثيرًا من الأسئلة الاعتراضية التي لا ينبغي أن يسأل عنها وقد أورث أن بعض الناس يبحث في الجوانب الخفية في هذا الباب ، وأفضى أيضًا إلى ترك التسليم والإذعان لله تعالى في قدره ، وكثير من الناس أقحم عقله الضعيف العاجز في اكتشاف مسائل هذا الباب من غير اهتداء بنور الكتاب والسنة ، وهذا أدى إلى التنازع والافتراق في هذا الباب ، وكل ذلك سببه الكلام في هذا الباب بلا علمٍ ولا نورٍ من الله ، فاحذر من ذلك الأمر الخطير ، والله يحفظنا وإياك .
ومنها : الاحتجاج به على فعل المعائب أي المعاصي وقد تقدم لنا الحكم فيه والأجوبة عنه .
ومنها : الاتكال على ما كتب وترك تحصيل الأسباب الشرعية وغيرها اعتمادًا على ما سبق به العلم وهذا خطأ فادح ومهيع وخيم جدًا ومدخل شيطاني لابد من سده بمعرفة منهج أهل السنة وقد قدمنا الجواب عن ذلك .
ومنها : عدم الاهتمام بشأن الدعاء ويرى أنه لا حاجة له ؛ لأنه لو دعا ثم دعا فلن يأتيه إلا ما قدر له ، فما قدر له فإنه يأتيه بلا دعاء وما لم يقدر له فلن يأتيه ولو استفرغ جهده في الدعاء ، وهذا فرع من فروع الاتكال على القدرة وتعطيل الأسباب الشرعية ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : ﴿ ولا يرد القدر إلا الدعاء ﴾ رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وحسنه الألباني - رحم الله الجميع رحمة واسعة - . وقال - عليه الصلاة والسلام - : ﴿ من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة وما سئل الله شيئًا يعطى أحب إليه من أن يسأل العافية ، إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء ﴾ وحسنه الألباني أيضًا . وقال [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ لا يغني حذر من قدر وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة ﴾ وحسنه الألباني أيضًا .
وأما ما يتردد على لسان الصوفية من قولهم عن إبراهيم الخليل [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ حسبي من سؤالي علمه بحالي ﴾ فإنه كلام لا أصل له ، قاله أبو العباس شيخ الإسلام وغيره من أئمة الحديث .
ومنها : نسبة المشيئة إلى الظروف أو الأقدار فيقول : شاءت الظروف وشاءت الأقدار ، وهذا خطأ لأن الظروف والأقدار لا مشيئة لها وإنما الذي يشاء هو الله تعالى كما حققه الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله تعالى - .
ومنها : دعاء بعض الدعاء بقوله : اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه ، وهذا دعاء لا ينبغي ؛ لأنه قد شرع لنا ما هو خير منه وأفضل وهو الدعاء برد القضاء إذا كان فيه سوء ، ويكفيك قوله [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء ﴾ رواه البخاري .
ومنها : سب القدر واتهامه والتسخط عليه ونسبة السوء إليه - والعياذ بالله تعالى - ، وهو منافٍ للأدب مع الله تعالى ، وعلامة للجزع النافي للصبر الواجب ، ومفضٍ بصاحبه إلى سخط الله تعالى كما في الحديث : ﴿ ومن سخط فعليه السخط ﴾ والجزاء من جنس العمل .
ومنها : ما يفعله بعض الناس من استطلاع القدر المستقبلي عند الكهنة والمنجمين ، وهذا ضلال مبين في باب القدر ؛ لأن القدر من الغيب ، والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى ، ويدخل في ذلك من يصدق بتأثير الأسماء والأبراج فيما يجري للإنسان في حياته .
ومنها : إنكار علم الله تعالى السابق أو إنكار الكتابة السابقة أو إخراج أفعال العباد أن تكون مخلوقة لله تعالى كما تقوله القدرية .
ومنها : سلب العبد قدرته ومشيئته كما هو قول الجبرية .
ومنها : زعم أن الإنسان مخير مطلقًا أو مسير مطلقًا .
ومنها : قول العبد ( لو ) أو ( ليت ) عند نزول الأمر المؤلم وقد قدمنا ذلك سابقًا .
ومنها : تمني الموت بسبب ما نزل به من الضر ، هذا حرام لا يجوز ، قال - عليه الصلاة والسلام - : ﴿ لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لابد متمنيًا فليقل اللهم أحييني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي ﴾ متفق عليه .
ومنها : قتل نفسه ، وهو المعروف بالانتحار ، وهذا جريمة عظيمة وعقوبتها وخيمة ، قال تعالى : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كـان بكم رحيمًا ومن يفعـل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرًا ﴾ . وقال - عليه الصلاة والسلام - : ﴿ من وجأ نفسه بحديدة فقتل نفسه فحديدته في يده يجأ بها في بطنه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ، ومن تحسى سمًا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ﴾ متفق عليه .
وقتل النفس دلالة صريحة على التسخط على القدر ، والمخيف أنه قد هذه الآونة الأخيرة بدأ يكثر ، فنعوذ بالله من الخذلان والله أعلم .
فهذه بعض الأخطاء في هذا الباب المهم فاحذر وحذر منها ، عافانا الله وإياك من كل سوءٍ وبلاءٍ ، والله أعلم .
س180: كيف الجواب على من أشكل عليه الجمع بين قوله تعالى : ﴿ ويعلم ما في الأرحام ﴾ ، وقوله [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله ﴾ ، وبين معرفة الأطباء لما في الرحم من كونه ذكرًا أو أنثى ؟
ج180:
أقول :
اعلم أولاً - رعاك الله تعالى - أن المقدم هو كلام الشارع في كل شيء ، فالقرآن والسنة لا يجوز أن يعارضا بأي شيء ، ولا يجوز التقدم عليها بقولٍ أو فعلٍ .
وثانيًا : اعلم أيضًا أنه لا يمكن أبدًا ولا يتصور أن تتعارض الحقائق العلمية التي ثبتت بالطريق الصحيح مع نصوص الكتاب وصحيح السنة ، فإن الذي أنزل النص هو الذي خلق الأشياء كلها وهو العالم بذواتها وصفاتها وخصائصها وأفعالها وما يتعلق بها ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فلا يمكن أبدًا أن يكون كلامه معارضًا لذلك إذا تكلم عنه ، فإذا وجد ما يوهم المعارضة فلا يخلو :
إما أن تكون هذه الحقيقة العلمية المدعاة ليست بشيء أصلاً ، أي أنها لم تبن على علم وبصيرة وهدى ، أو أن تكون متلقاة ممن لا يؤتمنون على حمل قتٍ ، فيظهرونها في صورة الحقائق العلمية وهي إلى الخرافات والدجل أقرب ويعارضون بها نصوص الوحيين ، وإما أن يكون صريح النص لم يدل على خلافها أصلاً لكنه لم يفهم على وجهه الصحيح ، كما في هذا السؤال ، فإن بعض الناس لا يفهم من قوله تعالى : ﴿ ويعلم ما في الأرحام ﴾ ، وقوله [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله ﴾ لا يفهم منه إلا العلم بالذكورة والأنوثة فقط ، وهذا فهم قاصر ؛ لأن المراد بهذا العلم العلم الشامل لكل أحوال هذه النطفة من ذكورة وأنوثة ، وانفرادٍ وتعدد ، وشقاوة وسعادة ، وأجل وعمل ، وما تكون عليه من الصفات الخَلقية والخُلقية في المستقبل ، ويعلم رزقها ، وهل يولد حيًا أو ميتًا ، فلا يحصر العلم فقط في الذكورة والأنوثة ويقال أيضًا : إن الأطباء لا يعلمون ذلك غيبًا ، بل بالأجهزة المعلومة المعروفة التي تبدي ما كان مستترًا حتى يكون علانية فيرون صورة الجنين الذي تخلق ، أي أن علمهم هذا ليس من علم الغيب ، بل من علم الشهادة ؛ لأن مبناه على الوسائل الحسية التي هداهم الله لها .
ويقال أيضًا : إن هذه النطفة قبل تخلقها هل يعرف الأطباء ما ستكون عليه ؟ بالطبع لا ، فو الله الذي لا إله إلا هو لو يجتمع أطباء الدنيا على نطفة في الرحم لم تتخلق لما عرفوا هل هي ذكر أو أنثى ، وصدق الله تعالى إذ قال : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ، والله أعلم .
س181: ما ثمرات الإيمان بالقدر ؟
ج181:
ثمراته كثيرة ، وأذكر منها ما يلي :

الأولى : حصول الهداية وزيادة الإيمان .
الثانية : خفة حدة المصائب النازلة والأقدار المؤلمة .
الثالثة : راحة النفس وطمأنينتها لأنها تعلم أن كلاً بقضاء وقدر وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها وما أخطأها لم يكن ليصيبها .
الرابعة : أن الإيمان بالقدر يربي النفس على الصبر وقوة الاحتمال .
الخامسة : محاربة اليأس والقنوط والعجز والكسل .
السادسة : الشجاعة والإقدام واطراح الخور والجبن .
السابعة : تربية النفس على القناعة .
الثامنة : سد باب الدجل والخرافة وتحرير العقول من ربقتها لأن المؤمن بالقدر لا يعتمد على خبر دجال ولا عراف ولا كاهن ولا يستطلع إلى مستقبله إلا بالبناء الصحيح بالجد والعزيمة الصادقة والاجتهاد في العمل ، والله تعالى أعلى وأعلم .


الأسمـاء والصفـات

الشيـخ / وليـد بن راشـد

س182: ما مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات ؟
ج182:
مذهبهم في الأسماء والصفات في ثلاث نقاط : في الإثبات ، وفي النفي ، وفيما لم يرد فيه دليل بخصوصه .
فأما الإثبات فهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات في كتابه وما أثبته له نبيه [صلى الله عليه وسلم] في سنته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ، بل يؤمنون بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع العليم والبصير .
وأما النفي فهم ينفون عن الله تعالى ما نفاه عن نفسه في كتابه وما نفاه عنه نبيه [صلى الله عليه وسلم] في سنته مع إثبات كمال الضد كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - .
وأما فيما لم يرد فيه دليل بخصوصه فإنهم لا يثبتون لفظه ولا ينفونه ويستفصلون في معناه ، فإن أريد به الحق قبلوه وإن أريد به الباطل ردوه ، وسيأتي بيان ذلك بعد قليل - إن شاء الله تعالى - ، فهذا هو مجمل اعتقادهم [رضي الله عنهم] في الصفات ، والله أعلم .
س183: ما معنى قول أهل السنة : ( من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ) ؟ وضح ذلك بالتقسيم والتمثيل ج183: هذه المصطلحات الأربعة مهمة جدًا في سياق مذهب أهل السنة في الأسماء والصفات ، ودونك شرحها :
الأول :
التحريف ، وهو لغة : التغيير . واصطلاحًا : تغيير النص لفظًا أو دلالة . ونعني بالدلالة المعنى ، وبه يتضح أن التحريف قسمان : تحريف للفظ النص بأن يزاد فيه أو ينقص منه أو تغير حركته ، وقد يتغير معه المعنى وقد لا يتغير ، وتحريف لمعنى النص ، وهو تحريف دلالة النص ، بأن يبقى اللفظ على ما هو عليه ، ولكن تسلب دلالته الصحيحة ويقحم فيه معنى لا يدل عليه ، ودونك الأمثلة :
مثال تحريف اللفظ الذي تغير معه المعنى ، تحريف اليهود لقوله تعالى : ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾[البقرة:58] أي حط عنا ذنوبنا ، فحرفوه وقالوا : ( حنطة ) فزادوا هذه النون ، فهذه النون حرفت النص لفظًا ومعنى ، ويسميها العلماء نون اليهود .
ومثال آخر : تحريف الجهمية لقوله تعالى : ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الأعراف:54] فحرفوه إلى قولهم : ( استولى ) فزادوا فيه اللام ، وبها يكون قد تغير النص لفظًا ومعنى ، ويسميها العلماء لام الجهمية ، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم

نون اليهود ولام جهمي هما    في وحي العرش زائدتان

ومثال آخر : في قوله تعالى : ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾[النساء:164] فحرفه بعضهم بنصب لفظ الجلالة الاسم الأحسن ، وذلك لنفي صفة الكلام عن الله تعالى ، ولما جاء بعضهم إلى أبي عمرو بن العلاء المقرئ المعروف واقترح عليه قراءة هذه الآية كذلك أي بنصب لفظ الجلالة قال له : هب أنني وافقتك فيكف تفعل بقوله تعالى : ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾[الأعراف:143] فسقط في يديه وبهت ذلكم المعتزلي .
وأما مثال تحريف اللفظ الذي لم يتغير معه المعنى ، فكنصب لفظ ( الحمد ) في قوله تعالى : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة:1] .
وأما مثال تعريف المعنى ، فكتحريف الأشاعرة والمعتزلة والجهمية لصفات الله تعالى ، مثل قولهم : المراد باليدين النعمة أو القدرة والمراد بالنـزول إلى السماء الدنيا نزول الملك أو الأمراء أو الرحمة ، ونحو ذلك كما سيأتي مفصلاً - إن شاء الله تعالى - .
والتحريف حرام وقد يصل بصاحبه في بعض صوره إلى الكفر .
الثاني :
التعطيل ، وهو لغة : الإخلاء والتفريغ ومنه قوله تعالى : ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾[الحج:45] أي لا وراد لها لحلول العذاب بأهلها ، ومنه قول العرب :
« جيـد معطـل » أي خلي من الحلي .
واصطلاحًا : إخلاء الله تعالى عن أسمائه وصفاته إخلاءً كليًا أو جزئيًا ، وبه يتضح أن التعطيل قسمان أيضًا : تعطيل كلي ، كتعطيل الجهمية أتباع الجهم ابن صفوان الترمذي فإنهم عطلوا الله - تعالى- عن أسمائه وصفاته كلها . وتعطيل جزئي ، كتعطيل المعتزلة أتباع واصل بن عطاء والأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري ، فإن المعتزلة عطلوا الله - تعالى- عن كل صفاته فقط ، وأما الأشاعرة فعطلوه عن ما سوى الصفات السبع ، وقد أثبت الفريقان - أي المعتزلة والأشاعرة - الأسماء وزادت الأشاعرة بإثبات الصفات السبع .
والتعطيل حرام وقد يصل بصاحبه في بعض صوره إلى الكفر .
الثالث :
التكييف ، وهو حكاية كيفية الصفة أي أن يقال : كيفية يد الله كذا وكذا ، وكيفية وجه الله كذا وكذا ، وهو حرام وقد يصل بصاحبه في بعض صوره إلى الكفر .
الرابع : التمثيل ، وهو إثبات مماثل ، كأن يقال : يد الله مثل أيدينا أ وجه الله مثل وجوهنا ، وهو حرام وقد يصل بصاحبه إلى الكفر .
فهذا هو معنى هذه المصطلحات الأربعة .
وخلاصة الكلام أن يقال :
إن إثبات أهل السنة للصفات والأسماء لا تمثيل ولا تكييف فيه وتنزيههم لا تعطيل ولا تحريف فيه ، فإثباتهم ونفيهم بريء من هذه الآفات الأربع ، والله أعلم .
س184: ما الفرق بين التكييف والتمثيل ؟
ج184:
أقول : التكييف والتمثيل بينهما عموم وخصوص من وجه ، فكل تمثيل فهو تكييف ، وليس كل تكييف تمثيلاً
.
أي أنك إذا حكيت كيفية صفةٍ من صفات الله تعالى - أعاذنا الله من ذلك - فلا يخلوا إما أن تقرنها بشيء مشاهد محسوس ، فهذا هو التكييف والتمثيل ، تكييف لأنك تحكي الكيفية وتمثيل لأنك قرنتها بمماثل ، وأما إذا حكيت الكيفية ولم تقرنها بمماثل مشاهد معروف لنا فإن هذا تكييف فقط ، فصح بذلك قولنا : كل تمثيل فهو تكييف ، وليس كل تكييف تمثيلاً .
وإن شئت الاختصار فقل : التكييف : حكاية كيفية الصفة من غير قرنٍ بمماثل ، والتمثيل : حكاية كيفية الصفة مع قرنها بمماثل ، والله يتولانا وإياك .
س185: هل الأفضل أن نقول : ( من غير تمثيل ) أم نقول : ( من غير تشبيه ) ؟ ولماذا ؟
ج185:
بل الأفضل هو أن نقول : ( من غير تمثيل ) وذلك لأمرين :

الأول : أن هذا هو المتوافق مع لفظ القرآن ، فإن الله تعالى قال : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾[الشورى:11] ، وقد تقرر أن متابعة ألفاظ النصوص في أبواب الاعتقاد وأخص منه في باب الأسماء والصفات أسلم وأبعد عن الاختلاف والتناقض وهو من كمال المتابعة .
الثاني : أن نفي التشبيه لا يخلو إما أن يراد به نفي التشبيه المطلق فهذا لم يقل به أحد من بني آدم ، وإما أن يكون نفي مطلق التشبيه وهذا ممتنع إذ ما من شيئين موجودين إلا وبينهما نوع اشتباه ، وذلك في الاسم المطلق عن الإضافة ونعني به مسمى الوجود ن ونفي هذا القدر حقيقته نفي الصفة ، فصار الأسلم هو التعبير بما جاء في القرآن ، والله تعالى أعلى وأعلم .
س186: ما معنى قول أهل السنة في النفي : ( مع إثبات كمال الضد ) ؟
ج186:
معناه أن تعرف أن أهل السنة - رحمهم الله تعالى - لهم في النفي نقطتان :
الأولى : أنهم ينفون هذه الصفة المنفية كصفة الظلم مثلاً .
الثانية : أنهم لا يقفون عند هذا النفي فقط ، بل يعتقدون أن الله تعالى لم ينف عنه هذه الصفة إلا لأنه متصف بكمال ضدها ، فنفى عن نفسه الظلم لكمال عدله ، ونفى عن نفسه الصاحبة والولد لكمال غناه عن كل أحد ، ونفى عن نفسه السنة والنوم لكمال حياته وقيوميته ، ونفى عن نفسه العجز واللغوب لكمال قوته وقدرته ، ونفى عن نفسه أن يحاط به علمًا ورؤية لكمال عظمته وكبره وجلاله وعزته جل وعلا .
فهذا معنى قول أهل السنة : ( مع إثبات كمال الضد ) ، أي كمال ضد الصفة المنفية ، فالظلم ضده العدل ، فانف الظلم وصِفْهُ بكمال العدل ، والعجز ضده القدرة ، فانف العجز وصِفْهُ بكمال القدرة ، وهكذا والله أعلم .
س187: ما الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات ؟ مع توضيح وسطية أهل السنة في هذا الباب .
ج187: الفرق التي خالفت أهل السنة - رحمهم الله تعالى - في هذا الباب فرقتان :
الممثلة والمعطلة
فأما الممثلة فقالوا : نحن نثبت لله الأسماء والصفات ، وهذا حق وصدق ولا ريب فيه ، ويا ليتهم وقفوا عند ذلك ، لكن أفسدوه بقولهم : على وجهٍ يماثل صفات المخلوقات المحدثات ، أي هم يقولون : إثباتنا بتمثيل .
وأما المعطلة فقالوا : نحن ننزه الله تعالى عن مماثلة المخلوقات المحدثات ، وهذا حق وصدق لا ريب فيه ، ويا ليتهم وقفوا عند ذلك ، ولكن أفسدوه بقولهم : تنزيهًا ننفي معه الأسماء والصفات ، بتفاوتٍ بينهم في هذا النفي ، أي هم يقولون : تنزيهنا بتعطيل .
فأنت ترى أن الممثلة قد غلوا في جانب الإثبات حتى مثلوا وفرطوا في جانب التنزيه ، والمعطلة غلوا في جانب التنزيه حتى عطلوا وفرطوا في جانب الإثبات ، وأما أهل السنة الموفقون المهديون أهل الحديث والأثر فلا غلو عندهم ولا تفريط ، بل هي الوسطية التي هي عادتهم في كل أبواب الاعتقاد ، وإذا أردت أن تعرف وسطيتهم .
فانظر إلى الحق الذي مع كلا الطائفتين فإنه خلاصة منهج السلف في هذا الباب ، فالحق الذي مع الممثلة هو إثبات الأسماء والصفات ، والحق الذي مع المعطلة هو تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات ، وهذا هو مذهبنا إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل .
فقولهم : إثبات بلا تمثيل رد على الممثلة لأن إثباتهم بتمثيل ، وقولهم : تنزيه بلا تعطيل رد على المعطلة لأن تنزيههم بتعطيل ، وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، رد على أهل التمثيل ، وقوله : ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾[الشورى:11] رد على أهل التعطيل ، فالممثلة أخذوا بالأدلة المثبتة للأسماء والصفات وتركوا الأدلة التي تنفي مماثلة الله تعالى للمخلوقات ، والمعطلة عكسوا الأمر فأخذوا بالأدلة التي تنفي مماثلة الله تعالى للمخلوقات وتركوا الأدلة التي فيها إثبات الأسماء والصفات ، فكلا الفريقين قد أخذ بطرفٍ من الأدلة وترك الآخر ، وأما أهل السنة - رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى - فإنهم أخذوا بكل الأدلة ، وهذا هو حقيقة الوسطية ، والله أعلى وأعلم .
س188: ما السبب في ضلال هاتين الفرقتين حتى نحذر الوقوع فيه ؟
ج188:
أقول : هذا سؤال جيد ، وبيانه أن يقال :

اعلم - رحمك الله تعالى - أن الممثل والمعطل كانوا في بداية الأمر أخوين متحابين متآلفين متوافقين كل الموافقة، هذان الأخوان قد أصلوا أصلاً وقعدوا قاعدة ورثوها من آبائهم فلاسفة اليونان ، وفلاسفة اليونان قد أخذوها هدية من أبيهم إبليس - لعنه الله تعالى - ، ونص هذه القاعدة يقول: ( الاتفاق في الأسماء يلزم منه الاتفاق في الصفات )، أي أن كل شيئين اتفقا في اسمهما فلابد لزامًا أن يتفقا في صفاتهما ، إلى هنا وهما - أي المعطل والممثل أخوان - .
ومن المعلوم أن الله تعالى قد سمى صفاته بأسماء كأسماء صفاتنا، فلما ظهرت نتيجة هذه القاعدة، افترقوا واختلفوا لأن الممثل رضي بهذه النتيجة فوقع في التمثيل، والمعطل أباها وحاص ولاص لأنه لا يستطيع أن يغيرها أو يزيد فيها أو ينقص، فلم يجد مساغًا إلا تعطيل الله تعالى عن أسمائه وصفاته فرارًا من محذور التمثيل .
فسبب تمثيل الممثلة هو قولهم : الاتفاق في الأسماء يستلزم الاتفاق في الصفات ، وسبب تعطيل المعطلة هو الفرار من نتيجة هذه القاعدة ، فهي معتمدة عندهم ولم يتجرءوا على مساسها بشيء ، لكنهم قدروا على تحريف كلام الله ورسوله [صلى الله عليه وسلم] ليتوافق مع هذه القاعدة ، فهذه القاعدة هي سبب ضلالهم ، فاستعذ بالله من سبيلهم وتمسك بحبل الله ، واتبع الهدى والتزم بالمنهج السليم والصراط المستقيم ، والله أعلم .
س189: ما صواب هذه القاعدة عند أهل السنة ؟ وكيف أجابوا - رحمهم الله تعالى - عن قاعدة المبتدعة التي قدمتها قبل قليل ؟
ج189: أهل السنة - رحمهم الله تعالى - صححوا هذه القاعدة بزيادة حرف فيها ، وبه يكون المعنى صحيحًا سليمًا متوافقًا مع الكتاب والسنة وهو حرف ( لا ) فصار نص القاعدة هكذا : ﴿ الاتفاق في الأسماء لا يستلزم الاتفاق في الصفات ﴾ ، فانظر كيف تغير المعنى من البطلان إلى الصحة ومن الخطأ إلى الرشاد ، بزيادة هذا الحرف ، فالقاعدة بدون هذا الحرف باطلة كل البطلان ، وهي بهذا الحرف صحيحة كل الصحة ، وقد شرحتها في كتابي (القواعد المذاعة).
وأما جواب أهل السنة - رحمهم الله تعالى - على ما أصله الممثلة والمعطلة فقد أجابوا بأن قاعدتهم التي أصلوها مناقضة للمنقول والمعقول والمحسوس .
فأما مناقضتها للمنقول : فلأن الله تعالى في الكتاب يسمي نفسه بأسماء ويصف نفسه بصفات ويسمي بعض عباده بهذه الأسماء ويصفهم بهذه الصفات ، ومن المعلوم أنه ليس المسمى كالمسمى وليس الموصوف كالموصوف ، فقال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾[النساء:58] ، وقال : ﴿ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾[الإنسان:2] ، وليس السميع كالسميع ، ولا البصير كالبصير .
وقال تعالى عن نفسه : ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾[التوبة:117] ، وقال عن نبيه [صلى الله عليه وسلم] : ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾[التوبة:128] ، وليس الرءوف كالرءوف ولا الرحيم كالرحيم .
وقال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾[الذاريات:58] ، وقال تعالى عن قوم ملكة سبأ : ﴿ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾[النمل:33] ، وليست القوة كالقوة .
وقال تعالى : ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾[آل عمران:2] ، وقال تعالى : ﴿ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾[مريم:33] وليس الحي كالحي ولا الحياة كالحياة .
والآيات في ذلك كثيرة جدًا ، قد ذكر الكثير منها أبو العباس في التدمرية، فهذا وجه .
ووجه آخر وهو أن الله تعالى أثبت لنفسه الأسماء والصفات، بل هي أكثر ما في القرآن، ومع ذلك قال : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، وقال : ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾[الإخلاص:4] ، وقال : ﴿ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾[مريم:65] ، وقال : ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ﴾[النحل:74] ، وقال : ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾[البقرة:22] ، فبان بذلك أن هذه الأسماء والصفات التي ذكرها عن نفسه ليست كالمعهود لنا في صفاتنا وقاعدتهم الملعونة تقضي أنها كالمعهود لنا في صفاتنا ، فصارت مناقضة للقرآن وما ناقض القرآن أو خالفه فهو باطل .
وأما مخالفتها ومناقضتها للمعقـول : فلأنه قد تقرر في العقول السليمة أن الصفة تختلف باختلاف من أضيفت إليه ، فيد زيد ليست كيد خالد لأنه اختلف المضاف إليها ، فاليد الأولى أضيفت إلى زيد واليد الثانية أضيفت إلى خالد ، ولا يمكن في المعقول أبدًا أن تختلف الإضافة وتتحد الصفة من كل وجهٍ ، إذا علمت هذا فاعلم أن الصفات التي يذكرها الله في القرآن لا يذكرها مطلقة ، بل يذكرها مضافة إليه جل وعلا ، كقوله : ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾[الرحمن:27] ، وقوله : ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾[المائدة:64] ، وقوله : ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾[طه:39] ، وقوله : ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾[الأعراف:156] ، وغير ذلك .
ويقال أيضًا : وجه زيد ، ويد زيد ، وعين زيد ، ورحمة زيد ، فاختلفت الإضافتان هنا ، فالوجه واليد والعين والرحمة في الآيات قد أضيفت إلى الله تعالى ، فتكون لائقة بذاته الكاملة من كل وجه ، وفي الأمثلة قد أضيفت إلى زيد وهو مخلوق فتكون مناسبة لحاله وبه يتقرر عقلاً أن المعاني والأوصاف تختلف باختلاف من أضيفت إليه ، فإن أضيفت إلى الخالق صارت لائقة به جل وعلا ، وإن أضيفت إلى المخلوق صارت مناسبة لذاته .
وأما مخالفتها للحس : فإننا نجد فيما نشاهده أن هناك أشياء قد اتفقت في أسمائها واختلفت في صفاتها ، فنحن نرى أن للفيل يدًا ، للذباب يد ، ولا توافق بينها في شيء من الصفات ، وللجمل وجه وللبعوضة وجه ، ولا توافق بينها في شيء من الصفات ، بل نحن نشاهد أن للقرد وجهًا وللمثل وجهًا فهل هذا الاتفاق في الاسم يلزم منه الاتفاق في الصفات ؟ بالطبع لا ، وأظنهم لا يخالفون في هذا على وجه الخصوص ، فإذا كان هذا الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الصفة فيما بين المخلوقات ، أفيكون ذلك لازمًا فيما بين الخالق الكامل من كل الوجوه والمخلوق الناقض في ذاته وصفاته وأفعاله ؟ أين العقول ؟ ما الذي دهى هؤلاء القوم ؟ أفيزعمون بعد ذلك أنهم أهل الحذلقة والفذلكة ، بل والله الذي لا إله إلا هو إنهم قد بلغوا في الغباء درجته العليا ، فتبًا لهم ثم تبًا لهم .
فهذا هو جواب أهل السنة على ما أصله حمقى الكلام في باب الأسماء والصفات .
س190: هل لك أن تزيدنا أمثلة على أن الاتفاق في الأسماء لا يستلزم الاتفاق في الصفات ؟
ج190:
نعم
، وعلى العين والرأس ، وإني لا أجد مثالاً أحسن ولا أقرب إلى الفهم من المثالين اللذين ضربهما أبو العباس شيخ الإسلام رفع الله نزله وأعلى مناره وجمعنا به وبسائر المسلمين في جناتٍ ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فإنه قد ضرب في كتابه التدمرية مثالين يوضح بهما أن الاتفاق في الأسماء لا يستلزم أبدًا الاتفاق في الصفات ، وهما كما يلي :
المثال الأول : نعيم الجنة ، فإن الله تعالى لما ذكر نعيم الجنة سماه بأسماء توافق أسماء ما عندنا من النعيم في الدنيا ، فذكر أن في الجنة نخلاً ورمانًا وفاكهة ونساءً وأنهارًا وعسلاً ولبنًا وخمرًا وآنية وكؤوسًا وماءً وظلاً وفرشًا وحريرًا وثيابًا وذهبًا وفضة وزنجبيلاً وخيامًا وكافورًا وعيونًا وغير ذلك من أصناف النعيم ، وإذا نظرت إلى هذه الأسماء وجدتها بعينها أسماء النعيم عندنا في الدنيا ، لكن هذا الاتفاق في الاسم لا يستلزم أبدًا الاتفاق في المسمى ، كما قال تعالى في الحديث القدسي : ﴿ أعددت لعبادي الصالحون ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴾ ، وقال قبل ذلك في القرآن : ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[السجدة:17] .
وقال ابن عباس [رضي الله عنه] : ﴿ ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء ﴾ .
وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها أنها من نعيم الجنة هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة عندنا من نعيم الدنيا ، وليست مماثلة لها بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق ، وهذا مثال واضح - إن شاء الله تعالى - ، والله أعلم .
المثال الثاني : الروح التي بين جنيك ، فإن الأدلة قد وصفتها بصفات معلومة عندنا ، فوصفت بأنها تقبض وتطرح وتكفن ويصعد بها وتنزل وتذهب وتجيء ونحو ذلك من الصفات ، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها ، ولذلك اضطربت أقوال الناس فيها ، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من الأسماء والصفات ، والله أعلم .
س191: ما العلاقة بين الممثل والمعطل ؟
ج191:
العلاقة بينهما علاقة تضامن وتلازم وبيانها أن يقال : إن الممثل لابد أن يكون معطلاً ، والمعطل لابد أن يكون ممثلاً ، فكل ممثل معطل وكل معطل ممثل .

فأما تمثيل المعطل فمن وجوه :
أحدها : أنه لم يصل إلى درجة التعطيل إلا بعد أن صعد درجة التمثيل ، فمثلاً أولاً وعطل ثانيًا ، وذلك لأنه قد قام في ذهنه أنه لو أثبت لله الصفات لاستلزم ذلك مماثلة الله بالمخلوقات ، فقال : لابد إذًا من تعطيل الله عن صفاته فرارًا من الوقوع في التمثيل ، فالتمثيل هو السبب الذي أوقعه في التعطيل .
الثاني : أنه لما عطل الله عن أسمائه وصفاته فإنه يكون بذلك قد شبه الله بالمعدومات التي لا توصف بوصف ، بل إن لازم مذهب غلاة الغلاة من الجهمية الذين يسلبون عن الله النقيضين وصف الله تعالى بالممتنعات ، فالمعطل ممثل من هذين الوجهين .
وأما تعطيل الممثل فمن وجوه :
الأول : أنه عطل النص الذي يثبت هذه الصفة التي مثلها بصفة خلقه ، فقد عطل النص الخاص ، فعطل النصوص المثبتة بصفة الوجه عن كمالها الواجب وما يراد بها وعطل نصوص إثبات اليد والتي تثبت العين والتي تثبت الاستواء والتي تثبت النزول الغضب والرحمة والرضى ونحو ذلك ، لأنه يعتقد في كل نصٍ منها مماثلة الله بخلقه وهذه النصوص لا يراد بها ذلك فيكون بهذا الاعتقاد الفاسد قد عطلها عن المراد الصحيح لها .
الثاني : أنه عطل النصوص العامة التي تنفي المماثلة بين الخالق والمخلوق ، كقوله تعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ هل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ﴾ ، وقوله : ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ ، وغير ذلك لأنها تنفي المماثلة وهو يعتقد المماثلة فيكون قد عطلها عن معناها الصحيح، فالويل له ثم الويل له ؛ لأنه جنى على دلالة النصوص الخاصة والنصوص العامة ، والله أعلم .
الثالث : أنه باعتقاده مماثلة الله لخلقه يكون بذلك قد عطل الله عن كماله الواجب له جل وعلا ؛ لأن تمثيل الكامل بالنقاض ينقص الكامل ، والواجب أن يوصف الله تعالى بالكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله ، وإذا اعتقد أن صفاته جل وعلا كصفات خلقه فيكون بذلك قد عطل عن هذا الكمال الواجب .
فهذا وجه العلاقة بين الممثل والمعطل ، والله يحفظنا وإياك من الأهواء المضلة والمذاهب المخالفة للكتاب والسنة ، والله أعلم .
س192: على أي وجهٍ يثبت أهل السنة الصفات ؟ وعلى أي وجه ينفون ؟ مع بيان ذلك بالدليل والتعلل .
ج192:
أقول :
جواب هذا السؤال هو أن تحفظ هذه القاعدة العظيمة المهمة والتي تقول : أهل السنة والجماعة يثبتون لله الصفات على وجه التفصيل وينفون عنه صفات النقص على وجه الإجمال ، وهذه القاعدة أغلبية أكثرية لا كلية ، فإذا جاء أهل السنة - رحمهم الله تعالى - يثبتون لله صفات الكمال فإنهم يسلكون فيها مسلك التفصيل وإذا جاءوا ينفون عنه صفات النقص فإنهم يسلكون فيها مسلك الإجمال ، وهذه الطريقة هي الأسلم والأعلم والأحكم ، وذلك لأنها هي طريقة القرآن والسنة فإن القرآن فصل في الإثبات وأجمل في النفي والأمثلة على ذلك كثيرة ، كقوله تعالى : ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ... ﴾ الآية[الحشر:23] ، وقد ختم كثير من الآيات باسمين أو أكثر من أسمائه جل وعلا ، وأما في النفي فإن القرآن يجمل كقوله تعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، وقوله : ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ ، وقوله : ﴿ هل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ ، وقوله : ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ﴾ ، وغير ذلك ، ومنهج السلف في ذلك يمثل صورة من صور موافقتهم للكتاب والسنة .
ويقال أيضًا : إن هذا القرآن نزل باللسان العربي المبين حاملاً أساليب اللغة العربية في إطلاقها وتقييدها وإسهابها واختصارها وعمومها وخصوصها وإجمالها وتبيينها ، ومن أساليب العرب أنهم إذا أبلغوا في مدحة أحدٍ من الملوك والعظماء فصلوا في الإثبات فيثبتون له من صفات الكمال على وجه التفصيل ما استطاعوا ، ويجملون في نفي النقص عنه وهذا أبلغ في المدح والحمد والثناء والتعظيم ، والله أحق بذلك لأنه ملك الملوك وخالق الخلائق والأمر كله بيده ، ورب كل شيء وإلهه ومدبر أموره ، فمنهج أهل السنة في ذلك جارٍ على سنن سلوك الأدب مع الله تعالى ومتوافق كل الموافقة مع المتقرر في لغة العرب .
ويقال أيضًا : إن هذه الطريقة هي طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ، فلاشك في سلامتها وصحتها ، ونحن عليها سائرون وللسلف مقتفون إلى الممات - إن شاء الله تعالى - ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ونعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن ، والله أعلم .
س193: هل لك أن توضح لنا قولك في سياق مذهب أهل السنة في النقطة الثالثة حيث قلت : ( مذهبهم فيما لم يرد فيه دليل بخصوصه ) ، فهل وضحت لنا ذلك مع بيان كلامك بالأمثلة ؟
ج193:
أقول : نعم ، هذا لا منة لي فيه أبدًا ، بل المنة كلها أولها وآخرها لله جل وعلا ، ثم لأهل العلم - رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى - .
فأقول : إن هناك بعض العبارات والألفاظ التي تكلم بها المبتدعة على مختلف فرقهم وجعلوها ديدنهم ، بل وحرفوا كثيرًا من نصوص الصفات من أجل الفرار منها ، مع أننا لا نجد لها ذكرًا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام السلف - رحمهم الله تعالى - فمع كثرة تلفظ المبتدعة بها وإلزامهم لأهل السنة بلوازمها ، ومع خوف أهل السنة بلوازمها ، ومع خوف أهل السنة من انسياق العوام وراء هذه الألفاظ حرصوا - رحمهم الله تعالى - أن يبرزوا مذهبهم فيها ، فقالوا : ما لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيه ولا إثباته من الصفات ، فلنا فيه نظران : نظر من ناحية لفظه ، ونظر من ناحية معناه .
فأما لفظه : فإننا نتوقف فيه فلا نثبته ولا ننفيه ولا نتكلم به أبدًا في إثبات ولا نفي لأنه لم يرد في القرآن ولا في السنة ولا على لسان السلف - رحمهم الله تعالى - ، وأما معناه فإننا نستفصل فيه لأن هذه الألفاظ مجملة تحتمل الحق والباطل فلا يقبل معناها مطلقًا ، فيؤدي ذلك إلى قبول ما فيها من الباطل ، ولا ترد معانيها مطلقًا فيؤدي ذلك إلى رد ما فيها من الحق ، ولكن الأسلم في ذلك أن نستفصل فيها حتى يتميز حقها من باطلها فيقبل الحق ويرد الباطل ، وعلى ذلك بعض الأمثلة :
المثال الأول : الجهة ، فإن هذا اللفظ بعينه لم يرد ذكره في القرآن ولا في السنة ولا في كلام السلف ، فلنا فيه نظران : أما لفظه فلا نتكلم به ، بل نتوقف فلا نثبته ولا ننفيه . وأما معناه فنستفصل فيه ونقول : هل تريد بالجهة جهة سفل ، فإن كنت تريد هذا فهو مردود عليك ؛ لأن الله تعالى لا يحيط به شيء ، أم تريد جهة علو غير محيطة به جل وعلا ، فإن كنت تريد هذا المعنى الأخير فهو حق وصدق وقد توافرت الدلائل المتواترة لفظًا ومعنى على إثباته كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - ، لكن هذا المعنى الأخير لا نسميه جهة وإنما نقول : الله في العلو المطلق .
المثال الثاني : المكان ، فإن هذا اللفظ لم يرد ذكره بعينه لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة والتابعين ، فلنا فيه نظران : أما من ناحية لفظه فلا نتكلم به ، بل نتوقف فيه فلا نثبته ولا ننفيه ، أي لا نقول : الله في مكان ، ولا نقول : الله ليس في مكان . وأما معناه فنستفصل فيه ونقول : هل تقصد بالمكان مكان سفل ؟ فإن كنت تقصد هذا فهو ممتنع على الله تعالى ؛ لأن السفل نقص ، والله منزه عن النقص ، أم تقصد مكان علو محيط بالله جل وعلا ؟ فإن كنت تقصد هذا فهو أيضًا باطل وممتنع عليه جل وعلا ؛ لأنه لا يحيط به شيء عز وجل ، أم تريد مكان علوٍ لائق به جل وعلا غير محيط به ؟ فإن كنت تريد هذا فهو حق وصدق ، ولكن لا نطلق عليه اسم المكان ، وإنما نقول : الرحمن على العرش استوى ، وقل بقول أهل السنة : الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته .
المثال الثالث : الحيز ، لفظ تكلم به المبتدعة وامتحنوا عباد الله به وحرفوا نصوص الكتاب والسنة من أجله ، فقال أهل السنة : إن هذا اللفظ لفظ محدث لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة والسلف الصالح ، فلنا فيه نظران : أما لفظه فلا نتكلم فيه ، بل نتوقف فيه فلا نثبته ولا ننفيه ، فلا نقول : الله في حيز ولا نقول الله ليس في حيز ، وأما معناه فنستفصل فيه ونقول : هل تريد بالحيز أي الذي يحوز الأشياء أو تحوزه الأشياء ، أي يدخل فيها وتدخل فيه ؟ فإن كنت تريد هذا فهو معنى باطل كل البطلان ، وهو مذهب أهل الحلول والاتحاد الكفرة الفجرة ، أم تريد بالحيز أي المنحاز وهو المنفصل البائن ، أي أن الله منحاز عن المخلوقات بمعنى أنه منفصل عنها بائن منها ليس فيها شيء من ذاته وليس فيه شيء منها ؟ فإن كنت تريد هذا المعنى فهو حق وصدق لا ريب فيه ، وهو الواجب اعتقاده ، ولكن لا نطلق عليه اسم ( الحيز )، لأنه لفظ مجمل وإنما نقول : الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه ليس فيه شيء منهم وليس فيهم شيء منه .
المثال الرابع : الجسم ، احذر كل الحذر من أن تقول : الله جسم ، أو تقول : الله ليس بجسم ، فلا تثبت اللفظ ولا تنفيه ؛ لأنه لفظ لم يرد إثباته ولا نفيه في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة وتابعيهم وأئمة السلف ، ولا تتكلم به وأعرض عنه ، وأما معناه فنستفصل فيه ونقول : هل تريد بالجسم ما هو معهود في حقنا من كونه أجزاءً وأبعاضًا يفتقر بعضها إلى بعض ؟ فإن كنت تريد فإن هذا نقص ، والله منزه عن النقص ، بل هو عين مذهب أهل التمثيل ، فهذا معنى باطل كل البطلان لأنه مفضٍ إلى تمثيل الله بخلقه ومفضٍ إلى تعطيله عما يجب له من الكمال ، أم تريد بالجسم الذات الكاملة من كل وجه المتصفة بصفات الجلال والكمال والجمال على ما يليق به جل وعلا ؟ فإن كنت تريد ذلك فهذا معنى حق لاشك فيه ولا ريب ، بل هذا من مقتضيات الإيمان بالله تعالى ، ولكن لا نطلق على ذلك لفظ ( الجسم ) وإنما نقول : لله ذات وصفات ، هكذا قال أهل السنة .
فهذه الأمثلة الأربعة توضح قولنا : ﴿ ما لم يرد فيه دليل بخصوصه فلا نثبت لفظه ولا ننفيه ونستفصل في معناه ، فإن أريد به الحق قبلناه وإن أريد به الباطل رددناه ﴾ ولعل الكلام قد اتضح - إن شاء الله تعالى - ، والله أعلم .
س194: ما منهج أهل السنة في معاني الصفات وكيفياتها ؟ ولماذا ؟
ج194:
أقول :
اعلم - رحمك الله تعالى - أن نصوص الصفات لنا فيها نظران : نظر من ناحية معانيها ، ونظر من ناحية كيفياتها .
فأما باعتبار معانيها : فإننا نعلم معانيها ولا نجهلها ، ومن نسب أهل السنة إلى الجهل بالمعنى فقد غلط غلطًا عظيمًا عليهم بل الجهل بمعانيها هو مذهب المفوضة أهل التجهيل الذين قال عنهم أبو العباس
«إن قولهم من شر أقوال أهل البدع»ا.هـ
وأما أهل السنة - رحمهم الله تعالى - فإنهم يعلمون معاني نصوص الصفات وذلك لأن هذه النصوص نزلت باللسان العربي المبين كما جاء ذلك في آيات كثيرة فكان الواجب حمل معاني هذه الألفاظ على المتقرر عندنا في هذا اللسان العرب ، ولأن الله تعالى أمرنا بتدبر كتابه وغالبه آيات الصفات ، فكيف يأمرنا بتدبر ما لا يفقه معناه ؟ فلما أمرنا بتدبر ذلك علمنا جزمًا أنه مما يمكن تدبره وتفهمه وتعقله ، وهذا يقضي علينا أن نحمل معاني نصوص الصفات على ما تقرر من المعاني في لساننا العربي ، ولذلك قال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي [صلى الله عليه وسلم] عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قال : ﴿ فتعلمنا العلم والعمل جميعًا ﴾ .
وقال ابن عباس :
« تفسير القرآن على أربعة وجوه : تفسير تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل فمن ادعى علمه فهو كاذب » ا.هـ .
وقال مجاهد :
« عرضت المصحف على ابن عباس - رضي الله عنهما - من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها » .
فكيف يقال بعد ذلك أن السلف لم يكونوا يفقهون معاني النصوص وأنهم بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني ، ألا فشاهت وجوه المبتدعة وخابوا وخسروا .
وبه يتضح أن السلف يعلمون معاني الصفات ، فيقولون مثلاً : الوجه معناه ما تحصل به المواجهة ، والسمع إدراك المسموعات ، والبصر رؤية الأشياء ، والنزول الانحطاط والتدلي من أعلى إلى أسفل ، والاستواء المعدى بـ ( على ) معناه العلو والاستقرار ، فهذا من ناحية المعنى اللغوي لا إشكال فيه ، بل معناه في غاية الوضوح والبيان .
وأما باعتبار كيفياتها : فهي التي لا نعلمها ولا سبيل لنا إلى علمها ، وذلك لانعدام طرق العلم بالكيفية ، فإن كيفية الشيء لا تعلم إلا برؤيته نفسه ، أو برؤية مماثل له ، أو بإخبار الصادق عن هذه الكيفية ، وكلها منعدمة في حق كيفية صفات الله تعالى ، فإننا لم نره ولن نراه في هذه الدنيا ، ونسأله جل وعلا أن لا يحرمنا رؤيته في الآخرة ، وليس له نظير أو مثيل حتى يستدل به عليه ، ولم يخبرنا [صلى الله عليه وسلم] عن كيفية شيء من صفاته وإنما أخبرنا بالصفة فقط ولم يخبرنا عن كيفية الصفة ، فالواجب هو الوقوف حيث وقف النص لا نتعدى القرآن والحديث ، وإذا أردت أن تحفظ القاعدة في ذلك فهذا نصها :
« أهل السنة والجماعة يعلمون معاني الصفات ويجهلون كيفياتها » ، والله أعلم .
فتقول مثلاً : أنا أعلم معنى الوجه وأجهل كيفيته ، وأعلم معنى الاستواء ولكن أجهل كيفيته ، وأعلم معنى اليد وأجهل كيفيتها ، وأعلم معنى النزول وأجهل كيفيته ، وأعلم معنى القدم والرجل والساق وأجهل كيفيتها ، وهكذا والله أعلم .
س195: كيف الجواب عمن يحتج على أهل السنة بمعرفة المعنى بقول الإمام أحمد :
« نؤمن بآيات الصفات لا كيف ولا معنى » ، فكيف ينفي المعنى وأنت تقول : ( أهل السنة يعلمون المعنى ) ؟
ج195:
لا إشكال في ذلك ولله الحمد والمنة ، فإن هذا القول الصادر من هذا الإمام لابد من فهمه وإنزاله منزلته وقرنه بأقواله الأخرى .
فأما قوله :
« لا كيف » فهذا لا إشكال فيه ولم يسبق الكلام من أجله أصلاً .
وأما قوله :
« ولا معنى » فإن هذا المعنى المنفي في كلام هذا الإمام العلم العلامة إمام أهل السنة والجماعة ليس هو المعنى الصحيح الذي يقتضيه لسان العرب وما يتبادر إلى الفهم السليم من المعاني اللائقة به جل وعلا ، كلا وألف كلا ، وإنما يريد نفي المعاني التي ابتكرتها الجهمية النفاة وزعمت أنها معاني نصوص الصفات ، فكلام هذا الإمام معول هدم لمذاهب الجهمية ؛ لأنه نسف لجميع ما يدعونه من المعاني الباطلة التي يقحمونها في النصوص ويزعمون أنها المرادة منها ، فجاء هذا الإمام ونفى هذه المعاني الباطلة ، ولم يتعرض لنفي المعنى الصحيح الذي يفهمه أهل العقول السليمة والفطرة المستقيمة ، كيف وهذا الإمام ممن اشتهر عنه تقرير معرفة السلف لمعاني نصوص الصفات ؟ فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه عالي الجنان هو وسائر علماء أهل السنة .. آمين ، والله أعلم .
س196: ما منهج أهل السنة والجماعة في الصفات التي هي كمال باعتبار ونقص باعتبار ؟ مع توضيح ذلك بالأمثلة ؟
ج196:
مذهبهم في ذلك هو إثبات هذه الصفات لله تعالى في حال كونها كمالاً ، ونفيها عنه جل وعلا في حال كونها نقصًا ، وذلك لأنه يعتريها نقص وكمال ، فلا تثبت لله الإثبات المطلق لأنها ليست من قبيل الكمال المطلق ، ولا تنفى عن الله النفي المطلق لأنها ليست من قبيل النقص المطلق ، ولكن تثبت لله تعالى في حالٍ دون حال ، والحال التي نثبتها لله تعالى هي حال كمالها ، والحال التي ننفيها عن الله تعالى هي حال نقصها ، هذا هو الجواب من ناحية التنظير ، وأما الأمثلة فدونك بعضها ، فأقول :
المثال الأول : صفة المكر ، فإنها ليست من الكمال المطلق ولا من النقص المطلق ، بل من الصفات التي هي كمال باعتبار ونقص باعتبار ، فهي نقص باعتبار الابتداء ، أي المكر ابتداءً بمن لا يستحق أن يمكر به فهذا نقص ؛ لأنه ظلم فينزه الله تعالى عن المكر بهذا الاعتبار لأنه تعالى لا يظلم أحدًا وما ربك بظلام للعبيد ، وأما المكر من باب الجزاء والمقابلة ، أي المكر بمن يمكر فهذا كمال ؛ لأنه دليل على كمال القدرة والعلم والحكمة ، فيوصف الله به حينئذ، أي أن الله تعالى يوصف بالمكر الذي من باب الجزاء والمقابلة لا بالمكر ابتداءً ، ولذلك لا تجدها في القرآن مضافة إلى الله تعالى إلا في الجزاء والمقابلة كقوله تعالى : ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾[آل عمران:54] ، وقال تعالى : ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾[الأنفال:30] ، والله أعلم .
المثال الثاني : الكيد ، فإنه ليس من الصفات التي هي كمال مطلق ، ولا من الصفات التي هي نقص مطلق ، بل من الصفات التي هي كمال باعتبار ونقص باعتبار ، فنثبت لله حال كمالها وتنفى عن الله حال نقصها ، فالكيد ابتداءً بلا مقتضى ظلم والله منزه عن الظلم ، فلا يوصف الله به ، وأما الكيد من باب الجزاء المقابلة فإنه كمال ؛ لأنه دليل على كمال القدرة والعلم الحكمة ، فيوصف الله تعالى به حينئذٍ لأنه كمال ، فنقول : الكيد ابتداءً نقص لا يوصف الله به ، والكيد جزاءً ومقابلة كمال فيوصف الله به ، ولذلك لا تجدها في القرآن مضافة إلى الله تعالى إلا في باب المقابلة كما قال تعالى : ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴾[الطارق:15-16] .
المثال الثالث : الاستهزاء ، فهذه الصفة ليست من قبيل الكمال المطلق ، ولا من قبيل النقص المطلق ، ولكنها كمال باعتبار ونقص باعتبار ، فأما الاستهزاء ابتداءً بلا موجب ولا سبب فهو نقص ؛ لأنه اعتداء وظلم ، فلا يوصف الله به حينئذٍ ، وأما الاستهزاء بمن استهزأ بالله أو رسله أو كتبه أو عباده المؤمنين فإنه كمال ؛ لأنه دليل على كمال القدرة والقوة والعلم والحكمة ، فيوصف الله به ، فتقول : لا يوصف الله بالاستهزاء ابتداءً ويوصف به من باب الجزاء والمقابلة ، ولذلك فإنك لا تجدها في القرآن مضافة إلى الله تعالى إلا من باب الجزاء والمقابلة كما في قوله جل ذكره : ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴿ 14 ﴾ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾[البقرة:14-15] .
المثال الرابع : السخرية ، فهذه الصفة لا يوصف الله بها ابتداءً وإنما يوصف بها من باب الجزاء والمقابلة ، كما قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾[التوبة:79] .
المثال الخامس :
المخادعة ، فهذه الصفة لا يوصف الله بها ابتداءً وإنما يوصف بها من باب الجزاء والمقابلة ، كما في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾[النساء:142] .
فهذه بعض الأمثلة ولم أفصل في المثال الرابع والخامس لأن الكلام فيهما كالكلام فيما قبلها ، ولكن ننبهك على أمر مهم ، وهو أن هذه الصفات التي تثبت لله في حالٍ دون حال يقال فيها حال إثباتها لله جل وعلا ما يقال في سائر الصفات من إثباتها على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ، الله أعلم .
س197: هل يوصف الله تعالى بالنسيان ؟ وضح ذلك بالأدلة .
ج197:
أقول : إن صفة النسيان من الصفات التي هي كمال باعتبار ونقص باعتبار
، وقد تقدم أن منهج أهل السنة في ذلك أنهم يثبتون لله حال كمالها وينفونها عن الله حال نقصها ، وبيان ذلك أن يقال : إن النسيان له في لغة العرب معنيان :
الأول : النسيان بمعنى الغفلة والذهول عن الشيء ، فهذا نقص لا يوصف الله تعالى به ، وهو النسيان المنفي في قوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾[مريم:64] ، وفي قوله تعالى : ﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾[طه:52] ، ومثاله أن يضع الإنسان متاعه في مكان فيغفل عنه ، بل يكون قلمه في يده وهو يبحث عنه ، فهذا نقص والله منزه عن النقص .
الثاني : النسيان بمعنى الترك عن علمٍ وقصدٍ جزاءً ومقابلة للمتروك ، فهذا الترك يقال له في لغة العرب نسيان ، وهو كمال فيوصف الله به، ولذلك لا تجده في القرآن مضافًا إلى الله إلا في الجزاء والمقابلة، كما في قوله تعالى : ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾[التوبة:67] ، وقوله تعالى : ﴿ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ﴾[السجدة :14] ، وقوله تعالى : ﴿ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾[طه:126] ، فالنسيان بمعنى الترك عن علم وعمد جزاءً ومقابلة ، ومنه أيضًا قوله في الحديث : ﴿ فإني أنساك اليوم كما نسيتني ﴾ ، وأما النسيان المنفي عن الله تعالى فإنه الذي بمعنى الغفلة والذهول عن الشيء ، فهذا هو تفصيل منهج أهل السنة في هذه المسألة، والله أعلم .
س198: هل يوصف الله بالعجب ؟ وضح ذلك بالأدلة .
ج198:
أقول :
إن صفة العجب من الصفات التي هي كمال باعتبار ونقص باعتبار ، وقد عرفنا أن منهج أهل السنة في مثل هذه الصفات أنهم يثبتوها لله حال كمالها وينفونها عنه جل وعلا حال نقصها ، وهي تعتبر مثالاً يضاف مع الأمثلة السابقة ، ولكن أفردتها بالذكر ؛ لأن القول فيها يختلف قليلاً ، فأقول :
اعلم - رحمك الله تعالى - أن العجب له سببان :
الأول : عجب يكون سببه خفاء الأسباب ، وهو الذي يقول فيه الناس : إذا عرف السبب بطل العجب ، فالموجب للتعجب هو خفاء السبب ومتى ما بان السبب وعلم زال ذلك العجب من أساسه ، كفقير لا يملك شيئًا رأينا معه سيارة فارهة غالية الثمن ، فنحن نتعجب لذلك ، وسبب عجبنا هو خفاء السبب لكن علمنا بعد ذلك أن أحدًا تصدق بها عليه أو أنه سرقها أو أنه اشتراها بأقساط يسيرة يستطيع سدادها ، فإننا بذلك يزول عجبنا لأننا علمنا السبب ، فالعجب بهذا الاعتبار نقص لا يجوز وصف الله تعالى به ؛ لأن مبناه على خفاء السبب ، والله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ومن صفاته العلم الكامل الشامل لكل شيء ، فليس هناك أشياء تخفى على الله تعالى فيتعجب منها حتى إذا ظهرت له أسبابها زال عجبه كلا والله هذا ما لا يتصور أبدًا ، فسبحان الله وتعالى وتقدس وتعاظم عن أن يوصف بالعجب بهذا الاعتبار .
الثاني : عجب يكون سببه خروج الشيء عن حكم نظائره ، أي أن يكون هناك نظائر لها حكم واحد فيخرج منها فرد من أفرادها عن حكم نظائره ، فيتعجب من هذا الخروج ، مع أن سبب الخروج معلوم ليس بخافٍ ولكن التعجب من عين هذا الخروج ، فهذا العجب كمال يوصف الله تعالى به ، ودليل ذلك قوله تعالى : ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾[الصافات:12] بضم التاء في قراءة سبعية متواترة ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( لقد عجب ربكما بصنيعكما بضيفكما البارحة ) ، وقوله - عليه الصلاة والسلام : ( عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب ) ، ويروى في الحديث : ( يعجب ربك إلى الشاب ليست له صبوة ) ، وغير ذلك من الأدلة ، فالعجب المضاف إلى الله تعالى هنا هو العجب الذي يكون سببه خروج الشيء عن حكم نظائره ، وبهذا التفصيل يتضح الجواب ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة ، وهو أعلى وأعلم .
س199: كيف الجواب على الأشاعرة الذين لا يثبتون لله تعالى إلا سبع صفات فقط ويحرفون الباقي ؟
ج199:
أقول وبالله التوفيق :
اعلم أن من أراد أن يفحم الأشاعرة في زيف ما ذهبوا إليه فعليه أولاً أن يسألهم عن البرهان الذي بسببه أثبتوا هذه السبع ونفوا الباقي ، فيقول : أعطوني دليلاً صحيحًا وفرقانًا صريحًا جعلكم تثبتون هذه الصفات السبع وتنفون الباقي ، فإذا قلت لهم ذلك فاعلم أنهم سيجيبون بجوابين لا ثالث لهما :
الجواب الأول لهم : سيقولون : إن الصفات التي أثبتناها لا يستلزم ثبوتها له مماثلته بخلقه والصفات التي نفيناها تستلزم مماثلته بخلقه ، فإذا قالوا ذلك فقل لهم : لقد تقرر عند أهل السنة أن باب الصفات باب واحد ، والقول في بعضها كالقول في البعض الآخر ، فما تقولونه في صفةٍ فإنه يلزمكم أن تقولوه في سائر الصفات . فإذا قلتم : إن الصفات التي أثبتناها لا تستلزم مماثلة الله بخلقه ، فهذا القول يلزمكم قوله في سائر الصفات التي نفيتموها فإثباتها أيضًا لا يستلزم مماثلة الله بخلقه . وإذا قلتم : إن الصفات التي نفيناها لم ننفها إلا لأن إثباتها يستلزم مماثلة الله بخلقه ، فهذا القول يلزمكم قوله في هذه الصفات السبع التي أثبتموها ، فإثباتها أيضًا يستلزم مماثلة الله بخلقه ؛ لأن القول في الصفات قول واحد لا يختلف ، فإنكم تنفون الرحمة والوجه والغضب والرضا واليد ، وغيرها بحجة أن المخلوقات تتصف بهذه الصفات ، فلو أثبتناها لله لاستلزم ذلك مماثلته بخلقه ، فنقول : وأنتم تثبتون له العلم والسمع والبصر والكلام والقدرة والحياة والإرادة ، وهي موجودة في المخلوقات أيضًا ، فالمحذور الذي من أجله نفيتم سائر الصفات لازم لكم فيما أثبتموه من هذه الصفات السبع . فإن قالوا : نحن نثبت هذه السبع على الوجه اللائق به جل وعلا الذي لا يقتضي مماثلته فيها بخلقه ، فنقول لهم : قولوا هذا القول فيما نفيتموه من الصفات وأثبتوها على الوجه اللائق بالله تعالى الذي لا يقتضي مماثلته فيها بخلقه . فإن قالوا : الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فلا يليق وصف الله تعالى به ، فنقول لهم : والإرادة التي تثبتونها هي ميل النفس لجلب منفعة أو دفع مضرة ، وهذا لا يليق بالله جل وعلا . فإن قال : هذا تفسير لإرادة المخلوق ، فنقول : وتفسيرك للغضب أيضًا إنما هو تفسير لغضب المخلوق ، فما كان جوابه دفاعًا عن هذه الصفات السبع التي يثبتها فهو بعينه جوابنا عليه فيما نفاه من الصفات ؛ لأن المتقرر في الشرع أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض .
ويقال أيضًا : إن أخاك المعتزلي ينكر عليك إثباتك لهذه الصفات السبع ؛ لأنه ينفي الصفات كلها ، وهو - أي المعتزلي - يورد على إثباتك لهذه السبع بعض الشبه والإيرادات والإلزامات وأنت لابد أن تجب عن ذلك دفاعًا عن مذهبك في إثبات هذه السبع ، فيأتي أهل السنة ويقولون لك : أيها الأشعري إن ما تجيب به أخاك المعتزلي دفاعًا عن إثباتك لهذه الصفات السبع هو بعينه جوابنا عليك فيما تورده من الشبه في نفيك لباقي الصفات ، وبالجملة فالأشاعرة من أعظم الفرق تناقضًا في باب الصفات ؛ لأنهم يفرقون بين المتماثلات ويجمعون بين المختلفات .
ويقال له أيضًا : أيها الأشعري : هل أنت تقول إن ذات الله كسائر الذوات؟ فسيقول: لا ، بل له ذات تخصه ليست كالذوات ، فإذا قال ذلك فقل له : فإذا كنت تثبت أن لله ذاتٍ ليست كالذوات فعليك لزامًا أن تقول إن صفاته ليست كالصفات؛ لأن اختلاف الذوات موجب لاختلاف الصفات ، وقد تقرر عند العقلاء من بني آدم أن القول في الصفات فرع عن القول في الذات ، فإذا كنت تعتقد أن ذات الله تعالى لا تماثل الذوات فاعتقد أن صفات هذه الذات لا تماثل الصفات وإلا وقعت في التناقض والاضطراب الذي لا مخرج له منه .

 

إتحاف أهل الألباب بمعرفة العقيدة في سؤال وجواب
عقيـدة أهـل السنـة في الأسمـاء والصفـات

الشيـخ / وليـد بن راشـد

س 200  اذكر أقسام صفات الله - تعالى- الثبوتية مع التمثيل مع بيان الفرق بينهما.
ج : أقول : صفات الله- تعالى- تنقسم إلى قسمين :  صفات ذاتية ، وصفات فعلية.
الصفات الذاتية: هي الملازمة للذات لا تنفك عنها أزلاً وأبداً .
والصفات الفعلية: فهي المتعلقة بالمشيئة، أي متى ما شاء فعلها ومتى شاء لم يفعلها ، ويمثل للصفات الذاتية : بالوجه ، والبصر ، والحياة ، والوجود ، والسمع ، والقدم ، والساق ، وغير ذلك ، ويمثل للصفات الفعلية : بالنزول إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر ، والرضى ، والغضب ، ونحو ذلك . والله أعلم.
س201 هل أسماء الله- تعالى- مترادفة أم متباينة ؟
ج :
 إن هذا السؤال سؤال مجمل يحتاج إلى تفصيل .

والقاعدة عند أهل السنة - رحمهم الله تعالى - في ذلك تقول : أسماء الله- تعالى- مترادفة من حيث الذات ، ومتباينة من حيث الصفات ، وبيان ذلك أن يقال : إن التباين يكون بالنظر إلى إن كل اسم من أسمائه - جل وعلا- يدل على صفة كمال ليست هي الصفة التي يدل عليها الاسم الآخر، فالقدير: يدل على القدرة ، والسميع: يدل على السمع ، فالقدير ، والسميع متباينان من حيث النظر إلى ما تضمناه من الصفات ، لكنهما اسم لذاتٍ واحدة ، وهي ذات الباري - جل وعلا- والعزيز: يدل على صفة العزة ، والعلي يدل على صفة العلو ، والعزة ليست هي العلو ، فالعزيز ، والعلي من حيث النظر إلى صفاتهما متباينان، ، ولكنهما اسم لذات الباري - جل وعلا- وهي واحدة ولا تتعدد، والقوي: يدل على صفة القوة ، والعليم: يدل على صفة العلم ، والقوة ليست هي العلم فهما من هذا الاعتبار متباينان لكنهما اسم لذات واحدة ، وهكذا . فأسماء الله- تعالى- إذا نظرت إلى أنها جميعها تدل على ذات واحدة ، وهي ذات الباري - جل وعلا- نقول : مترادفة ، وإذا نظرت إلى ما تضمنته من الصفات فهي متباينة فلا نقول : متباينة مطلقاً ، ولا مترادفة مطلقاً ، بل نقول : مترادفة من حيث الذات ، ومتباينة من حيث الصفات ، وأضرب لك ثلاثة أمثلة ليتضح لك الأمر أكثر فأقول :
المثال الأول: أسماء القرآن ، فإن من أسمائه الذكر ، والكتاب ، والهدى ، والشفاء ، فهذه الأسماء مترادفة من حيث إنها تدل على ذات واحدة ، وهي ذات القرآن ، لكن كل منها يدل على صفة لا يدل عليها الاسم الآخر ، فهي -- باعتبار صفاتها- متباينة .
المثال الثاني: أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم- فإنه محمد ، وأحمد ، والعاقب ، والحاشر ، ونبي الملحمة ، ونبي الرحمة ، والمُقفِّي ، وغير ذلك مما ثبت له من أسماء فهذه الأسماء مترادفة أي: متفقة من حيث إنها تدل على ذات واحدة ، وهي ذات النبي - صلى الله عليه وسلم- لكن كل اسم منها يدل على صفة لا يدل عليها الاسم الآخر فهي من هذا الاعتبار متباينة.
المثال الثالث: أسماء اليوم الآخر فإن من أسمائه: يوم القيامة ، والصاخة ، والطامة ، والقارعة ، ويوم التغابن ، والواقعة ، وغير ذلك . فهذه الأسماء -باعتبار دلالتها على يوم واحد- مترادفة ، ولكن كل اسم منها يحمل صفة لا يحملها الاسم الآخر فهي- بهذا الاعتبار- متباينة ، وبناءً عليه فنقول : أسماء القرآن مترادفة من حيث الذات ، متباينة من حيث الصفات . وأسماء النبي - صلى الله عليه وسلم- مترادفة من حيث الذات متباينة من حيث الصفات . وأسماء يوم القيامة مترادفة من حيث الذات متباينة من حيث الصفات ، وكذلك أسماء الله- تعالى- مترادفة من حيث الذات متباينة من حيث الصفات ، ولعل الجواب قد أتضح . والله أعلى وأعلم .
س202 ما أنواع الإضافة إلى الله -  تعالى - ؟ وما القاعدة في ذلك ؟ مع توضيح الإجابة بالأمثلة ؟ ولماذا قال أهل السنة ذلك وحرصوا على بيانه ؟
ج أقول: إن الأشياء التي يضيفها الله- تعالى- إليه نوعان :
الأول : إضافة أشياء لا يتصور قيامها بذاتها بل لا يتصور قيامها إلا بغيرها ، فهذه الإضافة إضافة صفة إلى موصوف ، وذلك كإضافة الوجه في قوله تعالى: ﴿ ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والْأِكْرَامِ ﴾ [الرحمن:27] فالوجه عين لا يمكن قيامه إلا بغيره ، فهو إضافة صفة إلى موصوف فنقول : من صفاته - جل وعلا- أن له وجهاً لائقاً بجلاله وعظمته . ومن ذلك إضافة اليدين في قوله تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ [المائدة: 64] فاليد لا يتصور قيامها إلا بغيرها فهي إضافة صفة إلى موصوف فنقول : من صفاته - جل وعلا- اليدان ، فله يدان كريمتان لائقتان بجلاله وعظمته . ومن ذلك إضافة العين في قوله تعالى: ﴿ ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طـه:39] والعين من الأشياء التي لا تقوم إلا بغيرها فهي إضافة صفة إلى موصوف فنقول : من صفاته - جل وعلا- أن له عينين تليقان بجلاله وعظمته . ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ﴾ [التوبة:6] ، وقوله ﴿ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي ، وبِكَلامِي ﴾ [الأعراف: 144] فالكلام شيء لا يقوم بذاته بل لا يقوم إلا بغيره فهو إضافة صفة إلى موصوف فنقول : من صفاته - جل وعلا- الكلام اللائق به - جل وعلا- ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ ومَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ﴾ [طـه:81] فالغضب لا يقوم بذاته ، بل لا يقوم إلا بغيره فهو إضافة صفةٍ إلى موصوف فنقول : من صفاته - جل وعلا- أن له غضباً يليق بجلاله وعظمته . وهكذا .
الثاني : إضافة أعيان قائمة بذاتها أي بنفسها منفصلة عن الله كل الانفصال ، فهذه إضافة تشريف أو إضافة خلق أو إضافة عابدٍ إلى معبوده كقوله تعالى: ﴿ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ .... آيَةً ﴾ [الأعراف:73] والناقة عين قائمة بذاتها منفصلة عن الله كلَّ الانفصال فهي إضافة تشريف ، وتكريم . وكقوله تعالى ﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ [البقرة:125] والبيت أي: المسجد الحرام عين قائمة بنفسها منفصلة عن الله كل الانفصال فهو إضافة تشريف ، وتكريم . وكقوله تعالى ﴿ ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ [الأحزاب:40] والرسول - صلى الله عليه وسلم- عين قائمه بذاتها منفصلة عن الله- تعالى- كل الانفصال فهي إضافة تشريف ، وتكريم. وكقوله تعالى ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ [مريم:17] وجبريل - عليه الصلاة والسلام- عين قائمة بذاتها منفصلة عن الله- تعالى- كل الانفصال فهي إضافة تشريف ، وتكريم . وكقوله تعالى ﴿ وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾ [الفرقان: 63] وهؤلاء العباد أعيان قائمه بنفسها منفصلة عن الله كل الانفصال فهي إضافة تشريف ، وتكريم . وكقوله تعالى ﴿ ولَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ [المائدة: 32] والرسل أعيان قائمة بنفسها منفصلة عن الله كل الانفصال فهي إضافة تشريف ، وتكريم.وهكذا . وإذا أشكل عليك شيء من الإضافات من أي نوع هي فارجع إلى سؤال أهل العلم لقوله تعالى: ﴿ ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل:43] وإياك والتخرص وسلوك طريق العماية ، وإعمال العقل المجرد عن نور الكتاب والسنة . والقاعدة في ذلك عند أهل السنة - رحمهم الله تعالى - تقول : الأشياء المضافة إلى الله- تعالى- إن كانت لا تقوم بذاتها فإضافة صفة إلى موصوف ، وإن كانت تقوم بذاتها فإضافة تشريف وتكريم أو خلق . والذي دعا أهل السنة - رحمهم الله تعالى - لقول ذلك هو أن المبتدعة يسوون بين الإضافتين ؛ إرادةً منهم لنفي صفات الله- تعالى- فنقول : إن قوله: ﴿ ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ [الرحمن:27] ﴾ كقوله: ﴿ نَاقَةُ اللَّهِ ﴾ [الأعراف:73] فكما أن إضافة الناقة له - جل وعلا- لا تدل على أنها صفته ، فكذلك إضافة الوجه له لا تدل على أنه صفته ، بل إضافة الوجه له إضافة تشريف وتكريم كإضافة الناقة ، فأضطر أهل السنة للتفريق بين الإضافتين للرد على هؤلاء الضالين المتهوكين التائهين في باب صفات الله- تعالى- وهذا من توفيق الله- تعالى- لأهل السنة - أعلا الله منارهم ، وثبت أحياءهم ، ورحم أمواتهم ، وأسكنهم فسيح الجنان ، وجعلني الله ، وإياكم ممن اهتدى بهديهم ، وسلك سبلهم . والله أعلى وأعلم .
س203 ما الواجب في الإيمان بأسماء الله- تعالى- ؟ مع التمثيل.
ج :
الواجب في ذلك أن تؤمن بثلاثة أمور:
الأول : أن تؤمن بها اسماً لله – تعالى – أي : أن نعتقد أنه اسم له - جل وعلا - فنسميه به .
الثاني : أن نؤمن بالصفة التي تضمنها ذلك الاسم ؛ لأن القاعدة المتفردة عند أهل السنة أن كل اسم من أسماء الله- تعالى- يتضمن صفة من الصفات ، فلا يتم الإيمان بأسمائه - جل وعلا- إلا إذا آمنا بالصفة التي تضمنها ذلك الاسم فالعزيز اسم والعزة صفة ، والقوي اسم والقوة صفة ، والحي اسم والحياة صفة ، والعليم اسم والعلم صفة ، والبصير والسميع اسمان والبصر والسمع صفة ، وهكذا فأسماء الله- تعالى- أعلام ونعوت ، فهي أعلام باعتبار دلالتها على الاسمية ، ونعوت باعتبار دلالتها على الوصفية .
الثالث :[ سبحان من وسع سمعه الأصوات ] والعليم اسم والعلم صفة ، والأثر هو أنه يعلم كل شيء فيعلم ما كان ، وما يكون ، وما سيكون ، وما لم يكن أن لو كان كيف يكون ، فلا يخرج شيء عن كونه معلوماً له - جل وعلا- والحكيم اسم ، والحكمة صفة ، والأثر الإيمان التام بأنه - جل وعلا- الحكيم في أقداره ، وأفعاله ، وشرعه. والقدير اسم ، والقدرة صفة ، والأثر هو أن نؤمن بأنه الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، وأن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ، والسماوات مطويات بيمنه ، وهذا شأن الكثير من أسمائه - جل وعلا- وأما إذا كانت الصفة ليس لها أثر متعدٍ ، فالواجب: الإيمان بالأمرين الأولين فقط ، وذلك كالحي فأنه اسم والحياة صفة ، ولكن ليس لهذه الصفة أثر متعد . وخلاصة الجواب أن يقال : الواجب في الأسماء أمران : الإيمان بها اسماً ، والإيمان بما تضمنته من الصفات ، وإذا كانت صفة الاسم لها أثر متعدٍ فيزيد ذلك الاسم بوجوب الإيمان بالأثر المتعدي ، والله أعلم
س204 عرف الإلحاد ؟ مع بيان أقسامه ..
ج: الإلحاد لغة : هو الميل ، ومنه اللحد ؛ لأنه ميل عن سنن القبر ، ومنه الملحد ؛ لأنه مائل عن الاعتقاد، والعمل الصحيح الموافق للكتاب والسنة
وشـرعاً : الميل عمًّا يجب اعتقاده في أسمائه - جل وعلا- وآياته . ومن التعريف يتضح أن الإلحاد قسمان :
إلحاد في أسماء الله ، وإلحاد في آياته ، والله أعلم .
س205 ما أنواع الإلحاد في أسماء الله - جل وعلا- ؟ وما حكمه ؟ مع بيان ذلك بالدليل ..
ج : الإلحاد في أسماء الله -  تعالى - أنواع :
الأول :
إنكارها جملة أو إنكار بعضها ، كما وقع من الجهمية - نفاة الأسماء والصفات- وكما وقع من المشركين كما قال الله -  تعالى - عنهم: ﴿ وإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا ومَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وزَادَهُمْ نُفُوراً ﴾ [الفرقان:60] فمن أنكر أسماء الله- تعالى- بعضاً أو كلاً فهو ملحد الثاني : إنكار ما تضمنته من الصفات ، فيثبت الاسم ، ولكنه ينكر الصفة، كما وقع من المعتزلة فإنهم يقولون : الله عليم بلا علم ، وقدير بلا قدرة ، وبصير بلا بصر ، وسميع بلا سمع ، وقوي بلا قوة ، وهكذا في سائر الأسماء . وقد تقدم لك أن أهل السنة - رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى - يثبتون الأسماء ، ويؤمنون بما تضمنه الاسم من الصفة .
الثالث :
تسمية الله- تعالى- بما لا دليل عليه ، وهذا تجرُّؤٌ على مقام الربوبية ، والألوهية ، والأسماء ، والصفات ، فتراهم يطلقون على الله- تعالى- من الأسماء ما لا دليل عليه ، وذلك كتسمية النصارى له {بالأب} وكقول الفلاسفة الأغبياء الحمقى : الله هو العقل الفعال ، والعلة الفاعلة ، والموجب بالذات ، وكقول بعضهم عن الله تقدس اسمه : إنه صاحب الفيوضات ، وغير ذلك من تخرصاتهم ، وتهوكاتهم ، وما هي بأول ضلالاتهم ، ووقاحتهم ، وقلة أدبهم ، أما أهل السنة - رحمهم الله تعالى - فإن باب الأسماء عندهم باب توقيفي على الدليل فلا يسمون الله- تعالى- إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله - صلى الله عليه وسلم-
الرابع :
وصفه – تعالى- بما لا يليق به - جل وعلا وتقدس- كقول أخبث الطوائف : إنه فقير ، وقولهم : إنه استراح بعد أن خلق الخلق ،
وقولهم: إن يده مغلولة . وقول النصارى : إنه اتخذ صاحبة وولداً ، وكقول بعض حمقى الكلام: إنه لا داخل العالم ، ولا خارجه ، ولا فوق ، ولا تحت ، ولا موجود ، ولا معدوم ، ولا أبيض ، ولا أسود ، ولا فوق السماوات إله يعبد ، ولا رب يصلى له ويسجد ،وكقول أهل الحلول : إنه حال في خلقه فهو بذاته في كل مكان ، وكقول الاتحادية : إنه عين هذا الوجود ، وهذا الوجود هو عينه فليس هناك خالق ، ولا مخلوق بل هما عين واحدة لا تنقسم ولا تتجزأ ، وغير ذلك من صفات النقص والبهتان التي ينبو عنها القلم ، ويستحي العبد من تسطيرها، فالحمد لله على السلامة والعافية وأسأله - جل وعلا- أن يثبتني وإياكم على اعتقاد أهل السنة إلى الممات ، وأن يحشرنا في زمرتهم . والله أعلم.
الخامس : أن يشتق من أسمائه - جل وعلا- أسماءً لبعض المعبودات الباطلة ، كتسميتهم اللات من الله ، والعزى من العزيز ، وتسميتهم الصنم ألهاً ، وهذا إلحاد حقيقة ؛ فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم ومعبوداتهم الباطلة.
السادس :
تشبيه صفاته بصفات خلقه أو تعطيلها ، كما وقع فيه الممثلة والمعطلة ، وهذا الإلحاد حرام وجريمة وكبيرة من عظائم الأمور ومن فظائع منكرات الاعتقادات والأقوال وقد يصل بصاحبه إلى الكفر. والدليل قوله تعالى: ﴿ ولِلَّهِ الْأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أسمائهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف:180] والله أعلم .
س206  ما أنواع الإلحاد في الآيات ؟ وما معنى كل نوع ؟ مع بيان ذلك بالدليل؟
ج :
الإلحاد في الآيات نوعان :
إلحاد في الآيات الكونية كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض ونحوها.
وإلحاد في الآيات الشرعية أي القرآن ، فالإلحاد في الآيات الكونية يكون باعتقاد خالق لها مع الله- تعالى- أو مُعِينٍ له في خلقها أو أن هناك مدبراً لها معه - جل وعلا- أو صرف شيء من العبادة لها من دونه - جل وعلا- قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَات ولا فِي الْأَرْضِ ومَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ ومَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾ [سـبأ:22] وقال تعالى ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ [فاطر: 40] وقال تعالى ﴿ ومِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ والنَّهَارُ والشَّمْسُ والْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصلت:37] وأما الإلحاد في الآيات الشرعية فيكون بإنكارها جملة أو بإنكار بعضها ، أو تحريفها ، وإخراجها عن المعاني الصحيحة اللائقة بها ، أو اعتقاد أن هذا القرآن مخلوق من جملة المخلوقات ، أو التكذيب بشيء منها ، وهذا الإلحاد حرام وكبيرة من كبائر الذنوب وقد يصل بصاحبه- في كثير أحيانه- إلى الكفر قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [فصلت:40] فنعوذ بالله تعالى من الإلحاد في أسمائه ، وآياته . والله تعالى أعلم .
س207  هل أسماء الله- تعالى- محصورة بعدد معين أم لا ؟ وما الدليل على ذلك ؟؟
ج:
القاعدة عند أهل السنة ، والجماعة أن أسماء الله- تعالى- لا تحصر بعدد معين

والدليل على ذلك ما رواه أحمد ، وابن حبان ، والحاكم بسندٍ صحيح من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه- في حديث الكرب وفيه :
( أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك... ) فهذا الحديث دليل على أن لله أسماء قد استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، فقوله ( استأثرت به ) أي: انفردت بعلمه ، وما استأثر الله به في علم الغيب عنده لا يمكن لأحد حصره ، ولا الإحاطة به . فإن قلت : فماذا تقول في قوله - صلى الله عليه وسلم - ( إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة ) أوليس هذا دليلاً على الحصر؟ وبيان ذلك بضرب مثالين وهما :
الأول : لو قلت لك : إن عندي مائة بيتٍ شعري من حفظها أعطيته ألف ريال ، فهل تفهم من هذا التركيب اللغوي أنه ليس عندي إلا مائة بيت فقط ؟ بالطبع لا . ولكني حصرت هذه المكافأة فيمن حفظ من أبياتي هذا المقدار .
الثاني : لو قلت لك : إن عندي مائة درهم أعددتها للصدقة فهل تفهم من هذا التركيب أنه لا يوجد عندي إلا هذه الدراهم فقط ؟ بالطبع لا. وإنما هذه الدراهم هي المعدة للصدقة فقط ؛ وبناءً عليه نقول : إن الله- تعالى- رتب دخول الجنة على من أحصى من أسمائه هذا المقدار ، فكأنه يقول : إن من أحصى من أسمائي تسعة وتسعين اسماً فله الجنة أي: أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة . وهذا واضح ... ويقال أيضاً : سلمنا أنه يفهم منه الحصر فإن الحديث الثاني ( أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) أفادنا أن ما فهمناه من الحصر ليس مقصوداً ، وفهمنا تابع للأدلة ، لا أن الأدلة موقوفة على فهمنا، فما وافقه منها قبلناه ، وما خالفه رددناه فإن هذا مسلك الهالكين من أهل البدع ، وقد انعقدت قلوبنا على أنه لا تعارض بين نصين صحيحين مطلقاً . والله أعلم.
وقبـل ختـم الجـواب أفيـدك فـائـدتيـن:
الفائدة الأولى : اعلم أن ما ورد – مرفوعاً- من تعداد هذه الأسماء لا يصح ، فقد قال أبو العباس : إن تعينها ليس من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم- باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، وقد تتبعها بعض أهل العلم ، والمرجع في ذلك القرآن ، وما صح من السنة . والله أعلم .
الفائدة الثانية : قوله ( من أحصاها ) والمراد بذلك: حفظها لفظاً ، والإيمان بها ، وبما تضمنته من الصفات ، وتمامه: أن يتعبد لله بمقتضاها . والله أعلم .
س208 هل آيات الصفات من قبيل المحكم أم من التشابه ؟؟
ج :
لا يقال: من المحكم مطلقاً ، ولا يقال: من المتشابه مطلقاً .
وبيان ذلك : أن المراد بالمحكم/ ما اتضح معناه . والمتشابه/ ما خفي معناه ولم يعرف ؛ وبناءً عليه نقول : إن آيات الصفات من المحكم باعتبار معانيها ، بل هي من أعلى درجات المحكم ؛ لأننا نعلم معانيها كما قدمنا لك سابقاً ، ومن المتشابه باعتبار كيفياتها لأننا لا نعلمها ، ولا طريق للعلم بها ، وهذا المذهب الحق وسط بين مذهبين :
الأول : من يرى أنها من المتشابه مطلقاً أي: لا يعلم معناها أصلاً فضلاً عن كيفيتها . وهم المفوضة .
الثاني : من يرى أنها من المفهوم المعلوم حتى في كيفياتها . وهم الممثلة .
فجاء أهل السنة فقالوا : بل هي من المحكم باعتبار ، ومن المتشابه باعتبار، فهي محكمة باعتبار معانيها ، ومتشابهة باعتبار كيفياتها. وهذا صورة من صور الوسطية التي تميز بها أهل السنة والجماعة . والله أعلم ..
س209 هل ظاهر نصوص الصفات مراد أم غير مراد ؟
ج: أقول :
إن الاحتياط في الجواب ، وإزالة ما عساه أن يرد على السامع من مقاصد أهل السنة والجماعة ؛ وبناء عليه فنقول :

إن لفظ الظاهر بحسب كثرة الاستعمال صار من الألفاظ المجملة . فالممثلة ، والمعطلة يفهمون منها ظاهراً ، وأهل السنة أهل العقول السليمة والفطر المستقيمة يفهمون منها ظاهراً ، فإذا كان ذلك كذلك فنقول : إن كنت تريد بالظاهر ما يفهمه أهل السنة ، والجماعة من هذه النصوص من المعاني اللائقة بالله - جل وعلا- التي لا تمثيل فيها ولا تعطيل ولا نقص بوجه من الوجوه ، فهذا الظاهر لاشك أنه مراد ، فأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة ، والإيمان بها ، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون ، ولا يمثلون ، ولا يحرفون ، ولا يعطلون . فهذا الظاهر مراد - ولا شك - وأضرب لك بعض الأمثلة على ذلك :
قوله تعالى ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ [المائدة:64] فالظاهر منها عند أهل السنة إثبات اليدين اللائقتين بالله - جل وعلا- كقوله تعالى ﴿ ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ فالظاهر منها عند أهل السنة إثبات الوجه لله – تعالى- على ما يليق بجلاله وعظمته ، وكقوله تعالى [ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] [الأعراف:156] فالظاهر منها إثبات الرحمة لله- تعالى- على ما يليق بجلاله وعظمته ، وكقوله - صلى الله عليه وسلم- ( ينـزل ربنا إلى السماء الدنيا ...... ) فالظهار منه إثبات النزول في هذا الوقت لله - جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته . وكذلك يقال في سائر آيات الصفات ، فإذا كان المراد بالظاهر ما يفهمه أهل السنة من المعاني اللائقة بالله - جل وعلا- فإننا نقول: هذا الظاهر مراد ، وأما إذا كان يقصد بالظاهر ما يفهمه المبتدعة من الممثلة ، والمعطلة فإنه ليس بمراد لأنهم يفهمون من هذه الآيات معانٍ لا تليق بالله - جل وعلا- فلا يفهمون منها إلا ما يفهمونه من صفات المخلوقات ، وهذا ليس بمراد من هذه الآيات ، ولكن نحن ننازعهم أصلاً في أن هذا الذي فهموه ليس هو الظاهر الصحيح الذي دلت عليه آيات الصفات ، وإنما هو شيء توهموه بعقولهم الفاسدة ، وإفهامهم العفنة . وفي الحقيقة أن فهمهم هذا مخالف لما فهمه السلف منها ، وهو خباية على النصوص ، وتعطيل لها عن المراد بها ، وهو مخالف أيضاً للعقل الصريح ، والفطر السليمة ، والإفهام المستقيمة لأن العقل ، والشرع يفرضان مباينة الخالق للمخلوق في الذات ، والصفات ، فهم - وإن سموه ظاهر الصفات- فإنها تسمية باطلة مردودة بالنقل ، والعقل ، والفطرة . والله أعلم .
س210 ما حكم السؤال عن كيفية شيءً من صفات الله- تعالى- ولماذا ؟ وكيف الجواب لمن سألنا عن شيءً من ذلك ؟
ج: أقول :
السؤال عن كيفية صفات الله محرم ،
وجريمة، من إقحام العقل والنفس فيما لا مجال لها فيه ، وهو من زلل القول ، وخطل الفهم الذي ينبغي لصاحبه التوبة النصوح ، والاستغفار الكثير منه ؛ وذلك لأنه مسلك الهالكين من أهل البدع ، ومن أبواب الشر التي لو فتحت لأفسدت على الناس عقيدتهم في ربهم - جل وعلا- ولأنه مخالف لمنهج السلف فإن السلف - رحمهم الله تعالى - لا يعرف عنهم كلمة واحدة في ذلك ؛ ولأنه من الأمور الغيبية التي هي خارجة عن حدود العقل ، وطاقاته فمهما أعملت عقلك في إدراك الكيفية لشيء من صفات الله فلن ترجع إلا بالضلال ، والحيرة ، والتيه ، والشكوك ، والأسئلة الكثيرة ، والإشكالات المحيرة التي لا جواب عنها إلا بردع العقل ، والنفس عن الدخول في ذلك ، فما هلك أهل التمثيل ، والتعطيل إلا لأنهم وضعوا لصفات الله كيفية من عند أنفسهم فرضيها أهل التمثيل فمثلوا ، وأباها أهل التعطيل فعطلوا . فأحذر من سلوك سبيلهم الضال ، وقف حيث وقف السلف في صفات الله العظيم الكبير المتعال ؛ ولأن الكيفية لا تعلم إلا بالرؤية ، أو بمشاهدة النظير ، أو بإخبار الصادق عنها ، وكلها منتفية في حق صفات الله- تعالى- وأما الجواب لمن سألنا عن شيء من ذلك فهناك عدة أجوبة :
الأول : أن نقول له : ما سألت عنه من الصفات معناه معلوم ، وكيفه مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعه . وهذا الجواب صحيح ، سديد باتفاق أهل السنة ، وصالح للإجابة به عن أي صفة قد سئل عن كيفيتها ، فهو ، - وإن ورد في الإجابة عن السؤال عن كيفية صفة الاستواء - لكن يصلح للجميع لأن المتقرر أن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها ، وهذا أوضح .
الثاني : أن نقول : إن كيفية الشيء لا تعلم إلا بعد العلم بكيفية ذاته ، فأخبرني أنت عن كيفية ذات الباري - جل وعلا- فبالطبع لن يجد جواباً ، وسيقول: لا أعلم كيفية ذاته ، فقل له : إذا كنا: أنا وأنت مشتركين في عدم العلم بكيفية الذات فكيف تطالبني بكيفية صفة ذاتٍ لا أعلمها؟ فإن من يجهل كيفية ذات شيء فإنه من باب أولى أن يجهل كيفية صفاتها ، فأنا لا أعلم كيف استواء الله لأنني أصلاً لا أعلم كيف هو في ذاته ، ولا أعلم كيفية وجهه ، ويديه ، وعينيه لأنني أصلاً لا أعلم كيف هو في ذاته - جل وعلا- فالجهل بكيفية الذات مفضٍ إلى الجهل بكيفية الصفات ، وقد تقرر عند أهل السنة أن القول في الصفات كالقول في الذات ، فنحن لا نعرف كيفية صفات الله- تعالى- لأننا أصلاً لا نعرف كيفية ذاته .
الثالث : أن تبين له أن الكيفية لا يمكن أن تعرف إلا بالرؤية ، ونحن لم نر الله- تعالى- أو بمشاهدة النظير ، وليس لله مثيل ، ولا شبيه حتى نستدل برؤية صفاته على صفاته . كيف؟ وقد قال تعالى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11] وقال ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ [مريم:65] وقال ﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ [الاخلاص:4] وقال تعالى ﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل:74] أو بإخبار الصادق - صلى الله عليه وسلم- عن الكيفية ، وهذا منتفٍ أيضاً فإنه -صلى اله عليه وسلم- أخبرنا بالصفة ، ولم يخبرنا بكيفيتها فوجب الوقوف حيث وقف النص ، فبالله عليك : شيء لم أره، ولم أر نظيره، ولم يخبرني الصادق عن كيفيته، فكيف أتعرف على هذه الكيفية التي تطالبني بها ؟.
الرابع : وهو جواب علمي ، وهو بمثابة الكي الذي هو آخر العلاج ، ولعلك عرفته ، فإياك أن تجبن عنه ، بل قم به ؛ انتصاراً لله – تعالى- وذبَّاً عن شريعته ، ونترك تفاصيله كتقديرك للمصالح والمفاسد . والله أعلم .
س211 ما أقسام التأويل ، وما المقبول منها والمردود ؟ مع بيان ذلك بالأدل، والأمثلة ..
ج : < :>
التأويل ثلاثة أقسام :
الأول :
حقيقة الشيء التي يؤول إليها ، وهذا هو استعمال القرآن لهذه اللفظة ، وما تصرف منها ، أي: حقيقة الشيء التي هو عليها في الواقع ، فتأويل الأمر: امتثاله ، وفعله ، كما قالت عائشة - رضي الله عنها: ( كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن ) متفق عليه ، أي: يوقع حقيقة ما أمر به في القرآن . وتأويل النهي: اجتنابه فتأويل قوله تعالى ﴿ ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاً ﴾ [الإسراء:32] هو اجتناب الزنى ، وتأويل قوله تعالى ﴿ ولا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ ﴾ [الأنعام: 151] هو ترك الفواحش ما ظهر منها ، وما بطن ، وهكذا . وتأويل الرؤيا: وقوعها أي: وقوع حقيقتها في الخارج ، ومنه قوله تعالى عن يوسف - عليه الصلاة والسلام- ﴿ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ﴾ [يوسف:100] أي: أن سجود أبويه ، وإخوته له هو حقيقة الرؤيا التي رآها من قبل . وتأويل الخبر: وقوع حقيقته كما قال تعالى: مهدداً الذين ينكرون اليوم الآخر ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ [الأعراف: 53] أي هل ينتظرون إلا وقوع حقيقته على ما أخبرت به الكتب ، وجاءت به الرسل يوم تأتي حقيقته حينئذ يندمون ولا ت ساعة مندم ، فتأويل اليوم الآخر هو وقوعه . وتأويل الصفات هي حقيقتها التي هي عليها في الواقع ، ومن ذلك أيضاً قول الخضر لموسى - عليهما الصلاة والسلام- ﴿ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ﴾ [الكهف: 78] أي: سأخبرك بحقيقة ما رأيت من الأمور التي جعلتك تستنكر ، وتبادر بالإنكار ، ثم قال بعد ذلك أي: بعد أن بين له حقيقتها:﴿ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ﴾ [الكهف: 82] أي: هذا الذي بينته لك هو الحقيقة التي يؤول إليها ما فعلته ، فهذا هو المعنى الأول .
الثاني : التأويل: بمعنى التفسير ، ومنه قول الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره العظيم : القول في تأويل قوله تعالى: كذا ، وكذا........ كذا ، وكذا . أي تفسير . ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم- لابن عباس ( اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل ) أي تفسير القرآن ، ومنه قول ابن عباس :أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله . وقد قيل في بعض الآيات التي ورد فيها لفظ التأويل أنها بمعنى التفسير ، وهذا من خلاف التنوع لا التضاد ، فهذان المعنيان صحيحان ، مقبولان ، متفق عليهما بين أهل العلم ، وهما المأثوران عن السلف الصالح - أعلا الله درجتهم في الفردوس الأعلى ، وجمعنا بهم في دار كرامته ، ومستقر رحمته .
الثالث : التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معناه المرجوح ، أو من حقيقته إلى مجازه . وهذا النوع من التأويل لا يعرف عن السلف ، وإنما أحدثه المتأخرون الخلف من المتكلمين في الأصول ، والفقه ، وقد تلقفوه من أهل الكلام المذموم الذي أدخل على أهل الإسلام البلاء الكثير ، والشر المستطير ، وقد توقف أهل السنة والجماعة - رحمهم الله تعالى - في قبوله ، ورده لأنه من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقاً ، وباطلاً ، وشأنهم فيما كان من هذا القبيل التوقف ، والإستفصال ، فقالوا : إن كان هذا الصرف بمقتضى الدليل الصحيح الصريح فإنه صرف مقبول ، فما اقتضاه الدليل فأهلاً وسهلاً . وأما إذا كان صرفاً لا دليل عليه ، وإنما مبناه على التخرص ، والظنون الكاذبة ، والشهوات ، والهوى فإنه مردود على صاحبه مضروب به في وجهه ، ولا كرامة له ، وهو في هذه الحالة - وإن سماه أصحابه تأويلاً ليروج ، وتقبله النفوس- إلا أنه في حقيقته تحريف ، و خلط ، و باطل ، ودليل بطلانه أنه مخالف لمنهج السلف الكرام - رضي الله عنهم وأرضاهم- فإنهم - رحمهم الله تعالى ، وأعلا درجتهم في الجنة- كانوا يقولون عند الظاهر المتبادر من النصوص ، ولا يتعدونه إلا بمقتضى دليل ، ولأن المتقرر عند أهل العلم أن الأصل هو البقاء على الظاهر الراجح ، ولا ننتقل إلى المرجوح إلا بدليل ، ولأن الأصل في الكلام الحقيقة فلا يعدل عنها إلى الجاز إلا بقرينة صادقة ، ولأن هذا الصرف الذي لا دليل عليه تحكم في كلام المتكلم بلا إذن منه ، وهذا لا يجوز في آحاد كلام البشر فكيف بكلام الله - جل وعلا- وكلام رسله - صلوات الله وسلامه عليهم- ولأن أدلة الشريعة إنما جاءت لإرادة البيان والهدى ، لا للألغاز والتعمية. فكيف يخاطبنا الشارع بكلام له ظاهر ، وهو في حقيقة الأمر لا يريد منا أن نعتقد ظاهره من غير بيانٍ منه لذلك؟ فإن هذا القول يتضمن إخراج هذه النصوص عن مقصود إنزالها الذي هو الهداية . ولله در الإمام ،العلامة ، ابن القيم لما جعله - أي التأويل- بهذا المعنى من جملة الطواغيت التي أفسدت كثيراً من عقول المسلمين ، وعلومهم ، وأدخلت عليهم التمثيل ، والتعطيل ، والجبر ، وإنكار القدر ، والوقيعة في خيار الأمة ، وسلفها- فنعوذ بالله من الخذلان ، وزيغ القلوب بعد هدايتها . والله أعلم .
س212  أيهما أرجح في الوقف في قوله تعالى: ﴿ ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران: 7] أن يكون على لفظ الجلالة الذي هو الاسم الأحسن أم يكون على لفظة { العلم }؟؟
ج : أقول : فيه خلاف بين العلماء ، والأرجح أن هذا من قبيل خلاف التنوع لا التضاد ، فإن الوقف يختلف باختلاف ما يقوم في قلب القارئ من معاني التأويل السابقة - أعني النوع الأول ، والثاني فقط - لأنهما المأثوران عن السلف ، فإن قام في قلبه المعنى الأول فالوقف على الاسم الأحسن أي على قوله ﴿ إِلَّا اللَّهُ ﴾ لأن الذي يعلم حقيقة ما أخبرت به الرسل على ما هو عليه في الواقع من آيات الصفات واليوم الآخر إنما هو الله- تعالى- ونحن - وإن علمنا معانيها- لكن لا يعلم كيفياتها - على ما هي عليه- إلا الله- تعالى- وأما إذا كان الذي قام بقلب القارئ المعنى التأويل أي التفسير فالوقف التام على قوله ﴿ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران:7] وهذا اختيار أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيميه -رحمه الله تعالى- فإذا وقفت على الاسم الأحسن فاعتقد المعنى الأول ، وإذا وصلت فاعتقد المعنى الثاني . والله أعلم .
س213 ما مذهب أهل السنة في نفس الله- تعالى- مع بيان ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة ؟ وهل هي من الصفات الذاتية أم الفعلية ؟؟
ج: أقول :
يعتقد أهل السنة ، والجماعة أن لله – تعالى- نفساً لائقة بجلاله ، وعظمته ، ليست كأنفس المخلوقين ، ومجرد اتفاق اسم نفسه مع اسم نفسنا لا يستلزم اتفاقهما في كيفياتهما -كما قدمنا لك سابقاً - والدليل قوله تعالى: ﴿ وإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ [الأنعام: 54] فقد أضاف النفس إليه ، وهي لا تقوم بذاتها فدل ذلك على أنها إضافة صفة إلى موصوف - جل ربنا ، وتعالى ، وتقدس عن أن تكون نفسه كنفس خلقه ، وعز جلاله ، وتعالت عظمته أن يكون عدماً لا نفس له- وقال تعالى لكليمه موسى - عليه الصلاة والسلام: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ [طـه:40ـ41] فثبت أن لله نفساً ، وقال تعالى: ﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ [آل عمران: 28] وقال تعالى عن عيسى -عليه السلام: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ولا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ فثبت لله نفساً إثباتاً بلا تمثيل ، ونزهه عن مماثلة خلقه فيها تنزيهاً بلا تعطيل ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ( يقول الله- تعالى- أنا مع عبدي حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم ) متفق عليه ، وإضافة النفس هنا إضافة صفة إلى موصوف . وعن ابن عباس - رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- حين خرج إلى صلاة الصبح ، وجويرية جالسة في المسجد فرجع حين تعالى النهار قال: لم تزالي جالسة بعدي ؟ قالت نعم . قال : قد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بهن لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ، ومداد كلماته ، ورضى نفسه ، وزنة عرشه "رواه مسلم ، والشاهد منه قوله ( ورضى نفسه ) فقد أضاف النفس إليه إضافة الصفة إلى الموصوف . وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال : ( لما قضى الله الخلق كتب كتاباً على نفسه فهو عنده فوق العرش: أنَّ رحمتي سبقت غضبي ) متفق عليه ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ( التقى آدم ، وموسى - عليهما السلام - فقال له موسى : أنت الذي أشقيت الناس أخرجتهم من الجنة ، قال آدم : وأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته ، وبكلامه ، واصطنعك لنفسه ..... ) [متفق عليه] ، وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى ( إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.... ) [مسلم] ومن الأدلة القطعية أيضاً إجماع أهل السنة فقد أتفق أهل السنة - رحمهم الله تعالى - على إثبات النفس لله – تعالى- على ما يليق بجلاله وعظمته ، وهو الذي نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا . إذا علمت هذا فأعلم أن صفة النفس من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله- تعالى- والله أعلم.
س214 ما مذهب أهل السنة في علم الله تعالى ؟ مع الدليل ؟ وهل هو من الصفات الذاتية أم الفعلية ؟
ج: أقول :
يعتقد أهل السنة - رحمهم الله تعالى - اعتقاداً جازماً بيقين راسخ أعظم من رسوخ الجبال الرواسي أن الله- تعالى- موصوف بالعلم الكامل الشامل الذي لم يسبق بجهل. فهو يعلم ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن أن لو كان كيف يكون ، وأنه من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله- تعالى- أزلاً ، وأبداً قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ومَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ......الآية ﴾وقال تعالى ﴿ وعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِنْ ورَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ وقال تعالى ﴿ ومَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ وقال تعالى: ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وفي حديث الاستخارة الطويل ( اللهم إني أستخيرك بعلمك الغيب ...... ) ، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ( مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ثم قرأ هذه الآية ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ومَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ) وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ( سبق علم الله في خلقه فهم صائرون إليه ) [أخرجه اللاكائي -رحمه الله تعالى-] في شرح العقائد، ، ودل عليها العقل أيضاً : وذلك من وجوه :
الأول : أن العلم في حد ذاته صفة كمال في المخلوق لا نقص فيها ، وقد تقرر في القواعد أن ما كان صفة كمال في المخلوق لا نقص فيها بوجه فالخالق أولى بها .
الثاني : أن الله- تعالى- هو الذي أعطى المخلوق هذه الصفة التي هي كمال في ذاتها ، ومعطي الكمال أولى بالكمال .
الثالث : أنه يستحيل أن يوجد هذا الكون العظيم على هذا النسق الرفيع والنظام البديع ، وهو غير متصف بالعلم ، وقد أشتد نكير السلف على من أنكرها حتى قالوا : ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خلصوا ، وإن جحدوا كفروا ، وقال الإمام أحمد : « فإن قال الجهمي: ليس له علم . كفر، وإن قال: له علم محدث . كفر ؛ حيث زعم أن الله كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى أحدث له علماً فعلم » أ.هـ
وهذا ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا ، وقد أنعقد الإجماع على ذلك . ولله الحمد والمنة . والله أعلم .
س215 ما مذهب أهل السنة - رحمهم الله تعالى - في صفة الوجه ؟ وهل هو من صفات الذات ، أم الفعل ؟ مع بيان ذلك بالأدلة ؟
ج :
يعتقد أهل السنة - رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى- أن لله – تعالى- وجهاً يليق بجلاله وعظمته ، وهو من صفاته الذاتية.
 
قال تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وجْهَه ﴾، وقال تعالى: ﴿ ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والْأِكْرَام ﴾، وقال: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ( إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ، ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) [مسلم] وعن جابر - رضي الله عنه- قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾ قال النبي - صلى الله عليه وسلم- ( أعوذ بوجهك. قال: ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ قال - عليه الصلاة والسلام: ( أعوذ بوجهك ). قال: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ قال : ( هذه أهون أو أسهل ) [البخاري] . وفي حديث عطاء بن السائب عن أبيه عن عمار بن ياسر - رضي الله عنهما- أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم- يدعو يقول : ( اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك عن الخلق أجمعين ....... ) وفيه: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك ) وعن شقيق قال : كنا عند حذيفة فقام شبث بن ربعي فصلى فبصق بين يديه فقال له حذيفة : يا شبث لا تبصق بين يديك ، ولا عن يمينك فإن عن يمينك كاتب الحسنات ، ولكن عن يسارك أو من ورائك فإن العبد إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فيناجيه فلا ينصرف عنه حتى ينصرف عنه أو يحدث حدث سوء . متفق عليه . ، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال : ( من استعاذ بالله فأعيذوه ، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه ) [أبو داود ، والنسائي بسند صحيح]وقد اجمع أهل السنة ، والجماعة على إثبات هذه الصفة لله – تعالى- وهو ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا ، والله أعلم .
س216 ماذا قال المبتدعة في هذه الصفة ؟وكيف الرد عليهم ؟
ج: أقول:

الأول : أنه مخالف لمنهج السلف ، وما أجمعوا عليه ، وما خالف منهجهم ، وإجماعهم فهو باطل مردود ، وإذ لا يمكن أبداً بل لا يتصور أن يكون السلف من الصحابة ، والتابعين كانوا في معزل عن فهم ما أنزل عليهم ، ويفهمه هؤلاء المتهوكون الضالون، هذا ما لا يقوله عاقل يعلم ما يقول فضلاً عن كونه مسلماً .
الثاني : أنه مخالف لما يظهر من دلالة النصوص، فإن هذه الأدلة قد أضافت الوجه إلى الله- تعالى- إضافة الصفة إلى الموصوف ، والانصراف عن هذا الظاهر المتبادر للفهم السليم لا يجوز إلا بمقتضى دليل صارف ، ولا دليل يصرفنا عن الأصل ، والظاهر ، والحقيقة ، فوجب البقاء عليه.
الثالث : أن يقال لهم : إنكم فررتم من إثبات الوجه لله – تعالى- خوفاً من مماثلة الله بخلقه لأن لهم وجوهاً ، وقلتم إنه الذات . فبالله عليكم أوليست لنا ذوات ؟ بالطبع نعم ، إذاً قد فررتم من شيء ، ووقعتم في مثله ، فإن قالوا : نحن نقول: هي ذات ليست كالذوات ، فنقول: قولوا هذا القول في الوجه بادئ الأمر ، واستريحوا ، وأريحوا ، وذلك لأنه قد تقرر أن القول في الصفات فرع عن القول في الذات هذا مختصر الجواب عليهم ، وهو كافٍ ، والله أعلم.
س217  ما مذهب أهل السنة في اليدين مع بيان الأدلة ؟ وهل هي صفة ذاتية أو فعلية ؟؟
ج :
يعتقد أهل السنة قاطبة أن لله – تعالى- يدين اثنتين لائقتين بجلاله وعظمته ، لا تماثل أيدي المخلوقين
، ومجرد الاتفاق في الاسم لا يستلزم الاتفاق في المسمى ، وأنهما من الصفات الذاتية التي لا تنفك عنه - جل وعلا- أزلاً ولا أبداً ، وأهما كريمتان مبسوطتان بالعطاء ، والنعم قال تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ [المائدة: 64] وقال تعالى ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ [صّ: 75] وقال تعالى ﴿ بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾ وقال تعالى ﴿ بيده الخير ﴾ وقال تعالى ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الفتح: 10] وقال تعالى ﴿ ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر:67] وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة في ذكر محاجة موسى لآدم - عليهما الصلاة والسلام- وفيه أن موسى قال : ( أنت آدم الذي خلقه الله بيده ، ونفخ فيك من روحه... )، ، وفي الصحيح أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ( لما خلق الله الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي ) وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ( إن الله- تعالى- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) وفي المتفق عليه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ( إن أحدكم ليتصدق بالتمرة من طيب ، ولا يقبل الله إلا طيباً فيجعلها الله- تعالى- في يده اليمنى ثم يربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى تصير مثل أحد ) ، وفي رواية ( فيقع في كف الرحمن ) وفي الصحيح أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ( يمين الله ملآ لا تغيضها نفقة سماء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغيض ما في يمينه. ) وفي الصحيح أيضاً من حديث ابن عمر - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ( يقبض الله- تعالى- يوم القيامة سمواته فيأخذهن بيمينه ، ويقبض الأراضين ، ويأخذهن بيده الأخرى ثم نهزهن فيقول : أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ) وفي المتفق عليه من حديث حكيم بن حزام – رضي الله عنه- قال : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم- فألححت في المسألة فقال : ( يا حكيم ما أكثر مسألتك ؟إن هذا المال حلوة خضرة ، وإنما هو أوساخ الناس ، وإن يد الله هي العليا ، ويد المعطي تليها ، ويد السائل أسفل من ذلك ) وفي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شعبة قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم- على منبره يقول : ( إن موسى سأل ربه فقال: يا رب أخبرني بأدنى أهل الجنة منزلة ؟ ..... ) ، وفيه ( فقال : يا رب فأخبرني بأعلاهم منزلة قال : هذا ما أردت فسوف أخبرك ، قال : غرست كرامتهم بيدي ، وختمت عليها ،لم تر عين ، ولم تسمع أذن ...الحديث ) وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة في يكفوها الرحمن بيده كما يكفئ أحدكم خبزته في السفر ، نزلاً لأهل الجنة ...... ) ، وقد أتفق أهل السنة على إثبات هذه الصفة لله تعالى من غير تحريف ، ولا تعطيل ، ولا تمثيل ، ولا تكييف ؛ لأن الله- تعالى- ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وهو ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا . والله أعلم.

س218  ماذا قال المبتدعة في هذه الصفة { اليد } ، وكيف الجواب عليهم ؟
ج أقول :
  لقد نفى المبتدعة - على مختلف طوائفهم - هذه الصفة ، وهو باطل من وجوه :
الأول : أنه خلاف منهج السلف .
الثاني : أنه لا دليل على هذا الصرف فهو في حقيقته تحريف .
الثالث : أنه مخالف لما ظهر من الأدلة .
الرابع : أن ذلك ممتنع كل الامتناع في قوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ [المائدة:64] وقوله: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ [ص:75] فإن القدرة ، والنعمة لا يصح أن تأتي مثناة .
الخامس : أنه لو كان المراد باليد القدرة لما كان لآدم - عليه السلام - فضل على إبليس - لعنه الله- إذ أن إبليس خلق بقدرة - الله - تعالى-- فأنظر كيف لبس إبليس على هذه الطوائف لينكروا ما تميز به أبوهم عليه حسداً ، وبغضاً ، وحقداً لآدم ، وبنيه . والله أعلم .
س219 هل يوصف الله - تعالى- بالكف ؟ وهل إحدى يديه شمال ؟ وضح ذلك بالدليل ؟
ج أقول :
نعوذ بالله - تعالى- من أن نقول في صفات الله - تعالى- شيئاً لا دليل عليه وبناءً عليه فهذا السؤال فيه فرعان :
الأول : الكف فنحن نصف الله - تعالى- بأن له كفاً يليق بجلاله ، وعظمته لا تماثل كفوفنا ، والاتفاق في الاسم لا يستلزم الاتفاق في المسمى ، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( إن أحدكم ليتصدق بالتمرة إذا كانت من الطيب - ولا يقبل الله إلا طيباً- فيجعلها الرحمن في كفه فيربها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى تعود في يده مثل الجبل ) وهو في الصحيح ، والشاهد من قوله " في كفه " ففيه إضافة الكف لله - تعالى- وفي رواية ( إلا وهو يضعها في كف الرحمن ) فنحن نثبت لله - تعالى- ما أثبته لنفسه من غير تحريف ، ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ، ولا تمثيل ، بل نقول : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾.
الثاني : اتفق أهل السنة ، والجماعة على إثبات اليدين لله - تعالى- وأنهما يمين في البذل والعطاء والإنفاق ، وأن إحداهما يمين في الاسم أيضاً، هذا كله متفق عليه ، ولكن اختلفوا في اسم اليد الأخرى على قولين : فالأكثر على أنها يمين في الاسم أيضاً واستدلوا على ذلك بالحديث الذي فيه ( وكلتا يدي ربي يمين مباركة ) وبحديث ( وكلتا يديه يمين ) وهما في الصحيح ، فهذه المسألة - أعني مسألة اسم اليد الأخرى -من المسائل التي ثبت فيها الخلاف بين أهل السنة ، وهو يسير . والرد عند الخلاف إلى الكتاب ، والسنة . وقد ذكرت دليلَ من نفى تسميتها بالشمال . وذهب بعض أهل السنة إلى أنها شمال في الاسم فقط ، لكنها يمين في البذل ، والإنفاق ، والعطاء ، أي هي يمين في الخير ، والبركة ، واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- ( يقبض الله - تعالى- سماواته فيأخذهن بيمينه ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين فيأخذهن بشماله فيهزهن ، ويقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ) فأنت ترى هنا أنه سماها بالشمال، وقد قدح في هذه الزيادة جمع من أهل العلم ، ولكن لا داعي للقدح فيها ، ولا ردها ، ولا دعوى أنها شاذة أو منكرة ، وبناءً عليه فنقول : إن كانت هذه اللفظة محفوظة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإننا نقول بها ، ونطلق على اليد الأخرى اسم الشمال ، ونقول فيها ما نقوله في سائر صفاته - جل وعلا- من أنها شمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه فنثبتها لله - تعالى- إثباتاً بلا تمثيل ، وننزه الله - تعالى- النقص تنزيهاً بلا تعطيل ، لكن لابد من النظر أولاً في ثبوتها ، والبحث في حال عمر بن حمزة الذي يروي هذا الحديث عن سالم عن ابن عمر . والله أعلم
س220  ما مذهب أهل السنة في صفة الأصابع ؟ مع بيان الدليل؟
ج:
يعتقد أهل السنة ، والجماعة - رفع الله درجاتهم في الفردوس الأعلى ، وأعلا منارهم في الدنيا والآخرة ، وثبت أحياءهم ، ورحم أمواتهم - أن لله - تعالى- أصابع تليق بجلاله ، وعظمته ، وأنها من الصفات الذاتية له - جل وعلا- وأن الاتفاق في الاسم لا يستلزم الاتفاق في المسمى ، والدليل على ذلك ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- رجل من اليهود فقال : يا محمد إن الله يجعل السماوات على إصبع ، والأراضين على إصبع ، والجبال والشجر على إصبع فيهزهن فيقول : أنا الملك ، قال : فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه تصديقاً لما يقول الرجل ، ثم قرأ ﴿ ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ و- تعالى- عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر:67] وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد يصرفه كيف يشاء ) ثم قال : ( اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك ) وهذا الحديث مروي عن عدة من الصحابة ، منهم النواس بن سمعان الكلابي ، وعائشة أم المؤمنين ، وأبو ذر جندب بن جنادة - رضي الله عنهم- وعن سائر أصحابه - صلى الله عليه وسلم - وقد أجمع أهل السنة على إثبات هذه الصفة على ما يليق بجلال الله وعظمته ، وهو ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا . والله أعلم .
س221  ما مذهب أهل السنة في صفة العين؟ مع بيان ذلك بالأدلة . وهل هي من صفات الذات أم الفعل ؟
ج :
يعتقد أهل السنة - رحمهم الله تعالى، وغفر لهم ، وجمعنا بهم في الجنة - أن لله عينين اثنتين ذاتيتين لائقتين به - جل وعلا- وأنها لا تماثل أعين العباد ، والاتفاق في الاسم لا يستلزم الاتفاق في المسمى قال - تعالى: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ [القمر:14] وقال - تعالى- ﴿ ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طـه:39] وقال - تعالى- ( واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ووَحْيِنَا ) ﴾ [هود:37] وقال - تعالى: ﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [الطور:48] وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن ربكم ليس بأعور إلا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية ) متفق عليه ، فنفي العور عنه - جل وعلا- دليل على أن له عينين اثنتين لائقتين به - جل وعلا- وقال - عليه الصلاة والسلام: ( إذا قام العبد في الصلاة قام بين عيني الرحمن فإذا التفت قال له ربه : تلتفت إلى خير لك مني ؟ ... ) الحديث ، وفيه مقال .
وقد أجمع أهل السنة على إثبات ذلك ، وهو ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا . ولله الحمد والمنة . والله أعلم .
س222  لقد وردت صفتا اليد ، والعين في الأدلة: مفردة ، ومثناة ، ومجموعة . فاذكر هذه الأدلة ؟ وكيف الجمع بينها ؟
ج أقول :
أما صفة اليد مفردة ففي قوله - تعالى-
﴿ بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾ وأما ورودها مثناة ففي قوله تعالى : ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، وأما ورودها مجموعة ففي قوله – تعالى: ( مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ) أما صفة العين مفردة ففي قوله – تعالى ـ: ﴿ ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ ، وأما ورودها مثناة ففي الحديث: ( قام بين عيني الرحمن ) ، وأما ورودها مجموعة ففي قوله – تعالى ـ: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ ووجه الجمع بينهما أن يقال: أما ورودهما مثناة فلا إشكال فيه ؛ لأن أهل السنة يثبتون لله تعالى يدين اثنتين ، وعينين اثنتين على ما يليق به - جل وعلا- وأما ورودهما مفرده فلا إشكال فيه أيضاً ؛ لأنهما لما أفردتا أضيفتا فهما مفرد مضاف ، وقد تقرر في الأصول أن المفرد المضاف يعم ، فيعم اللفظ كل ما لله من يد ، وعين ، وقد سبق أنهما اثنتان . وأما ورودهما مجموعة: فإن النون هنا ليست نون الجمع ، وإنما هي نون المعظم نفسه ، كقول الملك لمن أعطاه شيئاً : قد أعطيناك هذا بأيدينا . وإذا رأى الملك شيئاً ، وسئل عنه فإنه يقول: قد رأيناه بأعيننا ، ونحو ذلك ، فهذه النون هي نون المعظم نفسه ، وليست نون الجمع ، فلا إشكال في ذلك . ولله الحمد والمنة ، وبه التوفيق والعصمة ، وهو أعلى وأعلم .
س223  ما مذهب أهل السنة في صفة القدم ، والرجل ، والساق لله – تعالى؟ مع بيان ذلك بالأدلة . وهل هذه الصفات من صفات الذات أم الفعل ج :  يعتقد أهل السنة - رحمهم الله تعالى- أن لله ( قَدَمَاً ، ورِجْلاًََ ، وسَاقاً ) لائقة بجلاله وعظمته ، وباتفاقهم أنها لا تماثل المعهود من صفاتنا ؛ لأن الاتفاق في الاسم لا يستلزم الاتفاق في الصفات ، ولا تثريب على من أثبت ما أثبتته الأدلة ، وقال بما قالت به النصوص مع علم المعنى ، والجهل بالكيفية . وأي عيب بالله عليك أن نقول كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن نثبت لربنا ما أثبته له أعلم الخلق به - صلى الله عليه وسلم ؟ بل التثريب ، والعيب هو على من يقع في مثل هذه النصوص تحريفاً ، وإنكاراً ، وجحوداً ، وإبطالاً ، وكأنه أعلم من الله وأعلم من نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونعوذ بالله من حال أهل التمثيل والتعطيل ، ونبرأ إلى ربنا - جل وعلا- من طريقهما ، فإنه طريق سوءٍ ، ومدخل ضلالة ، فلا نقل ، ولا عقل عند هؤلاء الأغبياء ، و إنما هو التخرص ، والهوى ، واتباع الشهوات ، فهذه الصفات الواردة في السؤال قد وردت بها الأدلة فنحن نثبتها لله - تعالى- إثباتاً بلا تمثيل ، وننزه الله - تعالى- من مماثلة خلقه تنزيهاً بلا تعطيل . وهذه الصفات من صفات الذات التي لا تنفك عن الله - تعالى- ففي الصحيحين عن انس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( ولا يزال جهنم يلقى فيها ، وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها رجله ) وفي رواية( عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض . وتقول: قط قط ) فقد أضاف الرِّجل ، والقدم إليه إضافة الصفة إلى الموصوف ، ولا يصح إن يقال إن الرِّجل هنا : طائفة من الخلق فإن هذا مخالف لظاهر الدليل بلا برهان ، ومخالف لما تقرر في منهج السلف -رحمهم الله تعالى- وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( تحاجت الجنة ، والنار فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين ، والمتجبرين ، وقال الجنة : مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس ، وسقطهم ؟ فقال الله - عز وجل- للجنة : إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ، وقال للنار : إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل واحدة منكما ملؤها ، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فيها فتقول قط قط ....... ) فهنا أضاف الرِّجل إليه إضافة الصفة إلى الموصوف لأن الرِّجل ، والقدم مما لا يقوم بذاته ، وقد تقرر لنا سابقاً أن الأعيان التي يضيفها الله إليه ، وهي مما لا يقوم بذاته فإنها إضافة صفة إلى موصوف . وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد نحوه ، وروى أحمد عن أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: ( افتخرت الجنة ، والنار ....... ) فذكر الحديث ، وفيه (....فيلقى في النار أهلها فتقول: هل من مزيد. قال: ويلقى فيها ، وهي تقول: هل من مزيد . قال: فيلقى فيها ، وهي تقول : هل من مزيد . حتى يأتيها الله - عز وجل- فيضع عليها قدمه فتنزوي ، وتقول : قدني قدني ..... ) ، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الطويل ... ، وفيه ( فيكشف رب العزة عن ساقه فيسجد له كل من كان يسجد في الدنيا ، ويبقى من كان يسجد رياءً ، وسمعة فيذهب كي يسجد فينقلب ظهره طبقاً واحداً ) والشاهد منه قوله" ساقه " فإضافة الساق إلى الله - تعالى- إضافة حقيقية ، وهي من قبيل إضافة الصفة على الموصوف . وقد أجمع أهل السنة ، والجماعة - رحمهم الله تعالى- على ذلك . وهو الذي نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا. والله أعلم .
س224  ما مذهب أهل السنة في صفة الكلام ؟ مع بيان ذلك بالأدلة ؟ وهل هو من صفات الذات أم الفعل ؟
ج :
يعتقد أهل السنة والجماعة - رحمة الله عليهم ـ، وأجزل لهم الأجر ، والمثوبة ، وجزاهم الله - تعالى- خير ما جزى عالماً عن أمته
:
أن الله - تعالى- موصوف بالكلام ، فهو - جل وعلا- يتكلم بما شاء ، كيفما شاء ، متى شاء ، وأن كلامه - جل وعلا-بحرف ، وصوت يسمعه من شاء الله أن يسمعه ، وأنه من صفات الذات باعتبار أصل الصفة ، ومن صفات الفعل باعتبار آحاده ، وإفراده ، وهذا معنى قول أهل السنة - رحمهم الله تعالى- « كلام الله قديم النوع حادث الآحاد » وهذه الصفة من الصفات التي كثرت الأدلة عليها ، وتنوعت في دلالتها ، قال - تعالى- : ﴿ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ﴾ [النساء:164] وقال - تعالى- ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ [البقرة:253] وقال - تعالى- ﴿ ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾ [النساء:87] وقال: ﴿ وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنعام:115] وقال - تعالى: ﴿ ولَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ [لأعراف:143] وقال – تعالى: ﴿ ونَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ [مريم:52]وقال – تعالى: ﴿ ونَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [الأعراف:22] وقال – تعالى: ﴿ وإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة:6] وقال – تعالى: ﴿ ويَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص:65] وقال – تعالى: ﴿ ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وحْياً أَوْ مِنْ ورَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ [الشورى:51] وكل آية فيها ( وقال الله ) فإنها دليل على إثبات هذه الصفة ، وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه ، وبينه ترجمان ) وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس في قصة جلوس جويرية بعد الفجر إلى تعالي النهار فقال النبي - صلى الله عليه وسلم : ( قد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت لوزنتهن : سبحان الله وبحمده عدد خلقه ، ومداد كلماته ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ) والشاهد قوله " ومداد كلماته " وثبت في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من نزل منزلاً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل عن منزله ذلك ) رواه مسلم . فدل ذلك على أن الله موصوف بالكلام ، وأنه ليس بمخلوق إذ لا تصح الاستعاذة بمخلوق ، فلما استعاذ بكلمات الله التامات دل ذلك على أنها ليست بمخلوقة ، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : يقول الله - تعالى- يوم القيامة : يا آدم فيقول : لبيك وسعديك ، فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج بعث النار .... الحديث ) والشاهد منه " يقول الله " وكذلك ( فينادي بصوت ) فإن فيه أن كلام الله - تعالى- بصوت ٍ ، وروى أبو يعلى الموصلي عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( يحشر الله العباد - أو قال : يحشر الناس- حفاة عراة غرلاً ، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان ) ورواه الإمام أحمد في المسند أيضاً ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً ( إن الله - تعالى- إذا أحب عبداً نادى يا جبريل أني أحب فلاناً ، فأحبه ، فيحبه جبريل ، فينادي جبريل في أهل السماء إن ربكم يحب فلاناً ، فأحبوه فيحبه أهل السماء ، فيوضع له القبول في الأرض ، وإن الله - تعالى- إذا بغض عبداً نادى يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل فينادي جبريل إن ربكم - عز وجل- يبغض فلاناً فأبغضوه ....... ) .
وعن جابر - رضي الله عنه - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول : (هل من رجل يحملني إلى قومه ؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي - عز وجل .... ) [أحمد ، وأبو داود بسند صحيح] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله - تعالى- على سائر خلقه ) حديث حسن بطرقه وشواهده ،وثبت في أحاديث كثيرة قوله - صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا يكلمهم الله ) ، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً ( إن الله - تبارك و تعالى- يقول: يا أهل الجنة : فيقولون لبيك ، وسعديك . فيقول: هل رضيتم ...... ) ، وفيه ( ... فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً ) وروى الإمام ابن خزيمة في التوحيد ، وعبد الله بن أحمد في السنة ، والبيهقي في الاعتقاد ، وفي الأسماء ، والصفات أيضاً عن دينار بن مكرم ، وكانت له صحبة: أن أبا بكر - رضي الله عنه - خاطر قوماً من أهل مكة على أن الروم تغلب فارس فغلبت الروم فنـزلت ﴿ الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ [الروم2ـ1] فأتى قريشاً فقرأها عليهم فقالوا: كلامك هذا ؟ قال : ليس بكلامي ، ولا كلام صاحبي ، ولكنه كلام الله - عز وجل )وهو أثر صحيح ، وعن عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت في قصة الإفك: ( والله ما كنت أظن أن الله - تعالى- ينزل براءتي ، وحياً يتلى ، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى ..... ) متفق عليه ، وروى الإمام أحمد في الزهد ، وابنه عبد الله في السنة ، وأبو بكر بن أبي شيبة في المصنف ، والحاكم في المستدرك عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: ( كنت جاراً لخباب فخرجنا يوماً من المسجد ، وهو آخذ بيدي فقال : يا هناه ، تقرب إلى الله - ما استطعت- فإنك لن تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه يعني القرآن ) وهو أثر صحيح ، فأنت ترى توافر هذه الأدلة من الكتاب ، والسنة ، والأثر على إثباتها .
وأما الإجماع: فقد أجمع أهل السنة قاطبة على إثبات هذه الصفة لله - تعالى- على ما يليق بجلاله ، وعظمته ، بل ودل العقل الصريح على إثباتها أيضاً ، وبيان ذلك أن يقال: إن الكلام من حيث هو صفة كمال لأن نقيضها نقص ، وهو البكم ، والخرس ، وهذه الصفة أعني البكم ، والخرس لو اتصف بها المخلوق الضعيف العاجز كانت نقصاً بيناً فكيف يصلح إثباتها لمن له الكمال في المطلق سبحانه ؟ وقد تقرر عند أهل السنة أن كل كمال في المخلوق لا نقص فيه ، فالله أحق أن يوصف به ؛ لأنه واهب الكمال ، ومعطيه . ومعطي الكمال أولى بالكمال ، فلما كان يلزم من نفى الكلام عنه وصفه بالنقص الذي هو منزه عنه وجب إثباتها على ما يليق بجلاله ، وعظمته ، ولذلك فإن من الأدلة المثبتة لبطلان إلهية الأصنام ، والأحجار ، وسلب الكلام عنها كما قال - تعالى- عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ [الأنبياء:63] وقال - تعالى- عنه: ﴿ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ﴾ [الصافات:92] بل وقد دل الدليل الفطري أيضاً على إثباتها لله - تعالى- وهو: أن الفطر السليمة التي لم تتلوث ببعض علم الكلام المذموم ، ولا بقواعده المخالفة للمعقول ، والمناقضة للمنقول ، فإن هذه الفطر تعتقد أحقية الله - تعالى- بكل كمال ، وتنـزيهه عن كل نقص . وصفة الكلام من الكمال فوجب إثباته لله - تعالى- وهذا ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا . ولله الحمد والمنة ، ونسأله - جل وعلا-أن يثبتنا عليه إلى يوم لقائه ليجزينا به الجزاء الأوفى . والله أعلم .
س225  ما عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن؟ مع بيان ذلك بالأدلة من الكتاب ، والسنة.
ج :
عقيدة أهل السنة والجماعة - رحمهم الله تعالى- في القرآن في ثلاث نقاط :
الأولى : أنه كلام الله ، قال - تعالى- ﴿ وإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ﴾ [التوبة:6] والمراد حتى يسمع القرآن فدل ذلك على أنه كلام الله تعالى ، وقال - تعالى- ﴿ أَلا لَهُ الْخَلْقُ والْأَمْرُ ﴾ [الأعراف:54] ففرق - تعالى- هنا بين الخلق والأمر، وهما صفتان من صفاته أضافهما إلى نفسه الكريمة ، أما الخلق: ففعله ، وأما الأمر: فقوله . والأصل في المتعاطفين التغاير إلا بقرينة ، فبان بذلك أن الأمر غير مخلوق . والأمر هو القرآن كما ثبت ذلك التفسير عن عامة السلف -رحمهم الله تعالى- وقد تقدم بعض الأدلة على إثبات ذلك الأمر في إجابة السؤال السابق . وقد انعقد الإجماع القطعي على ذلك من أهل السنة -رحمهم الله تعالى.
الثاني : أنه منزل غير مخلوق ، قال - تعالى- في آيات كثيرة ﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [الزمر:1] وقال – تعالى: ﴿ وإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء:192] وقال - تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر:9] وقال – تعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [النحل:102] وقال – تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ والْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [النساء:136] وقال – تعالى: ﴿ الـم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ والْأِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ.. ﴾ [آل عمران:1-4] والآيات في ذلك المعنى كثيرة ، وقد اتفق أهل السنة على ذلك الأمر ، وصرحوا بكفر من قال بأنه مخلوق ، قال عمر بن دينار- رحمه الله تعالى- أدركت أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن دونهم منذ سبعين سنة يقولون : الله الخالق ، وما سواه مخلوق ، والقرآن كلام الله - تعالى- منه خرج ، وإليه يعود . أ.هـ قال إسحاق بن راهويه - رحمه الله تعالى : وقد أدرك عمرو بن دينار أجلةَ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل جابر بن عبدالله ، وأبي سعيد الخدري ، وعبدالله بن عمر ، وابن عباس ، وعبدالله بن الزبير ، وأجلةً من التابعين ، وعلى هذا مضى صدر هذه الأمة ، وسند الأثرين صحيح ، وقال معاوية بن عمار الذهيني قلت لجعفر يعني: ابن محمد : إنهم يسألون عن القرآن مخلوق هو ؟ قال : ( ليس بخالق ٍ ، ولا مخلوق ، ولكنه كلام الله - عز وجل- ) ، وسنده صحيح ، وقال عبدالله بن نافع: كان مالك بن أنس إمام دار الهجرة يقول : ( كلم الله موسى ) ويقول: ( القرآن كلام الله ) وكان يستفظع قول من يقول: القرآن مخلوق " ، وسنده صحيح ، وسئل سفيان بن عيينه -رحمه الله تعالى- عن القرآن فقال: " كلام الله ، وليس بمخلوق " وسنده إليه جيد ، وقال عبدالله بن المبارك- رحمه الله تعالى: ( القرآن كلام الله - تعالى- ليس بخالق ، ولا مخلوق ) وسنده صحيح عنه ، وقال وكيع بن الجراح -رحمه الله تعالى- ( القرآن كلام الله - عز وجل- ليس بمخلوق ) وسنده صحيح عنه ، وقال يزيد بن هارون رحمه الله - تعالى- ( من قال القرآن مخلوق فهو كافر ) ، وسنده صحيح عنه ، وقال عبدالله بن إدريس الثقة الثبت : ( القرآن كلام الله ، ومن الله ، وما كان من الله - عز وجل- فليس بمخلوق ) وسنده صحيح عنه ، والآثار في ذلك كثيرة شهيرة ، ونكتفي بذلك خوف الإطالة ، والإملال .
الثالث : أن القرآن من الله بدأ ، وإليه يعود . والمراد بقولهم : ( منه بدأ ) أي أن الله - تعالى- هو الذي تكلم به ابتداءً كما قال - تعالى- ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [النحل:102] وقال - تعالى-﴿ الر ﴿ 1 ﴾ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود:1]وقال - تعالى- ﴿ وإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ [النمل:6] وكل آية فيها إثبات تنزيل القرآن من الله - تعالى- فهي دليل على أنه منه بدأ ، وأما قولهم (وإليه يعود ) ففيه تفسيران أصحهما أن المراد: أن كلام الله - تعالى- يسرى عليه في ليلةٍ فيرفع من المصاحف ، وصدور الحفاظ ، فلا تبقى في الأرض منه آية -أسأل الله - تعالى- بأسمائه الحسنى ، وصفاته العليا أن يقبض روحي ، وإياكم قبل أن يرفع كلامه من بيننا - فعن حذيفة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( يسرى على كتاب الله ليلاً فيصبح الناس ليس في الأرض ، ولا جوف مسلم منه آية ) حديث صحيح ، ومثله أيضاً حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فهذا المرفوع ، وأما الموقوف فعن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: ( يسرى على كتاب الله فيرفع إلى السماء فلا يصبح في الأرض آية من القرآن ، ولا من التوراة ، ولا من الإنجيل ، ولا من الزبور ، وينتزع من قلوب الرجال فيصبحون ، ولا يدرون ما هو ) حديث صحيح .
وعن شداد بن معقل أن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : ( لينتزعن هذا القرآن من بين أظهركم ، فقال له شداد بن معقل : يا أبا عبدالرحمن كيف ينتزع ، وقد أثبتناه في صدورنا ، وأثبتناه في مصاحفنا ، فقال ابن مسعود يسرى عليه في ليلة فلا يبقى في قلب عبدٍ منه ، ولا مصحف منه شيء ، ويصبح الناس فقراء كالبهائم ثم قرأ عبدالله ﴿ ولَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وكِيلاً ﴾ [الاسراء:86] ) وإسناده صالح . وهذان الأثران لا يقال مثلهما بالرأي لأنه من أمور الغيب فلهما حكم الرفع ، وقول السلف ( منه بدأ ) فيه رد على الجهمية الذين قالوا: بدأ من غيره ، وقولهم ( وإليه يعود ) فإنه يسرى به في آخر الزمان من المصاحف ، والصدور فلا يبقى في الصدور منه كلمة ، ولا في المصاحف منه حرف . قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- فهذا اعتقادنا في القرآن الكريم : أنه كلام الله - تعالى- وأنه منزل غير مخلوق ، وأنه من الله بدأ ، وإليه يعود ، وهذا ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا ، وندرسه لطلابنا في الحلقات والمدارس . والله أعلم .
س226  هل يصح إطلاق القول بأن لفظي بالقرآن مخلوق أو قول لفظي بالقرآن غير مخلوق ؟ وضح ذلك بالتفصيل ؟
ج:
لا يصح إطلاق القول بهذا ، ولا بهذا ، ولا التحدث به أصلاً بل الواجب السكوت عنه ، وعدم الخوض فيه ، وهذا هو الأسلم للمرء في دينه، لكن إذا ابتليت بمن يسأل عنه ، أو ثارت فتنة في زمنك قيل فيها أحد هذين القولين فأجب بما يلي :
أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة: أن الألفاظ الجملة لا تقبل مطلقاً ، ولا ترد مطلقاً ، وإنما هي موقوفة على الاستفصال ليتميز حقها من باطلها فيقبل الحق ، ويرد الباطل ، وهاتان الكلمتان الواردتان في السؤال هما من الألفاظ المجملة ، فمن أطلق القول: بأن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة فهو جهمي . ومن أطلق القول: بأن ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة مبتدع . هكذا ورد عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - رحمة الله عليه وعلى سائر علماء أهل السنة - فالأمر فيه تفصيل إذ أنه لا بد أن يفرق بين اللفظ ، والملفوظ به ، فمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق . إن كان يقصد لفظه هو من نبرات صوته ، وحركة لسانه ، ولهاته فهذه لاشك أنها مخلوقة ، وإن كان يقصد الملفوظ به فهو قول باطل ؛ لأن ما تلفظ به هو القرآن ، وهو كلام الله منزل غير مخلوق ، ، فالصوت والألحان صوت القارئ ، لكنما المتلو قول البارئ . وأصل هذه الكلمة إنما قالها المعتزلة ، وذلك أنه لما خبت نارهم ، وانكسرت شوكتهم في عهد المتوكل - رحمه الله تعالى- ولم يستطيعوا أن يصرحوا بمذهبهم في القرآن كما كانوا يصرحون به في عهد المأمون ، والمعتصم ، والواثق ، بحثوا عن كلمة مجملة يستطيعون بها نفث سمومهم بين أهل السنة من حيث لا يشعر بهم أحد فبدل أن يقولوا : القرآن مخلوق ، قالوا : ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ، فاستعجل بعض الغيورين من أهل السنة - عفا الله عنه - وأراد أن يرد كلمتهم هذه بما يناقضها فقال:( ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة ) وكلا الإطلاقين مجمل كما تقدم ، وقد تبين لنا أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق إن كان يقصد صوته هو من نبرات كلامه ، وحركات لسانه ، وشفتيه ، ولهاته ، وفكيه فهذا صحيح ، وإن كان يقصد الملفوظ به ، والمقروء ، والمتلو فهذا باطل ، وهو ما يريده المعتزلة بقولهم هذا ، لكنهم تستروا ، وراء هذه اللفظة المجملة ، ولذلك قال أهل السنة:من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي لأن القرآن - وإن كتب في المصاحف ، وقرئ بالألسنة ، وحفظ في الصدور - فإنه لا يخرج بذلك عن كونه كلام الله منزل ، غير مخلوق من الله بدأ ، وإليه يعود.
وأما من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فلا يخلو من حالتين إن كان يقصد بذلك ما تلفظ به أي الملفوظ ، والمقروء ، والمتلو فهذا صحيح لا غبار عليه ، وهو عين اعتقاد أهل السنة - رحمهم الله تعالى- وإن كان يقصد صوته هو ، وحركات لسانه ، ولهاته ، وشفتيه ، وفكيه فهذا باطل ؛ لأن هذه الأشياء مخلوقة . وبهذا التفصيل أجاب أهل السنة عن هذه الألفاظ المجملة ، وهذا هو الحق في هذه المسألة ، وهو الذي نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا . والله- تعالى- أعلى وأعلم .
س227  بماذا استدل من ذهب إلى القول بأن القرآن مخلوق؟ مع بيان الجواب على هذه الشبه .
ج :
لا دليل لهم على ذلك ، وإنما هي خيالات
، وشُبَهٌ توهموها بفهمهم الفاسد ، ومذهبهم الرديء العاطل الكالح الباطل ، فهم يتبعون المتشابه ، ويتركون المحكم ، ويعملون بالمجمل ، ويتركون المبين ، ويلوون أعناق الأدلة ، ويحملونها ما لا تحتمل لتتوافق مع قولهم الفاسد البائر فمن ذلك قولهم : قال - تعالى- ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الزمر:62] والقرآن شيء من الأشياء فهو داخل في عموم هذا النص ، فيكون مخلوقاً . فأجاب أهل السنة على ذلك الاستدلال بأن عموم ( كل ) لا تقتضي دخول الأشياء جميعها ، فإن صيغ العموم يكون عموم كل منها بحسبه ألا ترى إلى قوله - تعالى- عن بلقيس ملكت سبأ ﴿ وأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النمل:23] فإنه لا يفهم عاقل أنها أوتيت كل الأشياء فإنها لم تؤتَ ما أوتي سليمان - عليه السلام - وإنما المراد أنه﴿ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يحتاجه الملوك في الغالب ، وكذلك قوله - تعالى- في ريح عاد ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ [الاحقاف:25] ونعلم عقلاً ، وحساً أنها لم تدمر السماوات ، والأرض ، والجبال ، والجمادات بل حتى المساكن لم تدخل في هذه الكلية قال - تعالى- ﴿ فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ﴾ [الأحقاف:25] فدل ذلك على أنها ، إنما دمرت كل شيء أمرت بتدميره ، وكذلك قوله - تعالى- ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فإن معناه عموم خلقه لما يصلح أن يكون مخلوقاً ، وهو هذه العوالم العلوية ، والسفلية من أرضها ، وسمائها ، وأفلاكها ، وملائكتها ، وإنسها ، وجنها ، وحيواناتها ، وشجرها ، ونباتها ، ومائها ، ونحو ذلك مما يصلح أن يوصف بكونه مخلوقاً ، لكن الله - تعالى- بصفاته هو الخالق - جل وعلا- وما سواه مخلوق ، ومن صفاته كلامه ، والقرآن من كلامه فلا يكون مخلوقاً ، إذ كيف - بالله عليك - يكون شيء من صفاته مخلوقاً؟ وقال أهل السنة أيضاً : أيها المعتزلة هل أنتم تقولون: إن أفعال العباد الصادرة منهم شيء أم ليست بشيء ؟ بالطبع سيقولون: هي شيء من الأشياء ، فقل لهم : فأنتم تخرجونها عن كونها مخلوقة لله - تعالى- فأين حرصكم على الاستدلال بقوله ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وقد أخرجتم منه أفعال العباد فقلتم : لم يخلقها الله مع أنها شيء باعترافكم ، وتدخلون كلام الله - تعالى- في هذا الدليل لأنه شيء من الأشياء . هذا- واللهِ- عين التناقض فإنكم بذلك قد أخرجتم من العموم أفعال العباد ، وهي داخلة فيه بالإجماع ، وأدخلتم في العموم كلام الله ، وهو خارج منه بالإجماع . فأين عقولكم ؟ فحق هؤلاء شفقة بهم ، وإحساناً إليهم أن يدخلوا في المصحات العقلية لأخذ العلاج اللازم - عافانا الله ، وإياكم من كل بلاء - وقال أهل السنة أيضاً : أيها المعتزلة : قال - تعالى- ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ ﴾ [الأنعام:19] فهذا يثبت أن الله - تعالى- شيء ، وصفاته شيء ، وهو أكبر الأشياء - جل وعلا- فهل يدخل في هذا العموم ؟ بالطبع سيقولون: لا . فقل: إن القرآن كلام الله ، وكلامه صفته ، وصفته غير مخلوقة فكيف أدخلتموه في هذا العموم ؟ والله أعلم .
ومن أدلتهم : أيضاً قوله - تعالى- ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ [الزخرف:3] فقالوا : الجعل هنا هو الخلق فيكون المعنى إنا خلقناه قرآنا عربياً ، فقال أهل السنة ، وهذا الاستدلال أيضاً ساقط ، وما فهمتموه من الدليل ليس بشيء ، وبيان ذلك أن :
( جعل ) في اللغة العربية لها معانٍ: فتأتي بمعنى ( خلق ) ، وتأتي بمعنى ( صَيَّر ) ، والقاعدة فيها : أن ( جعل ) إذا كانت لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد فهي بمعنى ( خلق ) ، وإذا كانت تتعدى إلى مفعولين فهي بمعنى ( صَيَّر ) فمن أمثلة مجيئها بمعنى خلق قوله - تعالى- ﴿ وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ ﴾ [الأنعام:1] فهنا بمعنى( وخلق الظلمات والنور ) لأنها لم تتعدَ إلا لمفعول واحد ، ومنه قوله - تعالى- ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ [الأعراف:189] أي: وخلق منها زوجها لأنها لم تتعدَ إلا إلى مفعول واحد فقط .
وأما إذا تعددت إلى مفعولين فإنها تكون بمعنى (صَيَّر ) ، ومن ذلك قوله - تعالى- ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ومَا خَلْفَهَا ﴾ [البقرة:66] فإن المفعول الأول ( ها ) في قوله : ( فجعلناها ) ، والمفعول الثاني ( نكالاً ) فيكون هنا بمعنى فصيرناها نكالاً ، ومنه قوله - تعالى- ﴿ وجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً ﴾ [الزخرف:19] فإن المفعول الأول ( الملائكة ) ، والمفعول الثاني ( إناثاً ) فتكون بمعنى صير أي: (وصيروا الملائكة باعتقادهم الفاسد إناث ) ، ومنه قوله - تعالى- ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (الزخرف:3 ) فالمفعول الأول الضمير ، والمفعول الثاني ( قرآناً ) والمعنى إنا (صيرنا أو قلنا قرآناً عربياً ) هذا تفهمه العرب من كلامها ، ولا عبرة بفهم الأعاجم ، والأنباط ، وسقطة فارس ، والروم - وبالله عليك- هل يفهم عاقل من قوله - تعالى- ﴿ وجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ ﴾ [الزخرف:19] أي: وخلقوا الملائكة ؟ ومن قوله - تعالى- ﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [الفيل:5] أي: فخلقهم كعصف مأكول؟ هل يفهم عاقل أن ( جعل ) هنا بمعنى خلق ؟ولكن المعتزلة قوم بهت - والله يحفظنا ، وإياك من زلل القول ، والفهم . والله أعلم .
ومن أدلتهم أيضاً : قوله - تعالى- ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ [الأنبياء:2] ، ومثلها قوله - تعالى- ﴿ ومَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴾ [الشعراء:5] فقالوا : والمحدث هو المخلوق ، فقال أهل السنة - رحمهم الله تعالى: إن قوله ( مُحْدَثٍ ) من الحدوث ، وهو كون الشيء بعد أن لم يكن . والقرآن العظيم حين كان ينزل ، كان كُلَّما نزل منه شيء كان جديداً على الناس لم يكونوا علموه من قبل ، فهو محدث بالنسبة إلى الناس . ألا تراه قال: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ ﴾ ؟ فهو محدث إليهم حين يأتيهم ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - ( إن الله يحدث لنبيه ما شاء ، وإن مما أحدث لنبيه أن لا تكلموا في الصلاة ) فهل يكون المعنى : إن الله يخلق لنبيه ما شاء ؟ بالطبع لا . وإنما المراد: أنه - تعالى- يشرع من التشريع الجديد ما شاء، وإن مما شرع ألا تكلموا في الصلاة ، فقوله: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ أي: بالنسبة إلى العباد أي جديد عليهم ، فيكون المعنى : أنه ( كلما أتاهم ذكر جديد من ربهم أي نزل عليهم شيء جديد من القرآن استمعوه وهم ساهون غافلون لاعبون متشاغلون معرضون ) فليس المحدث هنا هو المخلوق ، قال أبو العباس - قدس الله روحه : ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي ، ولكنه الذي نزل جديداً فإن الله كان ينزل القرآن شيئاً بعد شيء ، فالمنزل أولاً هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخراً ، وكل ما تقدم على غيره فهو لغة العرب ) أ.هـ
ومن أدلتهم أيضاً : قوله تعالى في عيسى- عليه الصلاة والسلام- ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ﴾ [النساء:171] ، وقال - تعالى: ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ [آل عمران:45] وعيسى مخلوق فتكون الكلمة مخلوقة ، فقال أهل السنة : إن عيسى- عليه الصلاة والسلام- ليس هو ( كن ) ، وإنما هو المكون بـ ( كن ) كما قال - تعالى- ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران:59] ، وقال – تعالى- ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران:47] فكلمة الله هي قوله ( كن ) ، وهذه ليست هي عين عيسى- عليه السلام- حتى تكون هذه الكلمة مخلوقة ، وإنما عيسى هو أثرها المقصود بقوله ( فيكون ) فعيسى - عليه السلام- تكوَّن بـ ( كن ) ، وليس عين ( كن ) فالمعتزلة فهموا أن عيسى هو بعينه ( كن ) ، وهذا فهم بعيد عن الآية لا تدل عليه أبداً ، فعيسى - عليه السلام- مخلوق خلقه الله بأمره حين قال له: ( كن ) فتكوَّن بهذه الكلمة هذا ما فهمه السلف ، وفهمهم حجة على من بعدهم بل هذا هو عين المراد ، والله أعلم .
هذه هي مجمل حججهم ، وأنت ترى أنها مبنية على الفهم الخاطئ من بعض الآيات ، - والله يهدي القلوب ، ويثبتنا على الاعتقاد الحق - وهو أعلى وأعلم .
س228  ما لدليل على أن كلام الله - تعالى- بحرف ؟
ج : الدليل على هذه المسألة أوضح من شمس النهار التي أحرقت ، وأعمت عيون الخفافيش من المبتدعة.
ألا ترى أن الله - تعالى- قال في القرآن ﴿ الم ﴾ ، و ﴿ المص ﴾ ، و ﴿ كهيعص ﴾ ، و ﴿ حم * عسق ﴾ فهل هذه إلا حروف ، وهي كلام الله - تعالى- ، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال : بينما جبريل عند النبي الله - صلى الله عليه وسلم - سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال ( هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك ، فقال: وهذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم ، فسلم ، وقال : " أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك ، فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته ) والشاهد منه قوله ( لن تقرأ بحرف منها ) فأطلق على الفاتحة ، وخواتيم سورة البقرة بأنها حروف ، وهي كلام الله فدل ذلك على أن كلامه - جل وعلا-بحرفٍ ، وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : ( تعلموا القرآن فإنه يكتب بكل حرف عشر حسناتٍ ، ويكفر به عشر سيئات أما إني لا أقول ( الم ) ولكن أقول : ألف عشر ، ولام عشر ، وميم عشر ) حديث صحيح موقوف ، لكن حكمه حكم الرفع لأن مثله لا يقال بالرأي ، ويروى مرفوعاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه ( لا أقول " الم " حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف ) ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - ( ما يمنع أحدكم إذا رجع من سوقه أو من حاجته إلى أهله أن يقرأ القرآن فيكون له بكل حرفٍ عشر حسنات ) وسنده جيد ، ولذلك قال أهل السنة : إن من كفر بحرف منه فقد كفر به كله ، فهذا يفيدك أن كلام الله - تعالى- بحرف ، وهذا ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا . والله أعلم .
س229  هل يصح أن يقال: إن بعض القرآن أفضل من بعض ؟ وضح ذلك بالأدلة ؟
ج : هذا السؤال مجمل ، وقد تقرر في أجوبة كثيرة أن اللفظ المجمل يحتاج إلى تفصيل فنقول :
لا يتفاضل باعتبار المتكلم به ؛ لأن المتكلم به هو الله - تعالى- ، فالقرآن كله حروفه ، ومعانيه من الله - تعالى- من الفاتحة إلى الناس فالمتكلم به واحد ، فهو بهذا الاعتبار لا يتفاضل لأن التفاضل إنما يكون بين شيئين أو أكثر فيقال : هذا أفضل من هذا ، والذي تكلم بالقرآن هو الله - تعالى- وهو واحد في ذاته ، وصفاته - جل وعلا- وإن كان المقصود بالتفاضل أي باعتبار دلالة الكلام ، وما يحمله من المعاني العظيمة فهو بهذا الاعتبار يتفاضل ، فإذاً نقول : هنا اعتباران : فأما باعتبار المتكلم به فلا تفاضل ، وأما باعتبار دلالته ، ومعانيه فإنه يتفاضل ، وعلى ذلك وردت الأدلة ، فقد روى النسائي من حديث أنسٍ - رضي الله عنه - قال : ( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسيرٍ له فنزل، ونزل رجل إلى جانبه فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ألا أخبرك بأفضل القرآن ؟ قال فتلا عليه ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وسنده صحيح .
وعن أبي سعيد بن المعلى - رضي الله عنه - قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي ، فقال: ألم يقل الله - تعالى- ﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم ﴾ [الأنفال:24] ( ثم قال لي لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له : ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ؟ فقال ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ هي السبع المثاني ، والقرآن العظيم الذي أوتيته ) [رواه البخاري] ، وغيره ، وعن أبيُّ بن كعب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( يا أبا المنذر أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال : قلت: الله ورسوله أعلم ، قال يا أبا المنذر: أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم قال: قلت : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) قال: فضرب في صدري وقال ( والله ليهنك العلم أبا المنذر ) ) رواه مسلم في صحيحه ، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الاخلاص:1] يرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له ، وكأن الرجل يتقالها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ) [البخاري ، وغيره] وقال الشيخ تقي الدين : والصواب الذي عليه جمهور السلف ، والأئمة أن بعض كلام الله أفضل من بعض كما دل عليه الشرع والعقل. أهـ وهو ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا . والله أعلم .
س230  ما مذهب أهل السنة في صفة الاستواء؟ مع بيانها بالدليل . وهل هو من صفات الذات أم الفعل ؟
ج :
يعتقد أهل السنة - رحمهم الله تعالى- أن الله - تعالى- استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله ، وعظمته.
قال - تعالى- ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الرعد:2] ، وقال ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طـه:5] وقد ورد إثبات ذلك لله - تعالى- في سبع آيات من القرآن جمعها الناظم بقوله :
في السجدة الرعد الحديد ، ويونس ، وبطه ، والأعراف ، والفرقان
قال - تعالى- في سورة السجدة : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [السجدة:4] ، وقال - تعالى- في سورة الرعد: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الرعد:2] ، وقال - تعالى- في سورة الحديد : ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الحديد:4] ، وقال - تعالى- في سورة الأعراف : ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الأعراف:54] ، وقال - تعالى- في سورة طه : ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طـه:5] ، وقال - تعالى- في سورة يونس : ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [يونس:3] ، وقال - تعالى- في سورة الفرقان : ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ [الفرقان:59] وقد أجمع أهل السنة - رحمهم الله تعالى- على إثبات هذه الصفة ، وأنه استواء حقيقة على ما يليق بجلاله ، وعظمته - تعالى الله وتقدس عن مماثلة خلقه في شيء من صفاته - جل وعلا- والاستواء من الصفات الفعلية . وهذا ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا . والله أعلم .
س231  ما معاني الاستواء في لغة العرب ؟ مع تأييدها بالدليل .
ج :
الاستواء يختلف معناه في اللغة باختلاف وروده مطلقاً أو متعدياً بحرف.
فإن ورد مطلقاً فيكون بمعنى النضج ، والكمال . ومنه قوله - تعالى- ﴿ ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وعِلْماً ﴾ [يوسف:22] أي لما بلغ كماله ، وتمامه . وإذا ورد مقيداً ب( إلى ) فيكون معناه القصد بإرادة تامة ، ومنه قوله - تعالى- ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ، وهِيَ دُخَانٌ ﴾ [فصلت:11] أي قصدها بالإرادة التامة .
وإذا ورد مقيداً بالواو فهو بمعنى المساواة ، ومنه قول العرب : استوى الماء ، والخشبة أي ساواها ، وقول البعض استوى محمد ، وبكر في العلم ، أي تساويا في العلم ، وهكذا .
وإذا ورد مقيداً بـ ( على ) فإنه يكون بمعنى العلو ، والاستقرار ، والفوقية ، ومنه الآيات السبع المذكورة في إجابة السؤال السابق . فاستواء الله - تعالى- على عرشه معلوم معناه في اللغة ، لكنه مجهول الكيف ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . والله أعلم .
س232  ما العلة في إنكار كثير من الفرق لهذه الصفة مع ثبوتها بالأدلة الصحيحة الصريحة المتواترة ؟
ج :
العلة في ذلك أنهم مثلوا استواء الله على عرشه باستواء المخلوق على كرسيه أو على ظهر الفلك ، والدابة فاستوجب لهم ذلك لوازم باطلة فأرادوا أن يفروا منها ، فلزم عليهم أن الله محتاج إلى العرش ، وأنه يكون محيطاً به ، وأنه لو أبعد العرش لخرَّ الرب كذا قالوا بكل وقاحة ، وقلة أدب ، فلم يجدوا إلا أن يحرفوا هذه الصفة بالاستيلاء ، فقالوا : معنى استوى استولى ، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه ، ويلزم منه أن العرش كان مملوكاً لغيره - جل وعلا- ثم استولى عليه ، وهو مخالف لدلالة اللغة ، ومخالف لمنهج السلف . والأدهى ، والأمر:أنهم يحرفون نصوص الاستواء ، ويخرجونها عن دلالتها لبيت من الشعر لا يعرف قائله .كل ذلك سببه لأنهم مثلوا استواء الله على عرشه باستواء المخلوق على ظهور الفلك ، والرواحل ، ولو أنهم قالوا بما قال به أهل السنة لما لزم عليهم هذه اللوازم الباطلة التي بنيت على باطل ، فالقوم يتقلبون من باطلٍ إلى باطل - نعوذ بالله من حال أهل الأهواء والبدع . والله أعلم .
س233  ما مذهب أهل السنة في صفة العلو إجمالاً ؟ وهل هو صفة ذاتٍ أم فعل ؟
ج :
يعتقد أهل السنة اعتقاداً ،جازماً ، لا ريب فيه أن الله - تعالى- في العلو المطلق بذاته - جل وعلا- وأنه من صفاته الذاتية التي لا تنفك عنه أزلاً ، وأبداً ، وهذه الصفة من الصفات التي أشتد فيها خلاف أهل القبلة من أمة الإجابة ، أفردها بعض أهل السنة بمؤلفات خاصة ككتاب ( العلو للعلي الغفار ) للإمام الذهبي ، و( اجتماع الجيوش الإسلامية ) للإمام ابن القيم ، وغيرها من الكتب فالله - تعالى- له العلو المطلق في ذاته ، وصفاته ، ونعني بعلو الصفات: أن كل صفة أثبتها النص له - جل وعلا-فله كمالها المطلق - جل وعلا- فالعلو بكل اعتباراته ثابت لله - تعالى- وهو من صفاته الذاتية . وهذا ما نعتقده بقلوبنا ، وننطقه بألسنتنا . والله أعلم .
س234  ما أوجه دلالة النقل على إثبات هذه الصفة العظيمة ؟
ج :
  لقد تنوعت دلالة النقل على إثبات هذه الصفة تنوعاً لا يدع لدى العاقل أدنى مجال للشك في أن الله - تعالى- متصف بها ، ولا يخالف في إثباتها إلا أعمى القلب أعمى البصر ..
فمن الأوجه : التصريح بها كقوله - تعالى- ﴿ وهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [الشورى:4] ، وقوله - تعالى- ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى:1]
ومن الأوجه : التصريح بالفوقية لقوله - تعالى- ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [النحل:50]، وقال - تعالى- ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الفتح:10] ، وفي الحديث ( لقد حكمت فيكم بحكم الله من فوق سبع سماوات )
ومن الأوجه : التصريح بأن الأشياء تنزل من عنده كقوله - تعالى- ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر:9] ، وقوله - تعالى- ﴿ ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء ﴾ [النحل:89] والآيات في هذا المعنى كثيرة .
ومن الأوجه : التصريح بصعود الأشياء ، ورفعها إليه كقوله - تعالى- ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر:10] ، وقوله - تعالى- عن عيسى ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ﴾ [النساء:158] ، وكحديث عروجه - صلى الله عليه وسلم - الطويل إلى السماء السابعة ، وفرض الصلاة عليه هناك .
ومن الأوجه : التصريح بعروج الملائكة ، والأمر إليه كقوله - تعالى- ﴿ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ [المعارج:4] ، وقوله - تعالى- ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [السجدة:5] ولا تعرج إلا لمن كان في العلو .
ومن الأوجه : التصريح بأنه استوى على العرش . والعرش هو سقف المخلوقات ، وأعلاها كما في الآيات التي سقناها في إثبات صفة الاستواء .
ومن الأوجه : التصريح بأنه في السماء كقوله - تعالى- ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ [الملك:16ـ17] ، وكقول الجارية ( في السماء ) وأقرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وشهد لها بالإيمان .
ومن الأوجه : التصريح بأنه ترفع إليه الأيدي في الدعاء كحديث ( إن الله - تعالى- يستحي من عبده إذا رفع اليدين أن يردهما صفراً ) ولا ترفع إلا لمن كان في العلو .
ومن الأوجه : التصريح بأنه ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر كما سيأتي سياقه في الأحاديث إن شاء الله - تعالى- ولا ينزل إلا من كان في العلو .
ومن الأوجه : الإشارة الحسية إليه إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم بربه ، وما يجب له ، ويمتنع عليه من جميع البشر لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم قال لهم : إنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ، وأديت ، ونصحت فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء ، وينكبها إليهم قائلاً اللهم اشهد ، اللهم اشهد ) ، وغير ذلك من الأوجه ، فإنها تدل دلالة قطعية على إثبات هذه الصفة لله - تعالى- لا، كما يقوله المعطلون الجاحدون المخالفون للمنقول ، والمناقضون للمعقول . وفي صحيح البخاري عن أنس - رضي الله عنه - قال : كانت زينب تفتخر على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقول : زوجكن أهاليكن ، وزوجني الله من فوق سبع سماوات ) وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ( لما خلق الله الخلق كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي ) ، وقال- عليه الصلاة والسلام- في رقية المريض ( ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض ، كما رحمتك في السماء أنزل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين ، أنزل رحمة من رحمتك ، وشفاء من شفائك على هذا الوجع ) رواه أبو داود في كتاب الطب .
وفي الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم – قال: ( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ) وفي الصحيح من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته ( رفع يده أو إصبعه إلى السماء ، وقال في الرفيق الأعلى ثلاثاً ثم قضى ) ، والأدلة من السنة على هذه الصفة لا تكاد تحصر . فراجع الكتب التي ذكرت لك للاستزادة من البراهين الساطعة ليزداد اطمئنان قلبك ، وتكون على نور ، وبصيرة . والله أعلم .

س235 هل دل العقل، والفطرة على إثبات هذه الصفة ؟
ج :
نعم، قد دل الدليل العقلي، والفطري على إثبات هذه الصفة.
فأما الدليل الفطري: فإن من المتقرر في الفطر السليمة التي لم تتلوث من بعض أهل الكلام، أن الله - تعالى- في العلو، فإن من قام بقلبه حاجة، وحلت عليه ضرورة، وأراد أن يدعو الله - تعالى- بكشف حاجته، وما به من ضر، قلبه لا يتجه إلى أسفل، ولا إلى اليمين، ولا الشمال، ولا إلى الخلف بل يجد في قلبه ضرورة طلب جهة العلو، ولذلك نجده من حيث يشعر أو لا يشعر يتجه ببصره، ورأسه، ويديه إلى السماء؛ لأن فطرته تعلم جزماً أن مفرج الكربات، وقاضي الحاجات، ومغيث اللهفات في العلو، ولا عبرة بمن تلوثت فطرته، وأفسدت بالشبهات التي يمليها شياطين الإنس والجن, فهذا أمر لا تنكره الفطرة بل قد استقرأوها عليه.
وأما دلالة العقل فمن وجوه:
الأول: أن ضد العلو السفل أو المحاذاة . والسفل نقص . والمحاذاة توجب المساواة، وهي نقص في حق الله - تعالى- والله منزه عن النقص، فحيث انتفى السفل، والمحاذاة ثبت العلو، وهو المطلوب .
الثاني: أن البشر يستشرفون أن يكونوا في العلو لعلمهم أنها كمال، ولذلك تجد علية القوم من الملوك، والأمراء يعلون بنيانهم، ويكونون في أعلاه، ويتشرف أحدهم إذا اجتمعت رعيته في الشوارع أن يشرف عليهم من أعلا شرفات قصره ليكلمهم، ويأمرهم، و ينهاهم - ولله المثل الأعلى- فهو ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض العلي الأعلى، فحيث كان ذلك كمالاً في المخلوق فالخالق أحق أن يتصف به؛ لأن كل كمالٍ ثبت للمخلوق لا نقص فيه فالله أحق بالاتصاف به . والله أعلم.
س236 ما مذهب أهل السنة في صفة المعية؟ مع بيان أقسامها. موضحاً ذلك بالأدلة .
ج :
يعتقد أهل السنة، والجماعة - رحمهم الله تعالى- أن الله - جل وعلا- مع خلقه معيةً تليق بجلاله، وعظمته، وأنها قسمان:
معية عامة، ومعية خاصة، فالمعية العامة من مقتضياتها: العلم، والإحاطة، والهيمنة، والقدرة، والتدبر.
والمعية الخاصة من مقتضياتها: الحفظ، والنصر، والتأييد، فمن أدلة العامة قوله - تعالى- ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4] وقوله - تعالى- ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ ولا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ ولا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾ [المجادلة: 7] وأما الخاصة فمن أدلتها قوله - تعالى- ﴿ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة:40] وقوله - تعالى- ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأَرَى ﴾ [طـه: 46] وقوله - تعالى- ﴿ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ﴾ [الشعراء: 15] وهذه معية خاصة مخصوصة بشخص، ومنه المعية الخاصة المقيدة بوصف كقوله - تعالى- ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128] وقوله تعالى ﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46] وأمثال ذلك . وكلها حق على حقيقتها على ما يليق بجلاله، وعظمته. وتفسير السلف - رحمهم الله تعالى- للمعية العامة بالعلم، والإحاطة، والهيمنة، والتدبر، وتفسيرهم للخاصة بالنصر، والتأييد، والحفظ ليس تفسيراً بالحد الجامع المانع، وإنما هو تفسير للشيء ببعض مقتضياته، وإلا فالقول الجامع في هذه الصفة أن يقال: إن من صفاته: المعية فنحن نثبتها لله - تعالى- من غير تمثيل، ولا تكييف، ومن غير تحريف، ولا تعطيل؛ لأن الله - تعالى- ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]فبيان ذلك أن معية الله لخلقه ثابتة بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف، وأنها حق على حقيقتها، لكنها معية تليق بجلاله، وعظمته، ولا تشبه معية المخلوق للمخلوق، وأنها لا تقتضي أن يكون الله - تعالى- مختلطاً بالخلق، أو حالًّاً في أمكنتهم . والله أعلم.
س237 هل هناك تعارض بين كونه - تعالى- فوق عرشه في العلو المطلق، وأنه معنا ؟ وضح الجواب .
ج :
لا تعارض في ذلك البتة، لكن احذر من أن ينقدح في ذهنك مماثلة الله في صفاته بخلقه، فإنه لا يتعارض إلا في ذهن من جعل صفات الباري وقدرته كصفات خلقه وقدرتهم، وأما من قدّر الله حق قدره، وعلم علمَ اليقين أنه ليس كمثله شيء فإنه أبداً لا يمكن أن يثور في شيء من هذه الإشكالات الباردة التي يوردها نفاة الأسماء، والصفات . وقد جمع العلماء بين ذلك فقالوا: الجمع بين ذلك من وجوه:
الأول: أن الأدلة جمعت بينهما، والأدلة لا يمكن أن تأتي بالمحال أبداً، فهي، وإن أتت – أحياناً- بما يحار فيه العقل لكنها لا تأتي أبداً بما يتعارض مع العقول السليمة من الآفات الدخيلة .
الثاني: أن العلو، والمعية قد يجتمعان في حق المخلوق الضعيف، والعاجز، فإن العرب تقول في أسفارها: مازلنا نسير، والقمر معنا، والقمر في العلو، ومع ذلك يقولون: إنه معنا ,فإذا كان ذلك متصوراً في حق المخلوق العاجز الضعيف، أفيكون محالاً في حق الخالق القادر القوي من كل وجه الثالث: سلمنا جدلاً أنه ممتنع في حق المخلوق، فإن امتناعه في حق المخلوق لا يلزم منه امتناعه في حق الخالق ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهو العلي في قربه، ودنوه، والقريب في علوه، وفوقيته - جل وعلا- . والله أعلم .
س238 هل تجوز الإشارة الحسية عند ذكر شيء من صفات الله - تعالى- ؟ وضح ذلك بالدليل .
ج:
لا يخلو الأمر من حالتين:
الأولى: إن أريد بهذه الإشارة عين المماثلة فهي حرام؛ لأن المتقرر عند أهل السنة، والجماعة أننا لا نعلم كيفية صفات الله - تعالى- وأن الله ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفواً أحد، وليس له سمي، ولا ند، ولا نظير، فإذا كان مقصود صاحب هذه الإشارة أن هذا هو عين كيفية صفة الله - تعالى- فهو حرام - ولا شك في ذلك.
الثانية: وأما إن كان يقصد بذلك إرادة تحقيق إثبات الصفة لله - تعالى- فهذا لا بأس به، لكن من الأحسن تركه سداً لذريعة انقداح المماثلة، وخصوصاً عند العوام الذين يخشى عليهم من ذلك، والدليل على جوازه ما رواه أبو داود في سننه بسند قوي على شرط مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:( رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ قوله - تعالى- ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ [النساء: 58] ويضع إصبعه . قال يونس: ووضع أبو هريرة إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه) قال البيهقي - رحمه الله تعالى- " وأراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السمع، والبصر لله - تعالى- لبيان محلهما من الإنسان " أ.هـ.
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال وهو على المنبر: ( يقبض الله سمواته فيأخذهن بيمينه، ويقبض الأرضين، ويأخذهن بيده الأخرى ثم يهزهن، ويقول: أنا الملك، فقبض النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويهزهما فاهتز أصل المنبر، حتى أني أقول: أساقط هو برسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ وهذه الإرادة حقيقة الهز لا أن الهز كالهز أي كما أن هذا هو الهز الصادر مني على وجه الحقيقة فأنا أريد حقيقة الهز الصادر من الله - تعالى- على وجه الحقيقة، ولكن على الكيفية التي لا يعلمها إلا الله - تعالى . والله أعلم.
س239 ما مذهب أهل السنة في صفة النزول ؟مع بيان ذلك بالدليل.
ج :
يعتقد أهل السنة، والجماعة أن الله - جل وعلا- ينزل في ثلث الليل الآخر نزولاً يليق بجلاله وعظمته، وأنه من الصفات الفعلية، وقد تواتر الدليل من السنة بإثباته فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل ربنا - عز وجل- إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟) وقد روى هذا الحديث عدة من الصحابة منهم: أبو سعيد الخدري، وجابر ابن عبدالله، ورفاعة بن عرابة الجهني، وجبير بن مطعم، وعثمان بن أبي العاص، وأبو الدرداء، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وابن عباس، وأم المؤمنين عائشة، وأم سلمة، وعبادة بن الصامت، وغيرهم - رضي الله عنهم وأرضاهم- بألفاظ مختلفة، لكنها متفقة في إثبات صفة النزول لله - تعالى- فيجب الإيمان بها، وتفويض كيفيتها إلى الله - عز وجل .
قال الناظم:

والله ينـزل دون كيف يا فتى    نحو السماء إذا مضى الثلثان
فيقول هل من سائل فأجيبه    هل من منيب طالب الغفران

وعلى إثباتها أجمع أهل السنة والجماعة، فنثبتها لله - جل وعلا- من غير تحريف، ولا تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ونقول: إن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
س240  ماذا قال أهل البدعة في هذه الصفة ؟ مع بيان الجواب على ذلك .
ج :
المبتدعة - أبعدهم الله تعالى- قد أبت نفوسهم قبول وصف الله - تعالى- بهذه الصفة، ورأوا بأفهامهم الفاسدة وعقولهم الكاسدة أن إثبات ذلك لله - تعالى- يوجب اتصافه بالنقص، ففروا من إثباتها إلى تحريفها وتعطيلها فقالوا: إن إضافة النزول إلى الله - تعالى- إضافة مجازية لا حقيقة، وإنما الذي ينزل أمره، أو رحمته، أو ملك من الملائكة، وأما الله - تعالى- فإنه منزه عن النـزول، وهذا هو شأنهم في سائر الصفات التي لا تتوافق مع مذاهبهم وعقولهم, فقال أهل السنة جوابنا على ما قلتموه من عدة أجوبة:
الأول: أن فهمكم هذا مخالف لما فهمه السلف، وأجمعوا عليه فهو باطل لأنه مخالف للحق، وما خالف الحق فهو باطل .
الثاني: أنه صرف للفظ عن دلالته الظاهرة إلى شيء آخر بلا دليل أو قرينة صارفة، وقد تقرر أن الأصل هو البقاء على الأصل والظاهر حتى يرد الناقل.
الثالث: أنكم جعلتم في الكلام شيئاً محذوفاً، والأصل عدم الحذف وعدم التقدير، ومخالف الأصل عليه الدليل .
الرابع: أن أمر الله ورحمته نازلة بالليل والنهار، فلم قيدتم نزولهما في هذا الوقت فقط ؟ إن هي إلا أهواء أتبعتموها أنتم وأسلافكم، ما نزل الله بها من سلطان.
الخامس: هل يتصور - بالله عليكم- أن يقول الأمر، والرحمة، والملك: من يسألني فأعطيه، من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له. فهل يمكن أن يصدر هذا الكلام من أحدٍ إلا الله - عز وجل- فهو الذي يعطي السائلين، ويجيب الداعين، ويغفر للمستغفرين، فالقوم – أصلاً- لم يفكروا بعقولهم في عواقب تحريفهم هذا، وإنما همهم: كيف الفرار من إثبات هذه الصفة فقط؟ فوقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ذلك . والله أعلم.
س341  قد يتوهم البعض في قوله - تعالى- ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: 16] وما شابهها، وقول الجارية لما سئلت: أين الله قالت: ( في السماء ) أن الله - تعالى- داخل السماء أي أنها تقلُّهُ أو تظلهفما الجواب لإزالة ذلك الإيهام ؟
ج: أقول: هذا الوهم لا يرد إلا في ذهن من لم يقدر الله - تعالى- حق قدره، ولم يعرف أنه - تعالى- العظيم في ذاته وصفاته وأفعاله، ومع ذلك فقد كشف أهل السنة النقاب عن هذا الوارد فقالوا: جوابنا من وجهين:
الأول: أن حرف [في ]في الآية، والحديث لا يراد به الظرفية، وإنما يقصد به أنه بمعنى [على ] ومصداق ذلك في كتاب الله - تعالى- قال - عز وجل- ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ [طـه: 71] والمراد عليها، وقال - تعالى- ﴿ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [التوبة: 2] والمراد عليها، فقوله - تعالى- أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ [الملك: 16]أي: على السماء . هذا الجواب الأول.
الثاني: سلمنا أن المراد بـ[في ]الظرفية لكن لا نسلم أن المراد بالسماء هذه الأطباق السبعة بل المراد بها العلو فإن كل ما علاك فهو سماء، ومصداق ذلك في كتاب الله - تعالى- قال - عز وجل- في وصف الشجرة الطيبة ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24] أي: في العلو، وقال - تعالى- ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً ﴾ [الفرقان: 48] والمطر ينزل من السحاب فسمي السحاب سماء لعلوه، فقوله - تعالى- ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ أي من في العلو، والله له العلو المطلق - جل وعلا - وبهذين الجوابين لا يبقى ثمة إشكال . ولله الحمد والمنة . والله أعلم .
س242 ما مذهب أهل السنة في صفة المجيء والإتيان؟ مع بيان الأدلة على ذلك . وهل هما من صفات الذات أم الفعل ؟
ج :
يعتقد أهل السنة - رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى، وجمعنا بهم في الجنة - أن لله - تعالى- مجيئاً وإتياناً يوم القيامة لائقاً بجلاله وعظمته، لا يماثل مجيء المخلوقين ولا إتيانهم، فليس كمثله شيء في مجيئه وإتيانه، ومجرد الاتفاق في الاسم لا يستلزم الاتفاق في المسمى، فنثبتها لله - تعالى- إثباتاً بلا تمثيل، وننزهه عن مماثلة خلقه تنزيهاً بلا تعطيل، فما أسلم ذلك المذهب، وما أبرده على القلوب، وما أوضحه وأحكمه وأعلمه، فنسأل الله - تعالى- أن يميتنا عليه. والمجيء، والإتيان من صفات الله الفعلية المتعلقة المشيئة، قال - تعالى- ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 22]، وقال - تعالى- ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ والْمَلائِكَةُ وقُضِيَ الْأَمْرُ وإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [البقرة: 210]، وفي الحديث الصحيح (فيأتيهم الله - تعالى- في صورته التي يعرفون ) وقد حرفها المبتدعة بمجيء أمره، وهذا مخالف للأدلة، ومخالف لمنهج: السلف، وإقحام لفظة في السياق لا برهان عليها، ومخالفة للأصل بلا مقتضٍ . والله أعلم .
س243 ما مذهب أهل السنة - رحمهم الله تعالى- في الرؤية ؟ واذكر الأدلة المثبتة لذلك .
ج : يعتقد أهل السنة والجماعة، ويشهدون أن الله - تعالى- يُرَى يوم القيامة رؤية حقيقة عياناًً بالأبصار فيُرى في عرصات يوم القيامة، ويُرى بعد دخول الجنة، كما يُرى القمر ليلة البدر، والشمسُ صحواً ليس دونها سحاب، وكل ذلك على الكيفية التي يريدها الله - تعالى- لا ندخل في هذا الباب متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا بل نثبت ما أثبته النص، ونسكت عما سكت عنه، ونقف حيث وقف السلف - رحمهم الله تعالى - والأدلة على الرؤية قد بلغت مبلغ التواتر، فمن القرآن قوله - تعالى- ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: 23: 22] وقال - تعالى- ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزِيَادَةٌ ولا يَرْهَقُ وجُوهَهُمْ قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [يونس: 26] وقد فسر أعلم الخلق بربه هذه الزيادة بأنها رؤية الله - تعالى وقال - تعالى- ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ولَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾[قّ: 35]وأما من السنة فأحاديث كثيرة منها: حديث صهيب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ( إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله - تعالى- تريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ) ثم تلا هذه الآية ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزِيَادَةٌ ﴾ رواه مسلم، وفي الصحيح عن جرير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب فإن استطعتم على أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا )، وفي الصحيح – أيضاً- من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن أناساً قالوا: يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ؟ قالوا: لا يا رسول الله، فقال: هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها حجاب ؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك ) وهذان الحديثان فيهما تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، أي أن رؤية الله - تعالى- يوم القيامة ستكون في أعلى درجات الوضوح فلا مضارة فيها، ولا خفاء، ولا لبس، ولا شك.
وعن أبي سعيد الخدري نحو حديث أبي هريرة، وهو في الصحيح أيضاً، وقد وردت أحاديث الرؤية من طريق الصديق، وأنس، وجابر، وجرير البجلي، وحذيفة، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، وصهيب، وعبادة بن الصامت، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، ولقيط بن عامر، وأبي رزين، وعلي بن أبي طالب، وعدي بن حاتم، وعمار بن ياسر، وفضالة بن عبيد، وأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي - رضي الله عنهم وأرضاهم، وجمعنا بهم في الجنة - وقد أخرج اللالكائي في شرح السنة من طريق مفضل بن غسان قال: سمعت يحيى بن معين يقول: عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية كلها صحاح . أهـ
قلت: وهذا ما نعتقده بقلوبنا، وننطقه بألسنتنا.
س244 هل أثبت المبتدعة رؤية الله - تعالى- ؟ وبماذا احتجوا ؟ وكيف الجواب عن استدلالتهم؟
ج : بالطبع لم يثبتوها بل حرفوها إلى رؤية الثواب والجزاء والنعيم فقط، وهذا كعادتهم - قبحهم الله تعالى- فيما لا يتوافق مع عقولهم الرديئة، وأفهامهم المنتنة، ويا ليت الأمر وقف على الإنكار والتحريف فقط بل استدلوا على نفيهم هذا بأدلة من القرآن فقالوا: قال - تعالى- لموسى - عليه السلام-﴿ قَالَ لَنْ تَرَانِي ﴾ [لأعراف: 143]، ولن هذه تفيد التأبيد عندهم فهذا نفي للرؤية على وجه الإطلاق- كذا قالوا- فقال أهل السنة: لنا على استدلالكم هذا عدة أجوبة:
الأول: أن ﴿ لن ﴾ لا تفيد النفي المؤبد حتى، وإن قرنت بلفظ الأبد، بدليل قوله - تعالى- عن اليهود ﴿ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * ولن يَتَمَنَّوْه أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الجمعة7: 6] ومع ذلك فإنهم يتمنونه في الآخرة إذا دخلوا النار كما في قوله - تعالى- ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾ [الزخرف: 77]، وخلاصة هذا الوجه هو أن نفي الرؤية في ذلك الوقت لا يلزم منه انتفاؤها مطلقاً، وإنما هذا شيء قاله بعض صناديد المعتزلة، ولذلك قال ابن مالك:

ومن يرى النفي بـ لن مؤبدا   فقوله أردد، وسواه فاعضدا

الثاني: أن الله - تعالى- قال ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾، ولم يقل: إني لا أرى أولست بمرئي، أو لا تجوز رؤيتي، والفرق بين الجوابين ظاهر، بل قال ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ ففي ذلك دليل على أنه يرى، ولكن موسى - عليه السلام-لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوى البشر عن رؤيته .
الثالث: أن الله - تعالى- بين السبب في عدم رؤيته، وهو عدم تحمل النفس ذلك بدليل أنه - تعالى- لما تجلى للجبل حصل للجبل ما حصل من الإندكاك فأعلمه الله - تعالى- بذلك أن الجبل مع قوته، وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف ؟ فهذا دليل على أن المانع ضعف القوى البشرية عن رؤيته، ولذلك فإن هذه القوى تضاعف في الجنة حتى يتمكن أهلها من رؤيته كما ثبتت بذلك الأدلة
الرابع: أنه لو كانت رؤيته - تعالى- محالاً لما كان كليم الله - تعالى- يتكلف السؤال عنها؛ لأنه أعلم الناس بربه في زمانه فلا يتصور منه أن يسأل ما لا تجوز على الله - تعالى- فلما سألها موسى علم بذلك أنها مما يمكن، ولكن ثمة مانع، وهو الضعف البشري، فلا يمكن أن يكون هؤلاء المتهوكون الحمقى أشد تنزيهاً، وأعلم بالله من كليمه، ورسوله الكريم.
الخامس: أنه - تعالى- تجلى للجبل، فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له، ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله، وأوليائه في دار كرامته ؟ لكن الله - تعالى- أعلم موسى بأن الرؤية الآن لا تمكن.
السادس: سلمنا جدلاً أن هذه الآية فيها شيء من النقاش فلا تعدو بذلك أن تكون من المتشابه، وقد تقرر في الأصول أن المتشابه يرد إلى المحكم، والأدلة المثبتة للرؤية من الكتاب، والسنة كثيرة، وتأيدت بالإجماع القطعي الذي يكفر من خالفه، فإذا قدروا على الدخول على هذه الآية، فهل - بالله عليك- يقدرون على كل الأدلة المثبتة للرؤية ؟ بالطبع لا، إلا مع العناد والاستكبار، وهذا التسليم جدلي، وإلا فالآية من المحكم كما سبق في الأجوبة . والله - تعالى- أعلى وأعلم.
وقالوا أيضاً: قال - تعالى- ﴿ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ [الأنعام: 103] فهذا نفي للإدراك الذي هو الرؤية - كذا قالوا- فقال أهل السنة: إن المنفي في هذه الآية ليس الرؤية، وإنما هو الإدراك، والإدراك أمر يعقب الرؤية فهي تفيد أنه يُرى، ولكنه لا يدرك رؤية كما أنه يُعلم، ولكن لا يحاط به علماً، فكل إدراك رؤية، وليس كل رؤية إدراكاً، أَوَلا ترى إلى قوله - تعالى- ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ [الشعراء: 61] فأثبت الرؤية، ونفى الإدراك، فالإدراك أمر زائد على الرؤية، ففي الحقيقة أن هذه الآية دليل لنا لا لهم؛ لأنه لما نفى الإدراك علمنا أن هناك رؤية؛ إذ لو لم يكن هناك رؤية – أصلاً- لما نفى الإدراك، وأضرب لك مثالاً: أنت ترى السماء لكن هل تدركها كلها ؟ الجواب: لا، فعندك رؤية بلا إدراك، ومثال آخر: أنت ترى الأرض لكن هل تدركها كلها ؟ الجواب: لا، فعندك رؤية بلا إدراك، فالله - تعالى - وله المثل الأعلى- يُرى، ولكن لا يدرك؛ وذلك لكمال كبره وعظمته وعزته - جل وعلا- فالمعتزلة فهموا أن معنى الإدراك هو الرؤية . وهذا خطأ، وضلال، بل الإدراك هو الإحاطة . فلا حجة لأحدٍ في مخالفة ما ثبت به النص . والله أعلم.
س245 هل من أسمائه - جل وعلا- ﴿ القديم ﴾ مع توضيح ذلك ؟
ج :
لا ليس من أسمائه القديم، وذلك لأمرين:
الأول: أن أسماء الله - تعالى- مبناها على التوقيف أي على ورود الدليل، ولم يأت فيما أعلم نص صحيح بذلك، فحيث لم يثبت في ذلك شيء فإن الأصل عدمه فلا يجوز تسمية الله - تعالى- به.
الثاني: أن أسماء الله - تعالى- أسماء حسنى، وذلك لاشتمالها، وتضمنها صفات كمال من كل وجه، والقديم صفته القدم، وهذه الصفة لا كمال فيها، فلا يصح تسمية الله - تعالى- به وتستبدل باسمه الثابت بالإجماع ﴿ الأول ﴾ الذي ليس قبله شيء - جل وعلا . والله أعلم.
س246 هل يمكن أن يتعارض النقل مع العقل ؟
ج :
لا. لا يمكن هذا أبداً، ولذلك فإن أهل السنة - رحمهم الله تعالى- قرروا في ذلك قاعدة عظيمة، وهي قولهم: ( لا يتعارض نص صحيح، وعقل صريح )، ويقصدون العقل الصريح أي السليم من الآفات الدخيلة على العقل، وقد ألف فيها أبو العباس تقي الدين كتابه الكبير، و ردَّ تعارض العقل والنقل فأتى فيه بما لم يأت به أحد- جزاه الله خيراً، ورفع نزله في الفردوس الأعلى، وحشرنا وإياه في زمرة محمد - صلى الله عليه وسلم – وأصحابه- فإذا وُجِدَ ما يوهم التعارض فانظر أولاً في صحة النقل - أعني إذا كان من السنة - فإذا ثبتت صحته فانظر في صراحة العقل وسلامته من الآفات الدخيلة عليه، فإذا توفر الأمران فإنه - أبداً - لا يمكن أن يتعارض النقل مع العقل، فإن الذي أنزل النص هو الذي خلق العقل، وهو أصدق حديثاً، وأحسن قيلاً من خلقه، والنقل ما نزل إلا لهداية العقل، وإخراجه من ظلمات الشرك والبدعة والغفلة والمعصية إلى نور التوحيد والسنة والطاعة، فكيف يجعل معارضاً له؛ ولذلك فإنه لا يدعي وجود هذه المعارضة إلا أهل البدع . وأما أهل السنة فإنه لا يعرف عنهم في ذلك حرف واحد . والله أعلم .
س247 ما حكم التسمي بأسماء الله - تعالى- ؟ مع الدليل .
ج :
أقول: هذه المسألة لا تخلو من حالتين:
الأولى: أما الأسماء الخاصة به - جل وعلا- كـ ﴿ الله ﴾، و ﴿ رب العالمين ﴾، و ﴿ الرحمن ﴾، و ﴿ الإله ﴾، ونحوها فإنه لا يجوز التسمي بها قولاً واحداً، لأنها لا يصح أن تطلق إلا عليه - جل وعلا- إذ لا يستحقها غيره - عز وجل .
الثانية: بقية الأسماء كالرحيم، والكريم، والعزيز، والسميع، والبصير، ونحوها، فهذا يجوز التسمي بها بشرطين: شرط أصلي لازم، وشرط تكميلي.
فأما الشرط الأصلي اللازم:
فألا يراعى في التسمية معنى الصفة، أي لا يسمي أحد بالكريم؛ لأن من صفاته البارزة الكرم، ولا يسمى أحد بالقوي؛ لأن من صفاته البارزة القوة، ولا يسمى أحد بالجواد؛ لأن من صفاته الجود، ولا يسمى أحد بالحكم؛ لأن من صفاته البارزة فصل الحكومات بين الناس والرضا بحكمه ... وهكذا، فإذا روعي في التسمية معنى الصفة فإنه يمنع، ودليل حديث أبي شريح، وأنه كان يكنى أبا الحكم فلما سأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن علة ذلك قال: إني إذا اختصم قومي حكمت بينهم فرضوا بحكمي، فقال ( ما أحسن هذا، فكم لك من الولد، فعدهم، وذكر أن أكبرهم شريح، فقال: أنت أبو شريح ) حديث صحيح . فقد غير النبي - صلى الله عليه وسلم - كنيته؛ لأنه روعي، أو نقول: روقب فيها معنى الصفة مع أن من أصحابه من كان اسمه الحكم، كالحكم بن هشام - رضي الله عنه وأرضاه- ولم يغيره النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه لم يراقب فيه معنى الصفة، فهذا دليله من الأثر، وأما النظر فلأن ذلك فيه لزوم الأدب مع الله - تعالى - وسلوك مسلك المتعبدين المتواضعين الذين يقدرون الله - تعالى- حق قدره، وفيه احترام لأسمائه، وصفاته - جل وعلا - وتعظيمها، وهذا من تعظيم من تسمى واتصف بها - عز وجل-، ولأنه إذا رضى بذلك فإن ذلك نوع مضاهاة لله - تعالى- في أسمائه وصفاته - جل وعلا- فهذا الشرط كما ذكرت لك شرط أساسي مهم جداً.
وأما الشرط التكميلي: فهو أن يكون الاسم غير محلَّىً بالألف واللام كأن يقال: ﴿ كريم ﴾ بدون ﴿ أل ﴾ أو ﴿ عزيز ﴾ بدون ﴿ أل ﴾ أو ﴿ جواد ﴾ بدون ﴿ أل﴾ ... وهكذا، وذلك؛ لأن الألف واللام لها شأن عندنا في لغة العرب، وهي أنها تفيد استغراق أجزاء المسمى ما لم يتقدم قرينة عهد فإذا قلت: العزيز. دخل فيه كل معاني العزة، وإذا قلت: الكريم. دخل فيه كل معاني الكرم، وهكذا، وهذا خاص بالله - جل وعلا- وهذا المعنى يزول إذا جردتها من ﴿ أل ﴾ وقلنا: إن ذلك شرط تكميلي لأمرين:
الأول: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر الحكم بن هشام على التسمي بذلك مع أنه معرف بـ ﴿ أل ﴾ مما يدل على أن الأمر فيه تسامح .
الثاني: أن العامة – غالباً- لا يريدون معنى الاستغراق العام الذي يدخل فيه أجزاء المسمى كلها فإن هذا المعنى لا يقصدونه أبداً، وإنما يفهمون أن ﴿ أل﴾ لمجرد التعريف فقط, فأمر هذا الشرط سهل، لكن الورع ترك التسمي بأسماء الله مطلقاً خروجاً من الخلاف، وبُعداً عن مطلق المضاهاة، وأدعى لخضوع القلب، وانقياده لله - تعالى- في مقامات التعبد . والله أعلم.
س248 ما مذهب أهل السنة في صفة الرضى، والغضب، والسخط، والكره ؟ وهل هي صفات فعلية أم ذاتية ؟
ج : مذهب أهل السنة في ذلك هو مذهبهم في سائر صفات الله - تعالى، وهو: الإيمان بها، ووصف الله - تعالى- بها مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير فنثبتها لله - تعالى- من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل . وهي من قبيل الصفات الفعلية المتعلقة بالمسألة التي توجد عند وجود مقتضياتها إذا أرادها الله - تعالى- على ما يليق بجلاله وعظمته, وأن معانيها معلومة، ولكن نفوض علم كيفياتها إلى الله - تعالى- قال - تعالى- ﴿ رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [ البينة: 8] وقال - تعالى- ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ [ الفتح: 18]، وقال - تعالى- ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [ النساء: 93]، وقال - تعالى- ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [ محمد: 28]، وقال - تعالى- ﴿ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [ التوبة: 46] وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات هذه الصفات، وهذه كلها من صفات الأفعال التي يفعلها الله - جل وعلا- متى شاء، وكيفما شاء، وأهل السنة يثبتون ذلك إثباتاً بلا تمثيل، وينزهون الله - تعالى- عن مماثلة خلقه تنزيهاً بلا تعطيل . والله أعلم.
س249 ما مذهب أهل السنة في صفة الفرح، والضحك؟ مع بيانها بالدليل. وهل هي صفة ذاتية أم فعلية ؟
ج:
يؤمن أهل السنة الجماعة - رحمهم الله تعالى- بأن من صفاته - جل وعلا- الفرح، والضحك، فيثبتون هاتين الصفتين كسائر صفاته - جل وعلا- من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل؛ لأن الله - تعالى- ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ( فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده ) متفق عليه وقال - عليه الصلاة والسلام-( يضحك الله - تعالى- إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة .... الحديث ) متفق عليه، وفي الحديث الآخر ( أتدرون مما أضحك؟ مَنْ ضحك الله - تعالى- حين قال له: " أتستهزئ بي، وأنت رب العالمين ) رواه مسلم . وهما من الصفات الفعلية التي يفعلها الله متى شاء، وكيفما شاء، فمعنى الفرح والضحك معلوم، وكيفه مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة . والله أعلم.
س250  ما البلايا والمصائب التي وقع فيها أهل البدع وكانت سبب ضلالهم وتخريفهم في باب الاعتقاد ؟
ج:
هذا سؤال مهم جداً، وبيانه أن يقال: الأسباب كثيرة يجمعها ما يلي:
الأول: عدم حصرهم أدلة الاعتقاد في الكتاب والسنة، فإنهم يستدلون بالمنطق والفلسفة، ويسمونها العقليات، وهي في حقيقتها جهليات وخرافات ووساوس شيطانية، فهم يسوقون ما يجب اعتقاده في الله من عقولهم، وقواعدهم المنطقية الفلسفية, أو مواجيدهم، وأذواقهم العفنة، ومكاشفاتهم الإبليسية، وقد نص الدليل على أن من طلب الهدى في غير الكتاب والسنة أضله الله، ولذلك فهم يعرضون النصوص على عقولهم فما وافقها أخذوه، وما خالفها ردوه واتهموه، فيقرون ما تقره عقولهم - وإن لم يكن عليه دليل- وينفون ما نفته عقولهم - وإن كانت الأدلة قد تواترت على إثباته - وهذا هو السبب العظيم في ضلالهم .
الثاني: أنهم لا يأخذون الكتاب والسنة على فهم السلف بل يبتدعون من عندهم المعاني الغريبة والاصطلاحات العويصة، ويقولون: هذا معنى هذا النص. وقد تقرر في القواعد أنه لا بد من فهم الكتاب والسنة فهماً يوافق فهم السلف، فهم أكبر عقولاً وأصح فهوماً وأعمق علوماً ممن أتى بعدهم، فالمبتدعة مثلاً يفهمون من نصوص الصفات معانٍ بعيدة كل البعد عن فهم السلف، فهم لا يفهمون منها إلا ما يفهمونه من صفاتنا، وأما السلف فإنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه، ويعتقدون أنه ليس كمثله شيء، وهكذا فالمبتدعة على اختلاف فرقهم لا يعتمدون فهم السلف للنصوص أبداً، ولا ينظرون فيه، فأنت ترى أن هؤلاء المبتدعة قد جمعوا بين بليتين فهم لا يقتصرون على الكتاب والسنة في مسائل الاعتقاد، ولا يفهمونها على فهم السلف- فنعوذ بالله من حال أهل الأهواء.
الثالث: أنهم يبنون استدلالهم على القواعد المناقضة للمعقول والمخالفة للمنقول والمعارضة لمنهج السلف في الاستدلال، فهم يستدلون بالمتشابه ويدعون المحكم، ويأخذون بطرف من النصوص ويدعون الآخر، ويقدمون العقل على النقل، ويثبتون أمور الغيب بالقياس، ويأخذون بالمجمل ويدعون المبين، ويفسرون بعض ألفاظ القرآن على غير ما تعرفه العرب من كلامها ... وهكذا فالقوم يقعدون القاعدة على ما تمليه عقولهم القاصرة، وينزلون النصوص عليها فوقعوا في الضلال ومخالفة النصوص .
الرابع: أنهم يخوضون في النصوص بلا علم ولا برهان، ولا يقفون حيث وقف النص، بل يقحمون عقولهم فيما لا مجال لها فيه: كخوضهم في باب القدر، وباب الصفات، ونحوها . والسلامة في الوقوف عند ما وقف عليه النص .
الخامس: كثرة جدالهم، وخصوماتهم، ومرائهم .
السادس: اعتمادهم على الألفاظ البدعية المجملة، وبناء معتقدهم عليها كلفظ الجوهر، والعرض، والجهة، والجسم، والحيز، ونحوها . وهذه الألفاظ ألفاظ محدثة بدعية لا تعرف عن أحد من السلف . وأضرب لك مثالاً: المعتزلة ينفون عن الله الصفات، ويقعون في آيات الصفات وأحاديثها تحريفاً بسبب أنهم إذا أثبتوا لله الصفات لا يستلزم ذلك أن يكون جسماً، والأجسام متماثلة، فانظر كيف بنوا معتقدهم في الصفات على هذا اللفظ المجمل، فكم ردوا بهذه الألفاظ المجملة من النصوص، وحرفوا من الصفات . والله المستعان .
السابع: الفهم الفاسد للنصوص: كفهم الخوارج: لبعض النصوص، وكفهم أهل التمثيل والتعطيل لنصوص الصفات، وكفهم الجبرية والقدرية لنصوص القدر، وكفهم المرجئة والوعيدية لنصوص الوعد والوعيد ... وهكذا فهذا الفهم الفاسد هو الذي أوصلهم إلى هذه النتيجة الفاسدة . والله المستعان.
الثامن: اعتمادهم في اعتقادهم على الأحاديث الموضوعة والضعيفة، وذلك كالرافضة - لعنهم الله تعالى- فإنهم يعتمدون في أمر معتقدهم على المرويات المكذوبة، والأحاديث الموضوعة الملفقة على آل البيت.
التاسع: تقديم آراء الرجال وقواعد المذاهب على قول الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فلا يقبلون من النصوص إلا ما وافق مذهبهم وكلام مبتدعيهم .
العاشر: اعتقادهم التعارض بين العقل والنقل، وبين الحقيقة والشريعة .
الحادي عشر: اعتمادهم على الأهواء والشهوات، وتحكيمها في كتاب الله - تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فهذه بعض الأسباب، ويظهر غيرها بالتأمل . والله أعلم.
س251 بماذا يعرف أهل البدع ؟
ج : منها: الوقيعة في أهل السنة، ووصفهم بالأوصاف القبيحة المستهجنة التي هي بهم أليق، وهم بها ألصق.
ومنها: عقد الولاء والبراء على المسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ومنها: اتباع الهوى، والإعراض عن الدليل.
ومنها: أنهم لا يذكرون ألا ما لهم فقط، ويكتمون ما عليهم أو يكذبون به ويعرضون عنه ويقدحون فيه، وأما أهل السنة فيذكرون مالهم وما عليهم مع الإجابة عنه .
ومنها: اتباع المتشابه كما قال - تعالى- ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7] وفي الصحيحين من حديث عائشة مرفوعاً [فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاؤلئك الذين سماهم الله فاحذروهم].
ومنها: كثرة التنقل والتبديل والتغيير فلا يثبتون على شيء فمذاهبهم –غالباً- تخضع للمستجدات والمتغيرات والأحداث والأهواء والشهوات وأقوال متبوعيهم، ومن نصبوه إماماً لهم؛ ولكثرة جدالهم، ومن جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر التنقل؛ ولأن هذه المذاهب الفاسدة أصلاً لم تبن على أسس ثابتة بل بنيت على أهواء متغيرة، وأفكار متبدلة، وشهوات متلونة .
ومنها: معارضة الكتاب والسنة بالأقيسة الفاسدة والمعقولات الكاسدة .
ومنها: دعواهم أن الأدلة لا تفي بالدين، ولا تكفي لتنظيم حياة الناس، وهم في ذلك بين مصرح، وملمح .
ومنها: كثرة الاختلاف، والفرقة فيما بينهم . وهذا أمر واضح فلا تجدهم يتفقون على شيء, فانظر إلى فرق الخوارج، وفرق الشيعة، وفرق المعتزلة ... وهكذا, وهذا من أبرز صفاتهم .
ومنها: أنهم يتسمون بالأسماء المحدثة, فمنهم من ينتسب إلى مؤسس الفرقة كالأشاعرة نسبة إلى أبي الحسن الأشعري، والجهمية نسبة إلى الجهم بن صفوان الترمذي، والماتريدية نسبة إلى أبي منصور الماتريدي، والكلابية نسبة إلى محمد بن سعيد بن كلاب، ونحو ذلك، أو ينتسبون إلى أصل بدعهم كالخوارج: لأنهم خرجوا على عليَّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - أو لأنهم خرجوا على المسلمين وإمامهم، والجبرية نسبة إلى قولهم بالجبر وسلب العباد مطلق القدرة والاختيار، والقدرية نسبة إلى نفيهم للقدر السابق، وقولهم: إن العبد هو الذي يخلق فعله، ونحو ذلك، وأما أهل السنة - رحمهم الله تعالى- فإنهم لا يتسمون إلا باسم الإسلام والإيمان، أو ما دل عليه الدليل، أو وقع اتفاق الصدر الأول عليه . والله أعلم.
ومنها: التعصب للآراء وعدم الرجوع للحق - ولو بعد بيان الحق- بل يتعامون عن الحق تعامياً عجيباً، ولا نقول ألا كما قال - تعالى- ﴿ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ ولَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].
ومنها: بغض أئمة الحديث وأهل الأثر . وبالجملة: بعض أئمة الإسلام والدين كالصحابة، والتابعين، وتابعيهم بإحسان كالإمام أحمد، والثوري، والأوزاعي، وابن عيينة، وابن المدني، والبخاري، وابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبدالوهاب - رضي الله عنهم، وأرضاهم- فإذا سمعت الرجل يقع في واحد من أئمة الإسلام والسنة فاعلم أنه صاحب بدعة وهوى، والله المستعان، فهذه أشهر علامات أهل البدع - نعوذ بالله منهم ومن حالهم - والله أعلم.


الإيمــان

الشيـخ/ وليـد بن راشـد

س252 عرف الإيمان شرعاً? مع ذكر الأدلة على كل ما تذكر .
ج : الإيمان شرعاً: هو الاعتقاد بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالجوارح والأركان .
فقولهم : ( الاعتقاد بالجنان ) يدل عليه قوله تعالى ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [ الحجرات:14]، وقوله تعالى ﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ﴾ [ المجادلة: 22]، وقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [ المائدة: 41]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم – ( يا معشر من آمن بلسانه، ولم يخلص الإيمان إلى قلبه ) .
وقولهم: ( وقول باللسان ) ، يدل عليه قوله تعالى ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ومَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ......... الآية ﴾ [ البقرة: 136]، فأمرهم هنا
بالقول، ولم يكتفِ منهم بمجرد ما في القلب، ومثلها قوله تعالى ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ومَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ .....الآية ﴾ [ آل عمران: 84]، وقوله تعالى ﴿ وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَ ﴾ [ الحجرات: 14]، وقوله تعالى ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [ آل عمران:64]، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ) ، وفي الصحيحين أيضاً من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ) وفيهما من حديث أبي هريرة – مرفوعاً- ( الإيمان بضع وستون، أو بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) واتفق أهل العلم على أن الكافر إذا أراد الإسلام فإنه لا بد من التلفظ بالشهادتين بحيث يُسمِعُ نفسه على الأقل، ولا يكتفي بالإقرار القلبي .
وأما قولهم: ( وعمل بالجوارح والأركان ) فيدل عليه قوله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ [ البقرة: 143]، أي صلاتكم كما ورد ذلك في الصحيح، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ وذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [ البينة: 5]، وفي الصحيحين عن ابن عباس في حديث وفد عبد القيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بأربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم . قال ( شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس ) ، وهذه كلها أعمال جوارح، وقد سماها إيماناً، وقال - عليه الصلاة والسلام – ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلق ) حديث صحيح، وقال - عليه الصلاة والسلام - ( إن البذاذة من الإيمان ) حديث صحيح، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد – مرفوعاً- ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) ، وله من حديث ابن مسعود ( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) فجعل تغير المنكر، ومجاهدة أصحابه باليد واللسان من الإيمان، وهي أعمال جوارح، وفي الحديث السابق ( وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) ، وهي عمل، وقد جعلها من جملة شعب الإيمان، فهذه بعض الأدلة على هذه العقيدة العظيمة التي انفرد بها أهل السنة والجماعة - رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى- والله أعلم .
س253 ما مذهب أهل السنة في زيادة الإيمان ونقصانه ؟ مع بيان ذلك بالأدلة ؟
ج :
 مذهب أهل السنة في ذلك هو أن الإيمان يزيد حتى يبلغ كماله وتمامه إذا جاء العبد بموجبات زيادته، وينقص حتى ينتهي كله إذا جاء العبد بموجبات نقصانه، وهذا مما تواترت به الأدلة، فمن أدلة زيادته قوله تعالى ﴿ ويَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَان ﴾ [ المدثر: 31]، وقوله تعالى ﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ [ الفتح: 4]، وقوله تعالى:﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ﴾ [ مريم: 76]، وقوله تعالى ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَان ﴾ [ الأنفال: 2]، وقوله تعالى ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَان ﴾ [ آل عمران: 173]، وقال - عليه الصلاة والسلام - ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلق ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام - ( من أحب في الله، وأبغض في الله فقد استكمل الإيمان ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام - ( الطهور شطر الإيمان ) ، وفي حديث ( رأيت الناس يعرضون علي، وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما هو دون ذلك قالوا: فما أولته يا رسول الله قال: الدين ) ، وقد كان ابن مسعود يقول: ( اللهم زدنا إيماناً، ويقيناً، وفقه ) أخرجه الطبراني في الكبير بإسناد جيد، وكان معاذ بن جبل يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا نؤمن ساعة فيجلسان فيذكران الله، ويحمدانه ) رواه ابن أبي شيبة، وسنده صحيح، وعن عمار بن ياسر أنه قال:( وقال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار ) رواه البخاري تعليقاً . وأما نقصانه فقد وردت به أدلة كثيرة أيضاً، فمنها ما مضى من الآيات فإن فيها إثبات الزيادة، وكل شيء يقبل الزيادة فإنه يقبل النقصان، ومنها: حديث أنس في الصحيح مرفوعاً ( يخرج:من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج:من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير ) والمراد بالخير هنا الإيمان، كما في الرواية الأخرى ( يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برةٍ، أو خردلةٍ، أو ذرةٍ من إيمان ) .
ومنها: حديث أبي سعيد السابق في إنكار المنكر، وفيه ( وذلك أضعف الإيمان ) .
ومنها: حديث ابن مسعود السابق أيضاً، وفيه ( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) .
ومنها: حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - مرفوعاً، وفيه ( ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ) قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله ؟ قال: ( أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ ) قلن: بلى، قال: ( فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلِّ، ولم تصمْ ؟ ) قلن: بلى، قال ( فذلك من نقصان دينه ) متفق عليه .
ومنها: حديث الشفاعة، وهو في الصحيح، وفيه ( فأخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرةٍ من إيمان ) .
فهذه الأدلة تفيدك إفادة قطعية - إن شاء الله تعالى- بما قرره أهل السنة - رحمهم الله تعالى- في هذه المسألة من أن الإيمان يزيد وينقص . والله أعلم س254 ما أسباب زيادته ونقصه ؟
ج :
 ذكر أهل العلم - رحمهم الله تعالى- أن زيادة الإيمان لها أسباب:
منها: معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته .
ومنها: التفكر في آيات الله تعالى الكونية والشرعية .
ومنها: فعل الطاعة .
ومنها: ترك المعصية .
فهذه الأشياء تجمع أسباب زيادة الإيمان، وضد كل واحد منها سبب من أسباب النقص، فالجهل بالله – تعالى- ينقص الإيمان، وعدم التفكر في الآيات الكونية، والشرعية سبب للنقص، وفعل المعصية سبب للنقص، والله أعلم .
س255 ما العلاقة بين الإسلام والإيمان ؟ مع بيان ذلك بالأدلة .
ج :
الإسلام والإيمان مرتبتان من مراتب الدين، ومنزلتان من منازله كما ثبت ذلك في حديث جبريل المشهور لما سأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان،
وقال في آخره ( هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم ) رواه مسلم، وهاتان المرتبتان متتاليتان فالأولى الإسلام، والثانية الإيمان، وبناءً عليه فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، قال تعالى ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَ ﴾ [ الحجرات: 14 ] فأول ما يدخل العبد في الدين يوصف بالإسلام، حتى يدخل الإيمان في قلبه بما يأتي به من التصديق والعمل الصالح، فهذا وجه من أوجه العلاقة بينهما، وخلاصتها أن يقال: إن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، فبينهما عموم من وجه واحد فقط، والوجه الثاني أنهما إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا . أي: إذا ذكر أحدهما في النص فإنه يدخل معه الآخر الذي لم يذكر، فيصدق المذكور في النص عليهما، وإذا ذكرا معاً في نص واحدٍ فإنهما يختلفان أي يحمل كل واحدٍ منهما معنىً خاصاً، فيكون الإسلام معناه الأعمال الظاهرة: من الشهادتين، والصيام، والصلاة، والزكاة، والحج، وسائر أعمال الجوارح، ويكون معنى الإيمان الأعمال الباطنة أي أعمال القلوب من التصديق، والإقرار، والمحبة، والإنابة، والرجاء، والتوكل، والخوف، ونحوها، وإليك بعض الأمثلة:
فمن الأمثلة على افتراقهما:
قوله تعالى ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ ﴾ [ آل عمران: 19] أي: والإيمان.وقوله تعالى ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِين ﴾ [ آل عمران: 85] أي: وغير الإيمان . وقوله تعالى ﴿ فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [ آل عمران: 64]، أي:ومؤمنون. وهكذا، وفي حديث وفد عبد القيس مرفوعاً ( آمركم بالإيمان بالله وحده ) ثم فسره بأركان الإسلام فقال: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا خمساً من المغنم ) متفق عليه، ومن ذلك حديث سعد في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى رهطاً، وسعد جالس .... وفيه ( مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمناً ، فقال: أو مسلماً ثلاث مرات ) .
ومثال اجتماعهما:
قوله تعالى ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَ ﴾ [ الحجرات: 14] ففرق بينهما لأنهما في نص واحد، وكذلك حديث جبريل المشهور فإنه قد فسر الإسلام بأعمال الجوارح، وفسر الإيمان بأعمال القلوب، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة . وخلاصة الجواب أن يقال: العلاقة بينهما من وجهين:
الأول: أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً .
الثاني: أنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا . والله أعلم.
س256 ما صورة الاستثناء في الإيمان ؟ وما حكمه بالتفصيل ؟
ج
: صورته أن يقول: أنا مؤمن - إن شاء الله . والناس فيها على طرفين ـــ ووسط، وخير الأمور الوسط، فمن الناس من يوجب هذا القول أي يوجب قول: ( إن شاء الله ) بعد قوله: ( أنا مؤمن ) فيوجبه مطلقاً . ولهم في ذلك مأخذان:
الأول: أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمناً، أو كافراً باعتبار الوفاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك فلا عبرة به .
الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين والقائمين بجميع ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه فيكون من أولياء الله المقربين، وهذا من تزكية النفس، وقد نهى الله عنه في قوله تعالى ﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [ النجم: 32]، وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيل ﴾ [ النساء: 49]، وقال - عليه الصلاة والسلام - ( الله أعلم بأهل البر منكم ) .
ومن الناس من يمنعه مطلقاً: وهم الذين يجعلون الإيمان جزءً لا يزيد ولا ينقص، وهم المرجئة، ومأخذهم في ذلك قولهم: نحن نعلم قطعاً أننا مؤمنون كعلمنا قطعاً أننا مسلمون، وتعليق الإيمان بالمشيئة شك في الإيمان، والشك في الإيمان كفر ؛ ولذلك فهم يسمون من يجيز تعليق الإيمان بالمشيئة بالشكاكين . أما مذهب أهل السنة فإنهم يفصلون في ذلك تفصيلاً يجمع الأدلة كلها فهم أسعد بالحق، والصواب المؤيد بالدليل من الفريقين السابقين، وهم الوسط في هذه المسألة كما أنهم الوسط في سائر أمور الاعتقاد، وخلاصة مذهبهم أنهم قالوا: إن كان القصد من الاستثناء الشك في وجود أصل الإيمان فهذا حرام ؛ لأنه مفض إلى الوقوع في الحرام، وما أفضى إلى الحرام فهو حرام، وهذا لا خلاف فيه، وإن كان يقصد به الشك في كماله فهو مندوب حسن جداً ؛ لأن كمال الإيمان من الأمور التي لا تدرك بالحس، وإنما مبناها على الدليل ؛ ولأنه أبعد عن الرياء، والسمعة، ويلحق بذلك من استثنى، وأراد عدم علمه بالعاقبة فهو حسن أيضاً، وما عدا ذلك فجائز، ونقول بتفصيل أوضح: يكون الاستثناء حراماً إذا كان للشك في أصل الإيمان، ويكون واجباً إذا خيف على نفسه الرياء إذا تركه، ويكون مستحباً إذا كان للشك في كماله أو أراد عدم علمه بالعاقبة، ويكون مباحاً فيما عدا ذلك . والله أعلم .
س257 ما حكم الأفعال التي نُفيَ الإيمان عن فاعلها، أو تاركها ؟ مع توضيح ذلك بالأمثلة . وبيان القاعدة في ذلك ؟
ج
: القاعدة في ذلك أن كل فعل نُفيَ الإيمان عن فاعله فلأنه حرام، وكل فعل نُفيَ الإيمان عن تاركه فلأنه واجب، وهذا الأمر من الأشياء التي يعرف بها، وجوب الشيء أو حرمته، بل وهو من الأشياء التي يعرف بها الكبيرة فإن الكبيرة تعرف بأشياء كثيرة، ومنها قولهم:
( أو نفي إيمان ) أي أن هذه الأشياء، والأفعال التي نُفيَ الإيمان عن أصحابها دليل على أنها كبيرة من كبائر الذنوب، فإن المنفيَّ هنا هو كمال الإيمان الواجب، فإن من الممتنع شرعاً أن ينفى الإيمان عن فاعل المكروه، أو تارك المستحب، بل لا ينفي الإيمان الكامل إلا عن فاعل الحرام أو تارك الواجب، والأمثلة على ذلك لا تكاد تحصر، ودونك بعضها:
فمنها: حديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعاًً ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) وكان أبو هريرة يلحق معهن ( ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل حين يغل وهو مؤمن ) فهذه الأفعال نفى النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان عن فاعلها فهو دليل على حرمتها، وأنها كبيرة من كبائر الذنوب .
ومنها: ما في الصحيحين من حديث أنس – مرفوعاً- ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ) فهذا دليل على وجوب ذلك أي يجب عليك أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك .
ومنها: ما في الصحيحين من حديث أنس – مرفوعاً- ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين ) فهذا دليل على وجوب تقديم محبته - صلى الله عليه وسلم - على محبة كل أحد من الخلف ؛ لأنه فعلٌ نفى الشارع الإيمان عن تاركه فهذا دليل وجوبه .
ومنها: حديث ( لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ) فهذا دليل على وجوب أداء الأمانة، وحفظ العهد، وعلى ذلك فقس . والله أعلم .
س258 ما مذهب أهل السنة في مرتكب الكبيرة في الدنيا ؟ مع تأييد ذلك بالأدلة . موضحاً وسطيتهم بذكر أقوال المخالفين إجمالاً ؟
ج
: يعتقد أهل السنة والجماعة - رحمهم الله تعالى- أن فعل الكبيرة له تأثير في نقص الإيمان كما وردت بذلك الأدلة، لكنه ليس النقص الكامل بحيث لا يكون معه شيء من الإيمان، بل هو نقص يتفاوت بتفاوت عظم هذه المعصية وصغرها، فالنقص الذي يحدثه القتل أعظم من النقص يحدثه حلق اللحية وإسبال الثوب، وهكذا... فالمحرمات تتفاوت فيما يترتب عليها من العقوبات والآثام، كما أن الواجبات تتفاوت أجورها وما يترتب عليها، ففعل المعصية ينقص الإيمان، لكنه ليس النقص المطلق، أي: أنه نقص من إيمانه بقدر هذه الكبيرة التي فعلها، لكن يبقى معه شيء من الإيمان . فخلاصة مذهب أهل السنة في ذلك: أنهم لا يعطونه الإيمان المطلق، ولا يسلبونه مطلق الإيمان، وبعبارة أخرى نقول: مرتكب الكبيرة مؤمن بما بقي معه من الإيمان، وفاسق بما فعله من العصيان . أو نقول: هو مؤمن بإيمانه، وفاسق بكبيرته . والدليل على أن فعل الكبيرة تنقص الإيمان حديث أبي هريرة السابق ( لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن ....... الحديث ) أي: لا يكون مؤمناً تاماً، ولا يكون له نور الإيمان كما قاله الإمام البخاري - رحمه الله تعالى- فهذه المعاصي من الزنى، وشرب الخمر، والسرقة، والانتهاب، والغلول أوجبت نقص الإيمان مما يدل على أن فعل المعصية ينقص الإيمان، عن أبي هريرة مرفوعاً ( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن قالوا: من يا رسول الله قال من لا يأمن جاره بوائقه ) فهذه المعصية، وهي أذى الجار وإسرار العداوة له وتربص حلول الدوائر به أوجبت نقص الإيمان، وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود مرفوعاً ( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ) فهذه المعصية العظيمة أوجبت نقص الإيمان الذي تحصل به النجاة يوم القيامة . وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود - مرفوعاً- ( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ) والوصف بالفسوق والكفر الأصغر دليل على أن هاتين المعصيتين قد أثرتا تأثيراً بليغاً في نقص الإيمان مما يدل على أن فعل المعصية ينقص الإيمان بقدر هذه المعصية . وفي الصحيحين من حديث حذيفة ( لا يدخل الجنة قتات ) أي نمام، فهذه المعصية أنقصت الإيمان الواجب نقصاً كبيراً بحيث أن صاحبها حكم عليه بأنه لا يدخل الجنة، والنصوص على ذلك كثيرة جداً لا تكاد تحصر، وتفيد بمجموعها أن فعل المعاصي ينقص الإيمان، والدليل على أن فاعل الكبيرة لا يخرج عن مسمى الإيمان قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف وأداءً إليه بإحسان ﴾ فوصف القاتل بأنه أخٌ للمقتول مما يدل على أنه لا يزال على الإيمان مع اتصافه بالقتل، فعلمنا بذلك أن ارتكاب الكبيرة لا يخرج عن مسمى الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهم ﴾ فسماهم مؤمنين مع اتصافهم بقتال بعضهم بعضاً ، وقال في آخرها ( إنما المؤمنون إخوة ) فوصفهم بالإيمان، وجعلهم إخوة مما يدل على أنه لا يزال بينهم أخوة الإيمان، فعلمنا بذلك أن ارتكاب الكبيرة لا يخرج العبد من دائرة الإيمان بالكلية، وفي حديث عياض الملقب حماراً أنه كان يشرب الخمر فيؤتى به فيجلد فلعنه أحد الصحابة فقال - عليه الصلاة والسلام - ( لا تلعنه فوالله أني لا أعلم إلا أنه يحب الله ورسوله ) ومن المعلوم أن شرب الخمر من الكبائر، ومع ذلك أثبت له أنه يحب الله ورسوله أي: هو مؤمن، فأثبت له الإيمان مع تلبسه بهذه الكبيرة، فعلمنا بذلك أن ارتكاب الكبيرة لا يخرج العبد من مسمى الإيمان بالكلية . وقد اتفق أهل السنة على ذلك. إذا علمت هذا فاعلم أن المرجئة يقولون: فاعل الكبيرة له الإيمان المطلق أي: أن إيمان أفسق الناس كإيمان أصلح الناس، ففعل الكبيرة غير الشرك لا يؤثر في نقص الإيمان . وأما الوعيدية فقالوا: من فعل الكبيرة فإنه يخرج من دائرة الإيمان ومسماه بالكلية، فلا ينفع إيمان مع فعل الكبيرة فهم سلبوه مطلق الإيمان. فقال أهل السنة: ولا يسلبه مطلق الإيمان . فمذهب أهل السنة وسط بين المذهبين، فلم يعطوه الإيمان المطلق كما فعلت المرجئة، ولم يسلبوه مطلق الإيمان كما فعلت الوعيدية . والله أعلم .
س259 ما مذهب أهل السنة في مرتكب الكبيرة في الآخرة مع بيان مذهب المرجئة والوعيدية ؟ وتوضيح منهج الوسطية في ذلك ؟
ج :
نعتقد أهل السنة - رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى- أن مرتكب الكبيرة إذا مات مصراً عليها فإنه تحت مشيئة الله – تعالى– فإن شاء غفر له كبيرته وأدخله الجنة ابتداءً، وإن شاء عذبه في النار بقدر كبيرته ثم يخرجه منها، ويدخله الجنة انتقالاً، ويعتقدون مع ذلك أنه لا يخلد أحد من أهل القبلة في النار خلود الكفار - وإن طالت فترة عذابهم- فمآلهم إلى الجنة، والدليل على ذلك حديث أنس في الصحيح مرفوعاً ( يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن حبة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير ) وفي السنن من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة ، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه ) حديث صحيح، وفي الصحيح عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم، وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه ) وقال أهل السنة ذلك؛ لأن فاعل الكبيرة قد اجتمع فيه الموجبان، فما فعله من الكبائر موجب لعقوبته، وما عنده من الإيمان موجب لإثابته . فاجتمع فيه موجب الثواب، وموجب العقاب فلا نجزم له بأحد الأمرين بل نكل أمره إلى الله – تعالى- فإن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وبتوضيح أكثر نقول: اعلم - رحمك الله تعالى- أن مذاهب أهل القبلة في مرتكب الكبيرة في الآخرة هو نتيجة لمذاهبهم فيه في الدنيا .
فأما الوعيدية فقد سلبوه مطلق الإيمان فقالوا: إنه في الآخرة إلى النار خالداً مخلداً فيها لا يخرج منها أبد الآباد.
وأما المرجئة فقد قالوا: إن مرتكب الكبيرة له الإيمان المطلق فقالوا: هو في الآخرة إلى الجنة مباشرة، ولا اعتبار بما فعله من الكبائر ؛ لأنها لم تنقص إيمانه .
وأما أهل السنة فقالوا: لا نقول: إلى الجنة مباشرة، ولا إلى النار مباشرة بل هو تحت المشيئة . فتوسطوا بين المذهبين الضالين . وهذا من توفيق الله – تعالى- لأهل السنة . والله أعلى وأعلم .

س260 ما سبب ضلال هاتين الفرقتين ؟ وما سبب تسميتها بذلك ؟ وأي الفرق هم ؟
ج: أما سبب ضلالهم فلأنهم زعموا أن الإيمان جزء واحد لا يزيد ولا ينقص، بل هو ثابت في حق كل أحدٍ ما لم يأت العبد بما يناقضه ، وهذا المناقض هو الكفر والشرك عند المرجئة لا غير ، فالذي يؤثر في الإيمان عند المرجئة هو الشرك فقط لا فعل الكبيرة ، تغليباً منهم للرجاء التي دلت عليها أدلة الوعد ، وأما الوعيدية فالناقض عندهم هو كل كبيرة ، فكل كبيرة تعد ناقضة للإيمان من أساسه وكذلك تغليباً منهم للخوف والتهديد التي دلت عليه أدلة الإيمان أي لا يذهبه بالكلية إلا الكفر والشرك ، وأما فعل الكبيرة فإنها مضادة لكماله الواجب أي أن الكبيرة تنقصه عن كماله الواجب ، فلا يجتمع الكمال الواجب مع فعل الكبيرة أبداً ، لكنها - أي فعل الكبيرة لا تناقض أساسه ويكون أهل السنة بذلك قد أخذوا بأدلة الوعيد والوعد فأعملوا جميع الأدلة الشرعية وهذا هو منهج الوسطية .فالمرجئة عبدوا الله بالرجاء فقط ، والوعيدية عبدوا الله بالخوف فقط وأما أهل السنة فعبدوا الله بالخوف والرجاء فأنتج ذلك لهم الخشية ، فالخشية مزيج من الخوف والرجاء ، جعلنا الله وإياك من أهل السنة .

وسميت المرجئة بذلك لأنهم يغلبون جانب أدلة الوعد المفيدة لتغليب الرجاء ، وقيل : بل الإرجاء هو التأخير فلأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان سموا بالمرجئة، قلت : وكلا الأمرين صحيح فسموا مرجئة لهذا ولهذا . وهم الأشاعرة وبعض الأحناف والماتريدية والجهمية والكلابية ، فهولاء في باب أسماء الأحكام والدين يسمون مرجئة ، وأما الوعيدية فسموا بذلك لأنهم لا يعلمون إلا بأدلة الوعيد فقط ويتركون أدلة الوعد ، وهم الخوارج والمعتزلة ، فهؤلاء في باب الكلام على مرتكب الكبيرة نسميهم الوعيدية والله أعلم .
س261 ما الضابط في معرفة الكبيرة ؟ مع بيان هذا الضابط بضرب مثال ؟
ج: الضابط في معرفة الكبيرة هي أنها كل ذنب ختم بلعنة أو غضب أو نار أو توعد عليه بعقاب خاص في الآخرة أو نفي عن صاحبه الإيمان أو بأنه ليس منا .
فمثال ما ختم بلعنة حديث علي مرفوعاً ( لعن الله من ذبح لغير الله لعن الله من لعن والديه لعن الله من آوى محدثاً لعن الله من غير منار الأرض ) رواه مسلم .
ومثال ما ختم بغضب قوله تعالى ( ومن قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالاً فيها وغضب عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ) وحديث ابن مسعود ( من حلف على يمين صبر ) .
ومثال ما ختم بنارٍ حديث ( فما أسفل الكعبين في النار ) .
ومثال ما ثبت فيه الوعيد عليه بخصوصه حديث ( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل كان له فضل ماءٍ بالطريق فمنعه من ابن السبيل ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال والله الذي لا إله إلا غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا فصدقه رجل .. ) متفق عليه .
ومثال ما نفي عن صاحبه الإيمان حديث أنس ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) .
ومثال ما قيل فيه ( ليس منا ) حديث ابن مسعود ( ليس منا من ضرب الحدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ) وحديث ابن عمر وأبي موسى ( من حمل علينا السلاح فليس منا ) ونحو هذه الأدلة ، والمسألة خلافية وهذا هو الراجح إن شاء الله تعالى واختاره شيخ الإسلام والله أعلم س262 ما أسباب تكفير السيئات ؟
ج:
أسباب تكفير السيئات هي :

الأول: التوبة ، قال تعالى ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ ﴾[مريم:60] وقال ﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ﴾[المائدة:39] وفي الحديث ( ويتوب الله على من تاب ) وقال عليه الصلاة والسلام ( والتوبة يجب ما قبلها ) والأدلة في ذلك كثيرة .
الثاني: الاستغفار ، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾[الأنفال: 33] وقال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴿10﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ﴾ [نوح:10ـ11] وذكر أهل العلم أن الاستغفار يتضمن التوبة والتوبة تتضمن الاستغفار وكل واحد منها يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق ، وأما عند الاقتران فيكون الاستغفار طلب وقاية شر ما مضى ، والتوبة : الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله ، فيقال في التوبة والاستغفار ما يقال في الإسلام والإيمان ، والفقير والمسكين ، والكفر والشرك عن أنهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا .
الثالث: الحسنات الماحية ، قال تعالى: ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) وقال عليه الصلاة والسلام: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾[هود:114] حديث صحيح، وفي الحديث ( الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) وهو في الصحيح .
الرابع: المصائب الدنيوية ، قال صلى الله عليه وسلم ( ما يصيب المسلم من وصب ٍ ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفّر الله به من سيئاته ) متفق عليه ، وعن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾[النساء:123] بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قاربوا و سددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها ) رواه مسلم ، وقال عليه الصلاة والسلام لأم السائب: ( لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد ) رواه مسلم .
الخامس: عذاب القبر وتقدم الكلام عليه .
السادس: دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات .
السابع: ما يهدى إليه بعد الموت من ثواب صدقةٍ أو حج ونحو ذلك .
الثامن: أهوال يوم القيامة وشدائده .
التاسع: المقاصّة عند القنطرة وهو ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرةٍ بين الجنة والنار فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا نقُّـوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة ..... الحديث ) رواه البخاري .
العاشر: شفاعة المؤمنين له يوم القيامة وسيأتي الكلام عليها بعد قليل إن شاء الله تعالى .
الحادي عشر: عفو أرحم الراحمين من غير شفاعه كما قال تعالى ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء:48] وسيأتي دليلها في الشفاعة إن شاء الله تعالى ، فهذه الأسباب هي مجموع ما ذكره أبو العباس وتلميذه أبن القيم وتابعهم على ذلك شارح الطحاوية والله أعلم .
س263 عرف الشفاعة ؟ وما الأصل فيها عند أهل السنة والجماعة ؟
ج: الشفاعة مأخوذة من الشفع ضد الوتر ، وهي انضمام شيء إلى شيء ، أي انضم وتر إلى وتر فصار شفعاً ، والمراد بها في عرف أهل الاعتقاد : السؤال لفصل القضاء والتجاوز من الذنوب وتخفيف العذاب وزيادة الثواب لمستحقه ، فهذا التعريف يدخل فيه جميع الأنواع المذكورة والتي ثبتت بها الأدلة ، وهو تعريف للشفاعة في الآخرة وإلا فالشفاعة في الأصل : طلب الخير للغير ، إذا علمت هذا فاعلم أن الأصل في شفاعة الآخرة التوقيف على الدليل ، أي أنه لا يجوز أن يثبت منها إلا ما ورد الدليل به فقط وأما ما لا دليل عليه فالأصل عدمه لأن هذه الشفاعات من أمور الغيب وقد تقرر أن أمور الغيب مبناها على التوقيف ، فما صح به الدليل قلنا به ومالا فلا وكما أنه لا يجوز أن يثبت منها إلا ما أثبته الدليل ، فكذلك لا يجوز إنكار أو تأويل ما ثبت به الدليل ، بل الواجب التصديق والإقرار به وترك المراء والجدال فيما ثبت به النص ، ولا يتعارض نص صحيح مع عقل صريح ، والعقل تابع للنص وخادم له ، والنص هو السيد المطاع ، فانتبه لهذا فإن هذا الباب أعني باب الشفاعة باب قد زلت فيها الأقدام وضلت فيه الأفهام وسبب ذلك عدم اعتماد هذا الأصل المبارك والله ولي التوفيق .
س264 ما أقسام الناس في الشفاعة ؟
ج:
أقول : الناس في الشفاعة ثلاث طوائف
طرفان ووسط:ـ
الأولى: طائفة أنكرها كاليهود والنصارى والخوارج والمعتزلة الذين ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر فخالفوا الآيات القرآنية الصريحة والأحاديث النبوية الصحيحة وناقضوا إجماع الأمة.
الثانية: طائفة غلت في إثبات الشفاعة حتى تجاوز بهم الحد الشرعي فجوزوا طلبها من الأموات كالأنبياء والأولياء والصالحين،حتى أثبتوها لبعض الجمادات كما قال الله تعالى ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾[الزمر:3] وقال عنهم: ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [يونس:18] فرد الله عليهم وكذبهم في زعمهم هذا فقال: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ [غافر:18] وقال تعالى: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾[المدثر:48] وقد عاب الله تعالى على الذين اتخذوا شفعاء من دونه وهم لا يملكون شفاعة ولا يعقلون لأنهم إما أموات غير أحياء وإما جمادات فقال تعالى: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ﴿43﴾ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [الزمر:43 ـ 44] وقال تعالى: ﴿ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾[سـبأ:23] فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون في معبوداتهم هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن .
الثالثة: أهل السنة والجماعة : فقد أثبتوا الشفاعة الشرعية واعتمدوا ما جاء في شأنها في الكتاب والسنة وأنها لا تطلب إلا من الله تعالى ، وسيأتي في الأسئلة بعدها زيادة توضيح لذلك والله أعلم .
س265 هل الشفاعة ف الآخرة عامة أم خاصة ؟
ج: كنها ما هو عام ومنها ما هو خاص ، ونعني بالخاص أي بالنبي وحده صلى الله عليه وسلم ، ونعني بالعام ، أي لسائر النبيين والملائكة والصديقين والشهداء والصالحين ومن مات صغيراً ولعامة المؤمنين.
فأما الشفاعات الخاصة فثلاث :
الأولى: الشفاعة العظمى.
الثانية: الشفاعة في أهل الجنة ليدخلوا الجنة.
الثالثة: الشفاعة في عمه أبي طالب.
وأما الشفاعات العامة فأربع :
الأولى: الشفاعة فيمن أستحق النار إلا يدخلها
الثانية:
الشفاعة فيمن دخلها من أهل القبلة ممن معه أصل الإسلام أن يخرج منها.
الثالثة:
الشفاعة في أهل الأعراف
الرابعة: الشفاعة في رفعة الدرجات في الجنة ، فصارت الشفاعات بذلك سبع شفاعات ، ثلاث منها خاصة به صلى الله عليه وسلم والباقي عام له ولسائر المؤمنين والله أعلم .
س266 ما المراد بالشفاعة العظمى وما دليلها ؟
ج:
المراد بها شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف لفصل القضاء بينهم ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون أشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم فيقول : لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله ، فيأتون موسى فيقول : لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول : لست لها ولكن عليكم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فيأتوني فأقول :ـ أنا لها فاستأذنت على ربي لي ويلهمني محامد أحمده بها الآن فاحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع راسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعط، فأرفع راسي وأقول : يا رب أمتي أمتي ... الحديث الطويل )[متفق عليه] .
وقد أجمع السنة على إثباتها. فإذا جمع الأولين والآخرين في صعيد واحد فإن الشمس تدنو منهم والعرق يبلغ منهم كل على قدر أعماله فيبلغ الناس من الكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بغض الناس لبعض ألا ترون إلى ما قد بلغكم ألا ترون ما أنتم فيه ، ألا ترون من يشفع لكم إلى ربكم . فيأتون آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، كلهم يعتذر عن ذلك ويقول: ( إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ، ويذكر ما عنده مما أخطأ فيه ، فيقول آدم عليه السلام: وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي ، ويقول نوح عليه السلام: وإنه كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي ، وإبراهيم عليه السلام ذكر تعريضاته الثلاث ، وموسى يقول: وإني قتلت نفسًا لم أمر بقتلها نفسي نفسي ، وأما عيسى فلا يذكر ، وينتهي الأمر إلى خاتم الأنبياء وأفضل المرسلين صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها ، فيشفع عند ربه فيفصل بين الناس في القضاء ) ، وهذه الشفاعة المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون كما قال الله تعالى: ﴿ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾[الاسراء:79] وكما ذكرت أن هذه الشفاعة خاصة به صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
س 267 ما المقصود بالشفاعة لدخول الجنة مع ذكر دليلها ؟
ج:
المقصود بها أن أهل الجنة إذا جاءوا إليها وجدوا أبوابها مغلقة ويكون أول من يفتح له النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلها وقد دخل بعده أمته ثم بقية الأمم ، ودليلها حديث أنس عند مسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت ؟ فأقول : محمد ، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك ) وفي لفظ له ( أنا أول شفيع في الجنة ) والله أعلم .
س268 ما المراد بالشفاعة في عمه أبي طالب وما دليلها ؟
ج:
المراد بها شفاعة تخفيف لا إخراج وهي خاصة بأبي طالب فقط وإلا فالأصل في عموم الكفار والمشركين أنهم لا تنفعهم الشفاعة ولا يأذن لأحد أصلاً بالشفاعة فيهم كما قال تعالى: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾[المدثر:48]، ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: ( يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار )، وفي لفظ ( وجدته في غمرات من النار ، فأخرجته إلى ضحضاح ) وفي الصحيح أيضاً من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عند عمه أبو طالب فقال : ( لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه ) وللبخاري ( يغلي من أم دماغه ) ولمسلم عنه مرفوعاً ( إن أدنى أهل النار عذاباً من ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه ) والله أعلم .
س269 ما المراد بالشفاعة في أهل الكبائر ؟ وما دليلها ؟ ومن الذي أنكرها ؟
ج:
المراد بذلك أن من الأمة من يموت مصراً على بعض الكبائر ، وقد ذكرنا أنه عند أهل السنة تحت المشيئة . فإذا شاء الله عذابه فإنه لا يخلو من أحوال إما أن يأذن بالشفاعة فيه فلا يدخل النار أصلاً بل يغفر له ويدخل الجنة ابتداءً ، وإما أن يدخل النار ثم يؤذن بالشفاعة فيه بعد دخولها فيخرج منها إلى الجنة انتقالاً ، وذلك يعود إلى مشيئة الله جل وعلا وهذه الشفاعة قد تواترت على إثباتها الأدلة ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لكل نبي دعوة دعاها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ) وفي الصحيح أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ) وعن أنس مرفوعاً ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) وفي الصحيح أيضاً عن حماد بن زيد قال قلت لعمرو بن دينار : أسمعت جابر بن عبدالله يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة ؟ قال : نعم )، وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً ( فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين فيقبض قبضةً من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا فحماً فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة ، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ) وفي الصحيح من حديث أبي سعيد السابق والطويل وفيه ( حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله تعالى في استيفاء الحق من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون : ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم : أخرجوا من عرفتم ، فتحرَّمُ صورهم على النار فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ من خير فأخرجوه فيخرجون خلقاً كثيراً ، ثم يقول : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ، فيخرجون منها خلقاً كثيراً ، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيراً ) وفي الصحيح من حديث أبي سعيد أيضاً مرفوعاً ( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيئ بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل : يا أهل الجنة أفيضوا عليهم .... الحديث ) وفي الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة ويسمون بالجهنميين ) وفي البخاري أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا كان يوم القيامة شفعت وقلت يارب أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة ، فيدخلون ثم أقول : أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء فيدخلون ) وفي الحديث في فضائل الشهداء ( و يشفع في سبعة من أهله ) وغير ذلك من الأدلة ، وكما ذكرت لك أن هذا النوع من الشفاعة قد تواترت به الأدلة ، وقد أجمع أهل السنة رفع الله نزلهم في الدنيا والآخرة على إثباته ولكن أبى المبتدعة إلا إنكارها والتكذيب بها ، فقد أنكرها الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ، وحري بهم ألا يوفقوا لها يوم القيامة ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، وعميت أعينهم عن هذه الأدلة النيرات المتواترات لِوهمٍ توهموه ومذهب ٍ انتحلوه وخرافات أصّلوها واعتمدوها وعارضوا بها نصوص الوحي المطهر عافانا الله وإياكم من كل بلاء وفتنة ونعوذ به جل وعلا من حال أهل الأهواء والله أعلم .
س270 ما دليل الشفاعة في رفعة الدرجات في الجنة ؟
ج:
دليلها قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾[الطور:21] وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما توفي أبو سلمة ( اللهم أغفر لأبي سلمة وأرفع درجته في المهديين ) والله أعلم .
س271 من أهل الأعراف ؟
ج:
أهل الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فيوقفون بين الجنة والنار ، يرون أهل الجنة يدخلون فيقولون ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ [الأعراف:46] ويرون أهل النار يدخلونها ﴿ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾[الأعراف:47] فيأذن الله تعالى بالشفاعة فيهم فيشفع فيهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ، ويستدل على الشفاعة فيهم ببعض عمومات الأدلة السابقة كحديث ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) وغير ذلك والله أعلا وأعلم .
س272 ما شروط الشفاعة ؟ مع بيانها بالأدلة ؟
ج:
شروط الشفاعة شرطان : الإذن و الرضى قال تعالى ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾[البقرة:255] وقال تعالى ﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾[الانبياء:28] وقال تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾[النجم:26] والله أعلم .


التوسل

س273 ما القاعدة المعتمدة عند أهل السنة في باب التوسل ؟ مع شرح معناها الإجمالي .
ج :
 القاعدة المعتمدة عند أهل السنة في باب التوسل تقول:
الأصل في التوسل التوقيف على الدليل الشرعي الصحيح ، الصريح . وبيانها: أن يقال:

 إن المتقرر عند أهل الإسلام أن باب التعبد لله - تعالى- باب توقيفي على الدليل ، فلا يجوز إثبات شيء منها إلا إذا أثبته الدليل ، فما أثبته الدليل منها أثبتناه، وما نفاه منها نفيناه، وما لم يثبته ، ولم ينفه فالأصل عدمه  من المعلوم أن باب التوسل من أبواب العبادات فهو عبادة ؛ لأن مبناه على أنك تتقرب إلى الله - تعالى- باتخاذه الوسيلة المعينة المحبوبة له - جل وعلا- وحيث كان عبادة فالأصل فيه التوقيف تفريعاً على القاعدة في العبادات، وبناءً عليه فلا يجوز لك - أيها الأخ المبارك - أن تتوسل بشيء وتعتقد من جملة ما يتوسل به ، إلا وعليه دليل من الكتاب ، أو صحيح السنة، وما لا دليل عليه فاحذره، فليس باب التوسل مفتوحاً للشهوات ، وآراء الرجال والهوى، والأحاديث الضعيفة أو الموضوعة ، أو الأذواق ، بل هو باب توقيفي على الدليل فما ورد الدليل بجواز التوسل به فيجوز التوسل به،  وما لم يرد على جوازه دليل فقف منه موقف المنع؛ لأن الأصل في باب التوسل التوقيف على الدليل الشرعي الصحيح . والله أعلم.
س274 ما المراد بلفظ ( الوسيلة والتوسل ) في الكتاب والسنة وكلام الصحابة؟ مع بيان ذلك بالأدلة ؟
ج : اعلم أن الوسيلة تختلف باختلاف الإطلاق:
فالوسيلة في كتاب الله - تعالى- يراد بها التقرب إليه بفعل أوامره ، واجتناب نواهيه، وطاعة رسله وهي الوسيلة العامة التي يطالب بها كل أحد وذلك كما في قوله - تعالى- ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون [ المائدة:35] فابتغاء الوسيلة إليه يراد بها التقرب له بالعمل بما يرضيه وبالمناسبة فإنه لم يرد لفظ الوسيلة في القرآن إلا في هذا الموضع فقط. وأما الوسيلة في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم- فيراد بها المنزلة التي في الجنة التي لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم- ( ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فنم سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) رواه مسلم.وفي حديث جابر مرفوعا ( من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته حلت له شفاعتي ) حديث صحيح .
وأما الوسيلة في كلام الصحابة فإنما يراد بها طلب الدعاء فقط، فإذا وجدت في كلامهم أنهم كانوا يتوسلون بكذا وكذا ،فاعلم أن المراد بذلك أنهم يطلبون منه أن يدعو لهم، وذلك كما في حديث أنس:( أنهم كانوا إذا قحطوا يقول عمر -رضي الله عن- اللهم إنا كنا نتوسل بنبيك - صلى الله عليه وسلم- فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قم يا عباس، فيقوم فيدعو فيسقون ) فقوله ( كنا نتوسل بنبيك ) أي: كنا نطلب الدعاء منه. وقوله ( وإنا نتوسل بعم نبيك ) أي ونحن الآن نطلب منه أن يدعو لنا ، فهذه الإطلاقات الثلاث للفظ الوسيلة يجب التفريق بينها، فإن من فرق بينها فقد أحكم بذلك شيئاً كثيراً من مسائل هذا الباب الشائك الذي ضلت فيه أقوام وزلت فيه أقدام . والله أعلم.
س275 ما الوسائل التي ثبت الدليل بجواز التوسل بها ؟ مع تأييد ذلك بالأدلة .
ج :  لقد أثبت الدليل الشرعي الصحيح الصريح جواز التوسل بعدة أشياء:
الأول:  التوسل إلى الله - تعالى- بأسمائه الحسنى . قال الله - تعالى- ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [ الأعراف:180]
الثاني: التوسل بالصفات، وله أدلة كثيرة وذلك كما في حديث الاستخارة ( االلهم إني أستخيرك بعلمك الغيب وأستقدرك بقدرتك ...... الحديث ) ومنه دعاء سليمان - عليه السلام- ( وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) ومنه حديث بريدة - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- سمع رجلاً يقول: الله إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال ( لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح، وغير ذلك من الأدلة.
الثالث: التوسل إلى الله - تعالى- بذكر الحال ، ومنه قوله - تعالى- عن نوح عليه السلام " رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين" وقوله - تعالى- عنه أيضا" رب إني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر" وقوله - تعالى- عن موسى "رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير" ومنه الحديث المشهور في السير أنه - صلى الله عليه وسلم- قال لما طرده أهل الطائف: ( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ..... الحديث ).
الرابع :  التوسل إلى الله - تعالى- بدعاء الحي الحاضر القادر، ودليله حديث أنس في الصحيح أن رجلاً دخل المسجد من نحو دار القضاء ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- قائم يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال ، وجاع العيال ، وانقطعت السبل ، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم- يديه وقال: ( اللهم أغثنا ) ثلاثاً قال أنس: فلا ، والله ما في السماء من سحاب ولا قزعة حتى خرجت من وراء سلع سحابة سوداء ثم توسطت السماء فأمطرت ، فلا ، والله ما رأينا الشمس أسبوعاً كاملاً ..... الحديث ) ومنه حديث أنس في طلب عمر - رضي الله عنه- من العباس أن يدعو للمسلمين، وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، وكذا فعل معاوية - رضي الله عنه- لما أصابهم القحط في الشام ، فإنه أمر يزيد بن الأسود أن يتقدم الناس ويدعو ، ومنه أيضا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- من لقي أويساً القرني أن يطلب منه أن يدعو له ، ومنه أيضا حديث الأعمى الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وطلب منه أن يدعو له ، أن يرد الله - تعالى- عليه بصره ، ومنه أيضاً طلب أم سليم منه -صلى الله تعالى عليه وسلم- أن يدعو لأنس . والأدلة على ذلك كثيرة شهيرة.
الخامس: التوسل إلى الله - تعالى- بالأعمال الصالحة ، ودليله حديث ابن عمر في توسل الثلاثة من بني إسرائيل الذين انطبقت عليهم الصخرة، وسدت عليهم باب الغار فقال بعضهم لبعض: ( إن الله - تعالى- لن ينجيكم من أمر هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله - تعالى- بصالح أعمالكم ) فتوسل الأول ببره بوالديه ، وتوسل الثاني بعفته وخوفه من الله - تعالى ، وتوسل الثالث بأمانته وحفظ عهده وفي آخره ( فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون ) متفق عليه.
السادس: التوسل إلى الله - تعالى- بالإيمان به وبرسوله - صلى الله عليه وسلم- كما قال - تعالى- ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فأغفر لنا ذنوبنا وكفرعنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار .....الآيات [ آل عمران:193] ،
وقوله - تعالى- ﴿ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار [ آل عمران:16] وهذا السادس يدخل في الأمر الخامس؛ لأنه من جملة الأعمال الصالحة ، فالأعمال الصالحة من أعظم ما يتوسل به العبد ، فهذه الوسائل الست هو التي دل الدليل الشرعي الصحيح الصريح على جواز التوسل بها . والله أعلم .
س276 ما أقسام التوسل بالأسماء والصفات ؟ مع بيان ما تقول بالمثال .
ج: التوسل بالأسماء والصفات قسمان :
توسل عام ، وتوسل خاص . والمراد بالتوسل العام أي: أن تقول: اللهم أني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى ، هكذا على وجه العموم ، فهذا جائز كما مضى بلا شرط . والمراد بالتوسل الخاص: أن تتوسل باسم معين أو صفة معينة، فيشترط حينئذٍ مناسبة الاسم والصفة للسؤال ، فإذا سألت الرزق فتوسل باسم الله الرزاق والكريم والجواد و المعطي ونحوها ، وإذا سألت المغفرة والرحمة فتوسل باسمه الرحمن الرحيم الغفور الودود التواب الرءوف ونحوها ، وإذا سألت هلاك ظالم فتوسل باسمه الجبار والقوي والمهيمن والعزيز والقدير ونحوهما، وكذلك يقال في الصفات، فلا بد أن يكون الاسم أو الصفة المتوسل بها مناسبة لسؤالك الذي تريد أن يحققه الله لك . والله أعلم .
س277 ما حكم التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم- ؟ مفصلاً الجواب مع ضرب المثال .
ج: أقول: التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم- أنواع:
الأول :  التوسل به بمعنى طاعته فيما أمر ، واجتناب ما نهى عنه وزجر ، وتصديقه فيما أخبر ، وألا يعبد الله إلا بما شرع ، فهذا حقيقة دين الإسلام ، وزبدة رسالة الشريعة التي بعث بها - صلى الله عليه وسلم- .
الثاني :  التوسل به بمعنى طلب الدعاء منه فهذا جائز في حياته فقط ، وأما بعد وفاته فلا يجوز، وقد قدمنا الأدلة على جوازه في حياته ، وأما الدليل على عدم الجواز بعد وفاته فلأنه لا يملك حينئذ لنفسه نفعاً ولا ضراً وفاقد الشيء لا يعطيه،؛ ولأن الصحابة كانوا إذا قحطوا استسقوا بالعباس مع أنه - صلى الله عليه وسلم- كان مدفوناً بجوارهم في حجرة عائشة ، فعدم إتيانهم لقبره ، وسؤاله إجماعٌ منهم على عدم الجواز ، ولأنه - صلى الله عليه وسلم- قال: ( اشتد غضب الله - تعالى- على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) وقال ( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد ) وقصده للدعاء عنده من اتخاذه من اتخاذه عيداً ووثناً ومسجداً ، فهو باب مفضٍ إلى ذلك فلابد من سده ، فحيث لم يفعله أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة السلف ، فلا يجوز فعله إذ لو كان ذلك مما يجوز لنبهوا عليه، وفي المختارة أن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رأى رجلاً يجيء إلى فرجةٍ كانت عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم- فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: ( لا تتخذوا قبري عيداً ، وصلوا عليَّ حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني ) فطلبُ الدعاء منه بعد مماته من الشرك الأكبر المخرج من الملة ، فإنه لا يدعى إلى الله - تعالى ، وأما دعاء الأموات أياً كانوا فإنه من الشرك الأكبر- نعوذ بالله منه .
الثالث :  التوسل إلى الله بجاهه ، وهذا لا يجوز؛ لأنه لا جاه له عند الله- نعوذ بالله من قول ذلك- بل هو أعظم الخلق عند الله جاهاً وأعلاهم منزلة ، لكن قد قدمت لك أن الأصل في التوسل التوقيف على الدليل ، ولم يأت الدليل الشرعي الصحيح في جواز التوسل بذلك ، بل ولا يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك حرفاً واحداً ، وكل ما يروى في التوسل بجاهه فكذب مختلق موضوع -لعن الله واضعه وعامله بما توعد به الكاذبين على نبيه - صلى الله عليه وسلم- فبان بذلك أن التوسل به ثلاثة أنواع: نوع جائز وهو الأول ، بل هو حقيقة الدين ، لكن قلت: جائز بالنسبة للنوعين قبله فقط ، وإلا فهو أوجب الواجبات وأعظم المطلوبات المتحتمات . ونوعان ممنوعان . والله أعلم .
س278 هل الأفضل طلب الدعاء من الغير أم الأفضل تركه ؟
ج: هذا يختلف باختلاف ما يقوم بقلب الطالب ، فإن قام بقلبه حب نفع نفسه وأخيه بدعاء الملك له ، فإنه ما دعا أحد لأخيه بظهر الغيب إلا أجابه ملك ، وقال ( آمين ولك بالمثل ) فأنا قام في قلبي حب نفع أخي بدعاء الملائكة له فأمرته أن يدعو لي حباً لانتفاعه هو بدعاء الملك له مع انتفاعي أنا أيضاً بدعائه فهذا جائز لا بأس به وعليه يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم- لعمر ( لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك ) وأما إذا لم يقم في قلب الطالب إلا انتفاعه هو فقط بهذا الدعاء فهذا جائز أيضاً ، لكن تركه أفضل ، فإنه - صلى الله عليه وسلم- قد أخذ العهد على بعض أصحابه ألا يسألوا الناس شيئاً ، فكان سوط أحدهم يسقط فينزل ويأخذه ولا يقول لمن تحته ناولنيه  ولأن منزلتك في قلب غيرك تخف بقدر سؤالك له ، ولأن قلبك و لا بد أن تتعلق شعبة منه بالمطلوب الدعاء منه والمستحب للعبد في كل أحواله أن يتعلق قلبه بالله التعلق الكامل ، ولأن الداعي لك قد لا يقوم في قلبه الإلحاح وشدة الافتقار وصدق اللجأ لله - تعالى- كما يقوم بقلبك أنت؛ لأنك صاحب الحاجة ، وليس النائحة الثكلى كالمستأجرة، فدعاؤك لنفسك في هذه الحالة أكمل؛ لأنه أتم في تحقيق مراتب العبودية في الدعاء من كمال الافتقار ، وغاية الذل ، وصدق اللجأ لله - تعالى . ويكره للإنسان أن يترك هذه الأحوال القلبية الكاملة اتكالاً على دعاء غيره له، ولأن سؤال غيرك أن يدعو لك فيه نوع ذلة ومسكنة له ، وقد يكون فيه إيذاء لذلك المسئول . والله أعلم .
س279 ما حكم شد الرحيل إلى قبور الأنبياء والأولياء للتبرك بها والدعاء عندها مع الدليل؟
ج: هذا الأمر من أشد المنكرات ، وأعظم المحرمات ، وأكبر الوسائل لتعظيمها ، واتخاذها أوثاناً تعبد من دون الله - تعالى- ومن اتخاذها عيداً ففي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا ) وفي الصحيح أيضا أنه قال: ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) يحذر ما صنعوا قالت عائشة رضي الله - تعالى- عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً  وفي الصحيح أيضاً عنه أنه قال: ( ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم- ولا فعلها الصحابة لا عند قبره - صلى الله عليه وسلم- ولا عند غيره ، وهي من جنس الشرك وأسبابه ، ولا يفهم أحمق أرعن جاهل غبي أخرق أن كلامنا هذا فيه إنقاص من قدر الأنبياء والأولياء فإن هذا لا يفهمه إلا من عشعش الشيطان في قلبه وبيض وفرخ وعمَّره بسوء الظن؛ لأن تعظيم الأنبياء إنما يكون بالإيمان بهم ، وطاعتهم ، وموالاتهم ، ونصرتهم ، وتعزيرهم ، وتوقيرهم بما هو مشروع ، فالتعبد مبناه على الدليل والاتباع ، لا على الهوى والابتداع فليس كل أحد يعمل في دينه ما يشتهي ، بل مصداق المحبة الصادقة اتباع المحبوب فيما يأمر به فيمتثل ، وفيما ينهى عنه فيجتنب ، وفيما يخبر به فيصدق ، وما شرع لنا على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم- النهي عن شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة ـ أعني : إذا كان القصد التعبد ـ كما نهى عن الدعاء عند القبور ، ورفع ترابها ، والبناء عليها ، والكتابة عليها ، وتجصيصها ، وزخرفتها ، وإسراجها ، والذبح عندها ، والنذر لها ، وبناء المساجد عليها ، والصلاة عندها . كل ذلك مما شرع لأمته ، فواجب على الأمة اتباعه فيه ، وأن يكون هوانا تبعاً لما جاء به - صلى الله عليه وسلم- وأن لا تأذي الأموات بفعل هذا الشرك عندهم و جريمة نكراء ، في حق التوحيد لما فيه من فتح باب الشرك على مصراعيه . وهل - بالله عليك- دخل الشرك ، وفساد الأحوال ، والاعتقاد إلا بسبب الغلو في الأولياء والصالحين وقبورهم ، والعكوف عندها - فاللهم أصلح أحوال المسلمين ، واكفنا شرور أنفسنا ،و نزغات الشيطان الرجيم- والله أعلم .
س280 كيف توجه قول الأعمى ( اللهم إني أتوجه لك بنبيك - صلى الله عليه وسلم- ) فإن بعض المبتدعة يستدل به على جواز التوسل بجاه النبي و- صلى الله عليه وسلم- وبدعائه بعد مماته ؟
ج : أقول :  لا إشكال في هذا الحديث أبدًا لكن يجب أن تفهم:
أولاً: أنه لا يمكن أبدًا أن تتعارض النصوص الشرعية التي ثبتت صحتها ، ولا يمكن أن يكون فيها ما يدعو إلى ما نهي عنه أبداً ، فيجب عليك أن تعتقد ذلك ، وما ورد عليك مما تتوهم فيه مخالفة أو معارضة فعليك بالاستعانة بالله - تعالى- في كشفه ، ثم بسؤال أهل العلم الراسخين في بيانه . وهذا الحديث قد وردت فيه روايات يبين بعضها بعضًا ، ويفسر بعضها بعضًا ففي جامع الترمذي أن هذا الأعمى قال: ( اللهم إني أسالك ، وأتوسل إليك بنبيك محمد - صلى الله عليه وسلم- في الرحمة لي اللهم شفعه في ) وقد تقدم لك أن التوسل في عرف الصحابة يراد به طلب الدعاء من الغير ، ولذلك ففي رواية في جامع الترمذي ، وسنن ابن ماجه أن هذا الأعمى قال للنبي - صلى الله عليه وسلم- ( ادع الله أن يعافيني فقال: له إن شئت دعوت ، وإن شئت صبرت. قال: فادعه ) فهذا يبين أن هذا التوجه المذكور في حديث السؤال إنما يراد به طلب الدعاء منه ، لا أنه توسل بذاته أو بجاهه كما قد فهمه بعض الغالطين ، ويوضح ذلك لفظ النسائي فإن الأعمى قال للنبي - صلى الله عليه وسلم- ( ادع الله أن يكشف لي عن بصري ....... الحديث. ) وفي المسند ( أن ذلك الأعمى قال: ادع الله أن يعافيني ) فهذا الحديث كحديث عمر السابق ( اللهم إنا كنا نتوسل بنبيك ....... الحديث ) فهذان الحديثان شيء واحد ، فالتوجه المذكور والتوسل الوارد ممما يراد به طلب الدعاء من النبي - صلى الله عليه وسلم- وسؤال الشفاعة منه ، وهو حي ، وهذا أمر لا تنازع فيه ، بل قد ذكرنا أن حديث الأعمى من جملة الأدلة على جوازه ، ويوضح ذلك أن الصحابة -رضي الله عنهم- بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلاً عنه ، فلو كان التوسل به حياً وميتاً سواءً لما عدلوا عن التوسل به بعد موته إلى التوسل بعمه العباس - رضي الله عنه- وهذا واضح إن شاء الله - تعالى- والله أعلم .
س281 هل ثبت في زيادة قبره - صلى الله عليه وسلم- على وجه الخصوص شيء من السنة ؟
ج : لا ، لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- حديث واحد في زيارة قبره ولا قبر غيره على وجه الخصوص ، وما يروى في ذلك فإنما هو موضوع أو شديد الضعف باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، كقولهم: ( من زارني وزار قبر أبي الخليل في عام واحد ضمنت له الجنة ) قال أبو العباس عنه: كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أهـ .
وقال النووي :  باطل ليس هو مروياً عن النبي - صلى الله عليه وسلم- ولا يعرف في كتابٍ صحيح ولا ضعيف بل وضعه بعض الفجرة أهـ
ومن ذلك قولهم: ( من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي ) ولا يصح من أساسه ، بل هو شديد الضعف بمرة ويقرب أن يكون موضوعاً ، ومن ذلك قولهم( من حج فلم يزرني فقد جفاني ) وهذا الحديث لا أصل له ، بل هو من المكذوبات